ندوة فلسفية بخنيفرة تفكك قضايا “الأخلاقيات البيولوجية” في ضوء جدلية الأبحاث الطبية وحقوق الإنسان

– أحمد بيضي

 

    تخليدا لليوم العالمي للفلسفة، اختار فرع خنيفرة ل “الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة”، التنسيق مع مسلك الفلسفة بكلية الآداب والعلوم الانسانية بمكناس، لتشخيص ومناقشة “الأخلاقيات البيولوجية وقضايا الإيتيقا المطبقة”، في إطار مواكبة النقاش العمومي في الموضوع، ومدى التزام الدول بروح “الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الإنسان” الذي اعتمدته الدول الأعضاء في اليونسكو سنة 2005، بعدما ظلت الأصوات تتعالى للتحذير من مخاطر الأبحاث والتجارب الطبية البيولوجية على الانسان، سيما قبيل “قانون نورنبرغ” الذي صدر سنة 1947 في إطار محاكمة مجرمي الحرب النازيين، وضمنهم مجموعة من الأطباء الذين قاموا بتجارب على أسرى المعسكرات، وبعده سماح الحكومة البريطانية عام 2000 باستنساخ الأجنة البشرية خدمة للبحث العلمي.

    الموضوع تمت مناقشته في الندوة التي جرى تنظيمها، مساء السبت 14 دجنبر 2019، في ضيافة مقر مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم (المقتصدية)، بخنيفرة، بمشاركة باحثين جامعيين، د. عزيز قميشو، د. محمد أبوحفص، د. مروان الحمداني ود. محمد لشقر، وتميزت بحضور لافت ومتنوع من فاعلين جمعويين ومهتمين بالقضايا الفكرية والفلسفية، وأطر تربوية، وتلميذات وتلاميذ، حيث اختير لتسييرها وإدارتها ذ. نورالدين الفنون الذي افتتح أشغالها بإبرازه لدلالة الموضوع في ظل الاهتمام المتزايد به، وطنيا ودوليا، بالنظر للتطور المتسارع على مستوى العلم والتكنولوجيا والطب والهندسة الوراثية، وأيضا لظهور تخصصات مثيرة للنقاش والجدل حول علاقة العلوم الطبية بالقيم الانسانية والاخلاقية، مثل الاستنساخ والاجهاض والموت الرحيم والتجارب الطبية على الانسان.

   من جهته، انطلق د. محمد أبوحفص من تفكيك مفهوم البيوإيتيقا، كفكر أخلاقي الحديث النشأة، وتعقبه لما يتعلق بصناعة الطب والصحة والتكنولوجيا، وما يترتب عنه من علاقات وتأثيرات أخلاقية جانبية، إلى جانب ما ترمي إليه البيوإيتيقا من تحقيق في المرض والعلاج، وفي ما إذا كان الاستمرار في الحياة ممكنا؟، كما تطرق المتدخل للتطور الهائل الذي عرفته العلوم وموقع الإنسان فيه “بعدما أصبح في مواجهة إفرازات للإشكاليات مرتبطة مثلا بالإجهاض وزرع الاعضاء، والتجارب الممارسة على هذا الانسان دون علمه”، إلى غيرها من المشاكل الجديدة اللصيقة بالتقدم العلمي، والتي فرضت تفاعل الخطاب الأخلاقي مع كل التخصصات المتعددة.

    وفي ذات السياق أكد د. أبوحفص أن “الفكر الأخلاقي الذي ظهر في العقود الأخيرة طرح إشكالا قائما لدى الباحثين بخصوص المراحل التي قطعها، وهل فعلا هو فكر حديث النشأة أم هو فكر قديم بمصطلح حديث وأخلاقيات جديدة؟”، سيما أن “الجذور الأخلاقية المستفيدة من الكانطية والفلسفة الحقوقية والوجودية لها ما يثبت تاريخها”، مبرزا ما للفكر البيوإيتيقي، في شقه الأخلاقي، من طرح يراعي كرامة الانسان، وبينما ذكر بالقسم الأخلاقي لأبيقراط كتعاقد بين الطبيب والمريض، انتقل بمقاربة تاريخية إلى التساؤل حول معنى عدم اهتمام الباحثين في تاريخ البيوإيتيقا بمساهمات المفكرين والفلاسفة المسلمين في الفكر الأخلاقي والنهضة العلمية والطبية.

