بالارقام…العنف ضد النساء…تطورات كبرى و كيف يتصور المجتمع هذه الظاهرة؟

التازي أنوار

قدمت المندوبية السامية للتخطيط بعض النتائج المتعلقة بخصوص موضوعين حول التطورات الكبرى للعنف ضد النساء وتصورات المجتمع لهذه الظاهرة، وذلك من جملة المواضيع التي خصصت لها المندوبية البحث الوطني الثاني حول انتشار العنف ضد النساء في 2019.

وحسب بلاغ للمندوبية السامية للتخطيط بمناسبة الحملة الوطنية والدولية للتعبئة من أجل القضاء على العنف ضد النساء، فقد تم تصميم هذا البحث ضمن منظور أوسع لفهم مختلف أشكال العنف، بما في ذلك العنف الإلكتروني والعنف في صفوف الضحايا ومرتكبيه في مصدره المزدوج الأنثوي والذكوري، وذلك في مختلف مجالات الحياة وحسب دورة العنف من أجل تحليل التوارث الاجتماعي لهذه الظاهرة تماشيا مع المتطلبات الإحصائية لأجندة 2030 للتنمية المستدامة.

ومن أجل فهم أشمل لظاهرة العنف، يقارب البحث إحدى محدداتها من خلال تصور السكان المغاربة لها حيث يشكل سلوكهم وقيمهم عوامل مضيئة لطابعها الخفي ولترسيخ بعض تجلياتها.

الاتجاهات الكبرى للعنف ضد المرأة وتطوراتها

اتجاه عام نحو الانخفاض وخاصة في الوسط الحضري

أظهرت النتائج الأولية لبحث 2019 أنه من بين 13,4 مليون امرأة تتراوح أعمارهن بين 15 و74 سنة، أزيد من 7,6 مليون تعرضن، خلال الاثني عشر شهرا السابقة للبحث، لنوع واحد من العنف على الأقل وذلك كيفما كانت أشكاله ومجالاته، وهو ما يمثل 57 بالمئة من النساء. ويبلغ معدل انتشار العنف ضد المرأة  58 بالمئة في الوسط الحضري (5,1  مليون امرأة) و55 بالمئة في الوسط القروي (2,5 مليون امرأة).

وبالرغم من طابعه البنيوي، عرف العنف بشكل عام تراجعا بين 2009 و 2019 حيث انخفضت حصة النساء اللائي تعرضن لفعل واحد من العنف على الأقل، ب 6 نقاط منتقلة من 63 بالمئة إلى 57 بالمئة إذا ما اعتبرنا الفئة العمرية 18-64 سنة من النساء موضوع بحث 2009 . ويصل هذا الانخفاض إلى 10 نقاط في الوسط الحضري وحوالي نقطة واحدة في الوسط القروي.

تراجع العنف النفسي والجسدي وتزايد العنف الجنسي والاقتصادي

انخفضت معدلات انتشار العنف النفسي بحوالي 9 نقاط منتقلة من 58بالمئة إلى 49 بالمئة والعنف الجسدي بنقطتين منتقلة من 15 بالمئة إلى 13 بالمئة فيما اتسعت دائرة العنف الاقتصادي ب 7 نقاط منتقلة من 8  بالمئة إلى  15 بالمئة، والعنف الجنسي ب 5 نقاط من 9 بالمئة إلى 14 بالمئة. وقد تم تسجيل نفس المنحى في الوسطين الحضري والقروي، باستثناء العنف الجسدي الذي ارتفع  ب 4 نقاط في المناطق القروية منتقلا بذلك من 9 ٪ سنة 2009 إلى 13 ٪ سنة  2019.

 اتجاه عام نحو الانخفاض في المناطق الحضرية ونحو الارتفاع في المناطق القروية في مختلف فضاءات الحياة باستثناء الأماكن العامة

حسب مجالات الحياة، يظل العنف الممارس في الفضاء المنزلي الذي يشمل العنف المرتكب من لدن الشريك والأسرة (بما في ذلك أسرة الشريك) الأكثر انتشارا بنسبة 52٪ (6,1 مليون امرأة)  وذلك بزيادة نقطة واحدة مقارنة مع 2009. في حين شهدت مجالات الحياة الأخرى تراجعا في نسبة انتشار العنف خاصة في الأماكن العامة من 33 بالمئة إلى 13 بالمئة ، وفي فضاء التعليم من 24 بالمئة إلى 19 بالمئة.

ويكشف تطور معدل انتشار العنف حسب وسط الإقامة عن اتجاهات معاكسة تتجلى في انخفاضه بالمناطق الحضرية وارتفاعه بالمناطق القروية بجميع فضاءات الحياة باستثناء الفضاء العام الذي شهد انخفاضا في كلا الوسطين.

يهم العنف الزوجي بالخصوص النساء الأقل تعليماً والشابات والعاطلات عن العمل

خلال 2019، بلغ معدل انتشار العنف في الفضاء الزوجي 46 ٪ (5,3 مليون امرأة) من بين النساء، المتراوحة أعمارهن مابين 15 و 74 سنة، ضحايا العنف المرتكب من طرف الزوج أو الزوج السابق أو الخطيب أو الشريك الحميم. وتظل الفئات الأكثر عرضة للعنف الزوجي النساء المتزوجات (52 ٪) والشابات اللائي تتراوح أعمارهن بين 15 و 24 سنة (59 ٪) والنساء ذوات مستوى تعليمي متوسط (54 ٪) والعاطلات عن العمل (56٪).

ومن جهة أخرى، وباعتبار خصائص الشريك، يرتفع معدل انتشار العنف بشكل خاص بين النساء ذات شريك عاش في بيئة يسودها العنف المنزلي بمعدل 73 بالمئة أو شابا يتراوح عمره بين 15 و34 سنة بمعدل 61بالمئة أو حاصلا على مستوى تعليمي ثانوي إعدادي بمعدل 57 بالمئة.

وتعود سبع حالات من أفعال العنف الزوجي من أصل عشرة (69٪) للعنف النفسي، و 12٪ للعنف الاقتصادي و11٪  للعنف الجسدي وحوالي 8٪ للعنف الجنسي.

هيمنة العنف النفسي والتمييز الاقتصادي في الفضاء المهني.

في مكان العمل، تتعرض 15 ٪ من النساء النشيطات على الأقل لشكل من أشكال العنف. وتزداد  هذه النسبة حدة لدى النساء المطلقات (22٪) ولدى الأجيرات (21٪) وبين النساء في الوسط الحضري (18٪) والشابات المتراوحة أعمارهن بين 15 و 34  سنة (19٪). وترتكب 41٪ من حالات العنف من طرف المسؤولين و 29٪ منها من قبل زملاء العمل.

وترجع غالبية أفعال العنف في الفضاء المهني (83٪) إلى سلوك التعنيف النفسي (49٪) أو إلى التمييز الاقتصادي (34٪).

العنف النفسي هو الأكثر انتشارا في أماكن التعليم والتكوين

صرحت 22٪ من التلميذات والطالبات بتعرضهن للعنف في مؤسسات التعليم والتكوين. وترتكب 46٪ من حالات العنف من طرف زملاء الدراسة للضحايا و28٪ من طرف الأساتذة و21٪ من طرف أشخاص غرباء عن المؤسسة. و تنتج 52 ٪ من حالات العنف المرتكب في أماكن الدراسة عن العنف النفسي و37 ٪ منها عن التحرش الجنسي و 11 ٪ عن العنف الجسدي.

التحرش الجنسي هو العنف الرئيسي الممارس ضد المرأة في الأماكن العامة

تعرضت 13بالمئة من النساء للعنف خلال 12 شهرا الماضية (1,7 مليون امرأة) في الأماكن العامة، 16بالمئة في المناطق الحضرية و7بالمئة في المناطق القروية. وترتفع نسبة انتشار هذا العنف بين النساء الشابات المتراوحة أعمارهن ما بين 15 و 24 سنة (22٪) والعازبات (27٪) والنساء ذات المستوى التعليمي العالي (23٪) والعاملات (23٪). وتعزى 49 ٪ من حالات العنف المرتكبة في هذه الأماكن إلى التحرش الجنسي و 32 ٪ منها إلى العنف النفسي و 19 بالمئة إلى العنف الجسدي.

استمرار امتناع النساء ضحايا العنف عن التبليغ عنه

على إثر أشد حدث عنف جسدي أو جنسي تعرضت له المرأة خلال 12 شهرا الماضية، قامت 10,5٪ من ضحايا العنف (ما يقرب من 18 ٪ للعنف الجسدي وأقل من 3 ٪ للعنف الجنسي) بتقديم شكاية إلى الشرطة أو إلى سلطات مختصة أخرى مقابل 3٪ سنة 2009. ولا تتجاوز هذه النسبة 8 ٪ في حالة العنف الزوجي مقابل 11٪ في حالة العنف غير الزوجي.

ويعتبر حل النزاع عن طريق التسوية  والتدخل الأسري والخوف من الانتقام من طرف الجاني  وكذا مشاعر الخجل أو الحرج، خاصة في حالات العنف الجنسي، من بين الأسباب الرئيسية التي تمنع الضحايا من تقديم شكاية إلى الجهات المختصة.

ولا تتجاوز نسبة لجوء النساء ضحايا العنف للمجتمع المدني 1,3٪. وترتفع هذه النسبة إلى 2,5٪ في صفوف ضحايا العنف الزوجي مقابل 0,3 ٪  في حالة العنف في فضاءات أخرى.

العنف الإلكتروني وضحاياه

مع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الجديدة وتوسيع الشبكات الاجتماعية، برز شكل آخر من أشكال العنف يسمى “العنف الإلكتروني” بنسبة انتشار تبلغ 14 ٪ أي ما يقارب 1,5 مليون امرأة ضحايا للعنف الإلكتروني من خلال البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية والرسائل النصية القصيرة ، إلخ. ويرتفع احتمال الوقوع ضحية لهذا النوع من العنف إلى  16 ٪ بين نساء المدن وإلى 29 ٪ بين النساء الشابات المتراوحة أعمارهن ما بين 15 و 19 سنة وإلى 25٪ بين  النساء الحاصلات على مستوى تعليمي عالي وإلى 30٪ بين العازبات وإلى 34٪ بين التلميذات والطالبات.

ويرتكب هذا النوع من العنف في 77 ٪ من الحالات من قبل شخص مجهول فيما تتوزع باقي الحالات المتبقية بنسب متساوية تقارب 4٪ بين أشخاص لديهم علاقة مع الضحية خاصة الشريك وأحد أفراد الأسرة وزميل في العمل وشخص في مجال الدراسة وصديق (ة).

تصورات المجتمع حول العنف

بعد تحديد اتجاهات وأشكال العنف المختلفة ضد المرأة، يتطرق هذا الجزء الى بعض نتائج البحث حول تصورات المجتمع المغربي لهذه الظاهرة والتي تكشف عن جوانب مهمة ليس فقط للآراء المتعددة للنساء وللرجال ولكن أيضًا للقيم العميقة التي لا يزالون يتبنونها.

تصور النساء والأطفال كفئتين الأكثر عرضة للعنف

تعتبر النساء بنسبة أكبر من الرجال أن العنف ضد المرأة (73٪ مقابل 55٪) والأطفال (69٪ مقابل 48٪) قد تزايد خلال السنوات الخمس الماضية، في حين، ترى نسبة أكبر من الرجال مقارنة مع النساء (49٪ مقابل 26٪) أن تطور العنف ضد الرجال قد تزايد.

الرأي العام أكثر حساسية اتجاه العنف المرتكب في الحياة الزوجية والأماكن العامة

من بين جميع المجالات التي تم التطرق إليها في البحث، ترى 57 ٪ من النساء مقابل 21 ٪ من الرجال أن المجال الزوجي هو المجال الذي تتعرض فيه المرأة بشكل أكثر للعنف. وتبلغ هتان النسبتان على التوالي 27 ٪ مقابل 58 ٪ بالنسبة للأماكن العامة و 12٪ مقابل 10 ٪ بالنسبة للمجال العائلي.

بالنسبة للمجالين اللذين أرتفع فيهما العنف ضد المرأة خلال السنوات الخمس الماضية ، حسب تصور المجتمع، تعتبر 75٪ من النساء مقابل 78٪ من الرجال أن الأماكن العامة هي التي تميزت بتزايد العنف فيما تعتبر 69 ٪ من النساء مقابل 58 ٪ من الرجال أن العنف قد تزايد في المجال الزوجي.

ويزداد ارتفاع العنف الزوجي حدة في تصور النساء المطلقات (73٪) والنساء اللواتي تعرضن للعنف الزوجي (61٪) والنساء القرويات (61٪) والنساء الحاصلات على المستوى الثانوي من التعليم (63 ٪). وتسجل هذه النسبة أعلى مستوى لها من بين الرجال المطلقين (64 ٪)  والذين تتراوح أعمارهم بين 45 و 59 سنة (61 ٪) والنشيطين المشتغلين (59 ٪).

ومن جهة أخرى، تتجلى تصورات تزايد العنف في الأماكن العامة  بشكل أكبر لدى النساء الحضريات (82٪) والنساء الشابات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و 24 سنة (78٪) والنساء العازبات (80٪) والنساء الحاصلات على مستوى تعليمي عال (86٪). وتبقى نسب هذه التصورات غير متباينة بين الرجال.

تصور العنف الزوجي كشأن خاص يهم الأسرة

يعتبر حوالي 38% من النساء و40 % من الرجال أن تحمل المرأة للعنف الزوجي أمر مقبول للحفاظ على استقرار الأسرة، في حين تبلغ هذه النسبة 53 % لدى النساء بدون مستوى تعليمي مقابل 9 % لدى النساء بمستوى تعليمي عال. ويرتفع مستوى هذا التصور لدى الرجال المطلقين (50 %) والرجال بدون مستوى تعليمي (50 %) والرجال القرويين (48 %).

وعن أسباب استمرار العلاقة الزوجية رغم كون الزوج عنيفا، يرى 77 % من النساء و72 % من الرجال أن وجود الأطفال يشكل السبب الرئيسي فيما يرجع 11,5  % من النساء و4 % من الرجال ذلك إلى انعدام الموارد المالية لدى المرأة. أما الذين يرون الاعتبارات الدينية سببا رئيسيا لتحمل المرأة للعنف فلا تتجاوز 1,3 % من النساء و 2,4 % من الرجال.

وتعتبر 48 % من النساء أن العنف الزوجي يظل شأنا خاصا بالأسرة لا يجب إفشاؤه أو البوح به للآخرين وهو الرأي الذي يزكيه الرجال بشكل أكبر (70 %).

 العنف الزوجي لا يشكل بعد انشغالا كبيرا في المجتمع

وبخصوص تقبل العنف من عدمه لدى بعض فئات المجتمع، تعتبر 27 % من النساء و31 % من الرجال أنه يحق للزوج أو الشريك الحميم معاقبة زوجته أو شريكته عند ارتكابها لخطأ ما. وتصل هذه النسب الى أعلى مستوى لها بشكل متساو بين النساء والرجال القرويين (36 %) وبين النساء والرجال بدون أي مستوى تعليمي (35 %) فيما تبلغ هذه النسب 32 % بين النساء البالغة اعمارهن 60 سنة فما فوق و 31 % بين الرجال من نفس الفئة العمرية.

من جهة أخرى،  يرى 21 % من النساء و 25 % من الرجال أنه من حق الزوج ضرب أو تعنيف زوجته في حال خروجها من البيت دون إذنه. وتصل هذه النسبة الى أعلى مستوى لها لدى النساء القرويات (31 %) والرجال القرويين (30 %) والنساء بدون مستوى تعليمي (31 %).

الفقر والصراعات ذات الطابع المادي وانعدام التواصل، أهم الأسباب وراء العنف في المجال الزوجي

 يشكل الفقر والصراعات ذات الصبغة المادية في تصور 55% من النساء و 74 % من الرجال أهم الأسباب التي تكمن وراء العنف الزوجي. ويشكل انعدام التواصل بين الزوجين سببا لذلك بالنسبة ل13 % من الرجال و 6 % من النساء.

 الفقر وتناول الكحول وتعاطي المخدرات وبطالة الشباب، أهم أسباب العنف في الأماكن العامة

يعتبر 15 % من النساء و 40 % من الرجال أن الفقر من بين المسببات الرئيسية لانتشار العنف بالأماكن العامة إضافة إلى تناول الكحول وتعاطي المخدرات بالنسبة ل 16 % من النساء و21 % من الرجال وعطالة الشباب  بالنسبة ل 15 % من النساء و 2 % من الرجال.

ضعف المعرفة بالقانون وضعف اللجوء لمؤسسات الحماية من العنف ضد النساء

أكثر من نصف النساء والرجال ليسوا على علم بوجود القانون 13-103 المتعلق بالحماية من العنف ضد المرأة، حيث يؤكد أكثر من 58 % من النساء و 57 % من الرجال جهلهم بوجود هذا القانون. وترتفع هذه النسب في الوسط القروي (70 % من النساء و 69 % من الرجال) وبين النساء والرجال بدون مستوى تعليمي (71 % و 74 % على التوالي). ولا يوجد أي فارق، من حيث المعرفة بهذا القانون، بين النساء اللواتي سبق لهن التعرض للعنف  واللواتي لم يسبق لهن ذلك.

ومن بين الأشخاص على علم بهذا القانون، 45 % من النساء و 31 % من الرجال يعتبرون أنه غير كاف لضمان حماية النساء من العنف.

من جهة أخرى، 62 % من النساء هن على علم بوجود جمعيات لدعم النساء ضحايا العنف وأبنائهن، في حين 41 % من النساء يعلمن بوجود خلايا الاستقبال التابعة للمؤسسات العمومية. وعلى العموم، كيفما كانت مميزاتهن السوسيوثقافية والاقتصادية، فالنساء هن أكثر معرفة بوجود المنظمات غير الحكومية مقارنة بعلمهن بوجود المؤسسات الحكومية التي تعمل على دعم النساء ضحايا العنف.

error: