الحرية الفردية و سوء التفاهم مع بعض من يدعون التقدمية

بقلم :عبدالهادي دهراوي

 

يالها من صدمة كبيرة تلك التي انتابتني و أنا استمع إلى رأي الأخت حسناء ابو زيد فيما يخص العلاقات الرضائية و الحريات الفردية!
فقد تأسفت حقيقة لكون الأخت حسناء تتخذ موقفا رجعيا من معركة الحرية التي نعتبرها عمقا استراتيجيا في معركة الحداثة، و كنت أتمنى ان تغتنم الأخت حسناء كامرأة مناضلة يسارية و تقدمية فرصة سؤالها عن العلاقات الرضائية، لتنتصر لوجهة النظر الحداثية التي ندافع عنها كأحزاب تقدمية و حداثية وكمجتمع مدني ديموقراطي، و نتحمل فيها كامل مسؤولياتنا بكل اقتناع و شجاعة ، حتى و لو اصطدمنا مع الثقافة السائدة في المجتمع و التي هي ثقافة تقليدية في الكثير من جوانبها.
لقد لاذت الأخت حسناء أبو زيد بالغموض لتخلق توافقات مستحيلة و لا قيمة لها من الناحية العملية بين القيم الحداثية و بين القيم التقليدية التي نعتبر انها تتعارض مع مشروعنا المجتمعي القائم على قيم المساواة و الحرية.
و هكذا حاولت الأخت حسناء أبو زيد إظفاء صبغة العقلانية على التقاليد من جهة، وعلى التفسيرات التراثية للعلاقات االجنسية، و يبدو من كلامها أنها محكومة بثلاثية عبرت عنها بشكل غير مباشر، هي الثلاثية المعروفة عند بوعلي ياسين بالثالوث المحرم، و هي الجنس و الدين و السياسة، حيث يصبح الدين خادما للسياسة بشتى الوسائل من أهمها القمع الجنسي، و إحداث حالة انفصام بين القوة الجنسية التي هي طبيعية في الإنسان، وبين التعاليم المشوهة و القمعية للفقهاء، في عملية تدجين للأفراد يكون أساسها إخضاع الفرد باسم الخطيئة و تبكيت الضمير و الحاجة الدائمة للصفح.
إن الظاهرة الدينية تحتاج، في كل وقت، الى دراسة علمية و نقدية، وتحتاج الى فهم عميق على ضوء التطور الاجتماعي، و على ضوء الأدوار السياسية التي تقوم بها، و ذلك أن الدين كضرورة حيوية للمجتمعات يظهر في بدايته كعنصر لتحرير الإنسان من القهر و الظلم، و يكون صرخة ضد الاستعباد و التسلط، لكنه ما إن يقم دولته على الأرض حتى يتحول الى أداة فعالة في أيدي الحكام من أجل إخضاع الناس و استغلالهم.
حدث ذلك في اليهودية مثلما حدث في المسيحية و في الإسلام أيضا، و لعل الصيغة المتداولة من الإسلام الرسمي هي صيغة بني العباس، وذلك بعد اضطهاد الاعتزال و هزيمته، و بعد إخراج ما سمي بوثيقة “الاعتقاد القادري” نسبة الى الخليفة العباسي القادر بالله، الذي انتصر فيها لأهل الحديث من الفقهاء، وأنهى كل ذلك الزخم الفكري و الفلسفي العقلاني الذي أسسه المعتزلة.
و لعل ذلك المفهوم المرعب و الغريب التي سمته الأخت حسناء بالأمن الجنسي يكرس هذا الارتباط بين الجنس و الدين و السباسة، لأنه مفهوم يعكس منظورا أمنيا سلطويا في تدبير علاقات هي بالتعريف فردية وحرة، و هي تمارس اليوم على الهامش بعنف و بطريقة غير سليمة، لأنها مقموعة وغير معترف بها.
إنها علاقات من المفروض أن تكون متحررة من سلطة المجتمع و الدولة، لأنها اختيار فردي يتم بين فردين راشدين عاقلين، وهي مرتبطة بحق إنساني كوني هو تملك الجسد، وهو الحق الذي ناضلت الإنسانية طويلا من أجل الوصول إليه، حتى أن المجتمعات الأوروبية نفسها، لم تعترف بالرغبة الجنسية للمرأة إلا في القرن 19، و أنها قبل ذلك كانت تعتبرها فقط موضوعا للنشاط الجنسي.
إن الرواية الدينية عن الجنس لم تفهم إلا فهما سطحيا، و إلا ما معنى أن نربط الجنس بالخطيئة، بينما تعح كتب التراث الإسلامي بحكايات الجنس في بلاط الملوك و قصور الأغنياء بينما تغيب تلك الحكايات عند العامة و الفقراء و السوقة؟!
هل يعقل أننا في القرن 21 لا زالنا نعتبر أن وظيفة الجنس هي التكاثر و الزيادة في أعداد السكان، فيما أن الموارد و الثروات محدودة ؟
هل يمكن لحداثية و ديموقراطية أن تكرس في خطابها النظرة البطرياركية (الأبوية) و تعتبرها قدرا محتوما و جب التسليم به، في الوقت الذي يناضل الديموقراطيون و الحداثيون من أجل تنظيم أكثر ديموقراطية داخل الأسرة، تنظيم مبني على الاحترام و الحب دون قهر او تسلط من أي طرف، لأن الأبوية هي الأساس الاجتماعي للسلطوية.

error: Content is protected !!