    ومن خلال مداخلته، ذكر د. أبو حفص بمؤلفات الفلاسفة والأطباء المسلمين، والتي ترجمت إلى عدة لغات عالمية، ليركز على شخصية أبي بكر الرازي وكتابه “الحاوي في الطب” الذي ظل مرجعا أساسيا في أوروبا لعدة قرون، ثم لرسالته لتلامذته الذين كانوا يحيطون به، وحثهم فيها على الالتزام بالأخلاق الطبية، قبل إعراب المتدخل عن تأسفه حيال “الطبيب الذي ينهج عمله بعقلية الأجر والماديات، والمؤسسة الاستشفائية التي تجبر المريض على الأداء قبل العلاج”، معلقا على ذلك بالسلوك الذي لا يليق بالقيم الأخلاقية مادام العمل الطبي مسؤولية، كما لم يفته العودة بالحضور الى فترة العهد النازي عندما كان النظام يقوم بتجاربه الطبية على الأسرى بمعسكرات الاعتقال.

   أما د. محمد لشقر فافتتح مداخلته بسؤال الإيتيقا والبحث في سبل العيش المشترك باعتبارها المشَكِّلة للإنسانية المتعددة، وكيف لم يتم “البحث في تأخر الفلسفة في تناول المشكلات الأكثر عرضة للتساؤل؟”، و”كيف انشغل الفلاسفة بسؤال اللغة والسياسة دون الانتباه للجانب العلمي؟”، مع بعض الاستثناءات، ليذكر بالفلاسفة الذين استخدموا لفظ الإيتيقا والبيوإيتيقا، عندما تقدمت علوم الطب والبيولوجيا ولاحظ بعضهم تأخر القيم الأخلاقية والانسانية، دون أن يفوت المتدخل وضع مفهوم الإيتيقا تحت مجهر فلسفي واسع بالنظر لتفرعه على مجالات وتخصصات معرفية متعددة، ونمو الاهتمام العالمي بمشاكله الأخلاقية والقانونية في ميادين الطب والبيولوجيا والصحة.

    وبعد انتقائه لما شرحه بعض الفلاسفة بحفظ بقاء الانسان والحياة، بحسب ما كان يرمي إليه واضع اللفظ، ونتائج ذلك في “حقوق المريض وصورة الطبيب المعالج النافع لمريضه”، انتقل المتدخل د. لشقر إلى تشخيص علاقة الدين بالأخلاق لدى الفلاسفة القدامى وفلاسفة العصر الحديث، والمبادئ الكانطية من خلال الواجب الأخلاقي، واصفا الإيتيقا ب “قطع غيار لمجالات متعددة، وبتجليات واقعية مصلحية قائمة على مبدأ توافقات”، ليغوص بالحضور في مكانة الحرية عند سارتر، والتجريب الانساني والحيواني في الطب، والأنظمة البيئية والطبيعية والوراثية، وكلها في عناوين قام بقراءات متأنية في مواضيعها.

    وصلة بورقته، تطرق د. لشقر لشركات الأدوية الصيدلانية التي “تراهن على صناعة الأدوية الخاصة بالأمراض المنتشرة دونما اهتمام بالأمراض النادرة التي تبقى خارج الصناعات النفعية، ومبعدة عن التطورات التي تعرفها صناعة الأدوية”، في حين تناول مواضيع أخرى من قبيل الاخصاب الاصطناعي وأطفال الأنابيب، في ربطها بمفاهيم الأب والابن والأسرة والتبني والنظام الاجتماعي، وبمجادلات المعايير الدينية والعلمية، كما عرج بورقته على مفهوم الكرامة الانسانية من منظور الإيتيقا، وسؤال مدى “تمكن مجتمعنا على عيش ما يعيشه العالم أمام منعطف تحالف علوم الحياة بالقيم الأخلاقية”، و”كيف يمكن لكل واحد منا التفكير بمفرده خارج الآراء المتضاربة حولنا؟”.

    وبدوره، انطلق د. مروان الحمداني من نقطة المقاربة المنهجية الجديدة للتعريف بالأخلاق ولا تجعل الفلسفة مركزا، ومن سؤال معنى الإيتيقا المطبقة؟، وتجاوز دلالية القيم والتجديد المنهجي في الأخلاق؟، وكيف يمكن تدريس الموضوع بما يروم إذكاء وعي العامة بأخلاقيات البيولوجيا؟، كما تمكن المتدخل، من زاويته، تحليل الحدود الأخلاقية، ومفاهيمها على مستوى العالم، ووضعياتها عبر المقاربات المطروحة، وما تمخضت عنه الثورة الاخلاقية في علاقة العقل بالطبيعة، حيث اختار قراءة ذلك على ضوء فلسفة جون ديوي، والتطور العلمي في الحياة والواقع الانساني، وأثر العقل والعلم فيهما، متسائلا حول امكانية انطلاق دلالة القيم من حياة الناس، باعتبارها تخلق قيمتها بنفسها.

    وارتباطا بذات الموضوع، طرح المتدخل د. الحمداني سؤال: “كيف يمكن للفكرة أن تخلق المدينة والمدينة تخلق قيما؟”، منطلقا في ذلك من رؤية الفيلسوف ديوي لعلاقة الفكرة بالقيم، ومن الاختيارات الإنسية للقيم في فلسفة هذا المفكر، حيث استنتج ما يؤكد “إمكانية تعريف وضعيتنا الأخلاقية في عناصر مجددة؟ وسبل الخروج منها؟ ومدى محض الفردية فيها؟”، واضعا مقارنة بين فلسفتي ديوي وأفلاطون من باب اختبارية القيم في الحقل الأخلاقي عند ديوي، ومشكلة العلم في توقفه عندما يتحول البحث الى نظرية، وبينما تحدث المتدخل عن مخارج الأخلاق انهى ورقته بتحليل موضوع الأخلاق التطبيقية في منطق البحث ودور القانون في الفصل بين الممكن والمحظور.

     ومن جهته، افتتح د. عزيز قميشو مشاركته في الندوة ب “الكيمياء التي انتجت البنسلين، ونجاح أحد الاطباء في صنع الدواء بعد تجريبه على بعض الجنود الأمريكيين”، بمعنى أنه بقدر ما ساهم الدواء في انقاذ البشرية أثار ما يكفي من الجدل الأخلاقي بخصوص التجارب الممارسة على البشر”، الأمر الذي ظل مخفيا إلى ما بعد حوال أربعة عقود، عندما عرته إحدى الصحف الأمريكية، أوائل السبعينيات من القرن الماضي، معتبرة إياه انتهاكا جسيما لحقوق الانسان، واضطر حينها الرئيس بيل كلينتون إلى الخروج بخطاب يعتذر فيه للشعب الأمريكي ولأسر الجنود الأمريكيين الذين مورست في حقهم التجارب الطبية بعدما أضحت المعايير الأخلاقية أمراً ضرورياً أكثر من أي وقت مضى.

    من هذا المنطق قرأ المتدخل د. قميشو في الحدث ما جعل الأطباء يتيهون في إشكالية العلم “التي بقدر ما تنطوي على المسائل الايجابية تنطوي على كوارث انسانية”، ليذكر بتقرير ينص على تنظيم وتقنين التجارب الطبية الممارسة على الإنسان، والذي أعقبه “الإعلان العالمي لأخلاقيات البيولوجيا وحقوق الانسان”، ويتناول القضايا الأخلاقية التي يفرضها الطب وعلوم الحياة المتعلقة بها والمطبقة على البشر، مع الأخذ في الاعتبار بعدها الاجتماعي والقانوني، ويحتوي الاعلان على 15 بندا، لم يفت المتدخل استعراض مبادئها المحددة في احترام الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، والتأكيد على تغليب مصالح الفرد على مصالح العلم من باب الحاجة للأخلاق كواجب.

     وعلى هذا المستوى، قام المتدخل د. قميشو بتلاوة وتفسير بنود الإعلان العالمي المذكور، والداعية إلى تعزيز واحترام الكرامة والحقوق الانسانية وحياة البشر، الاستقلالية والمسؤولية الفردية، ورفض اجراء أي عمل طبي الا بموافقة الشخص المعني بالأمر، من باب حماية السلامة العامة وحماية حقوق وحريات الآخرين، مع عدم نشر أي بحث علمي إلا باحترام المقتضيات والمواثيق المتعارف عليها، في حين حاول المتدخل تحليل علاقة التطور العلمي بعلوم الحياة وحقوق الانسان وكيف للفلسفة “العمل على توجيه ما وصل إليه هذا التطور في علاقته بالكرامة الانسانية”، حتى يمكن للعلم مراعاة حقوق الجنس البشري مادام مرتبطا بالوجود الانساني على ظهر الكرة الأرضية.

    وقبل إسدال الستار على أشغال الندوة الفلسفية، فُتح باب النقاش أمام الحضور الذي سجل جملة من الرؤى والأفكار والانتقادات، إلى جانب مجموعة من التساؤلات التي لا تقل عن: علاقة الأخلاق الانسانية بالأخلاق الطبية؟ كيف يمكن الاقتناع بالحاجة إلى العمل التقنيني في مجال أخلاقيات البيولوجيا؟ هل يمكن للعلم صنع الخلود للإنسان؟ هل يمكن الحديث عن الإيتيقا بصيغة المفرد؟ لماذا يتم ربط الخطاب الأخلاقي بالخلفية الدينية دائما؟ ما علاقة الأخلاق الكانطية بالبرغماتية؟ إلى غيرها من “نقاط النظام” التي برهنت على تفاعل الحضور مع أوراق الندوة إلى درجة أن أحد المتدخلين فسر أصل مصطلح “الإيتيقا” بكونه يتشكل من كلمتين، يونانية ولاتينية، وكلاهما يعنيان فكرة تتعلق بآداب وحسن السلوك الإنساني.   

error: