اتساع دائرة التضامن مع الناشط “بوذا” المعتقل بخنيفرة على خلفية تدوينات فايسبوكية

  • أحمد بيضي

 

   اختفت كتابات “بوذا غسان” من الفضاء الأزرق على غير عادته اليومية، كما كان من أبرز الغائبين في الوقفة التي شهدتها ساحة ابتدائية خنيفرة، ذلك منذ أن أضحى في عداد “معتقلي الرأي”، وقد تم تقديمه أمام النيابة العامة بمحكمة خنيفرة، يوم الجمعة، بمؤازرة عدد من المحامين المتطوعين، مباشرة بعد إعادته من ولاية أمن بني ملال التي كان قد أحيل عليها، في ظروف ملتبسة، وتم استفساره بخصوص مجموعة من التدوينات الفيسبوكية، قبل قرار متابعته في حالة اعتقال، وتحديد جلسة يوم الاثنين 23 دجنبر 2019 أول جلسة لمحاكمته، وذلك في الوقت الذي شهدت فيه ساحة المحكمة وقفة احتجاجية، شارك فيها عدد من الفاعلين والمناضلين السياسيين والحقوقيين، من خنيفرة، أجلموس، مريرت، زاوية الشيخ، بني ملال، تادلة وغيرها، إلى جانب أفراد العائلة المكلومة المفجوعة.

    وأكدت مصادر عليمة أن الناشط عبدالعالي باحماد، المعروف ب “بوذا غسان”، تمت متابعته بتهم “المس بالمقدسات وإهانة العلم الوطني والتحريض على المس بالرموز الوطنية”، وتم الاستماع إليه بشأن خمس تدوينات تتعلق بما يعنيه بعبارة “النظام”، وتعاليقه إزاء “عملية حرق العلم المغربي بباريس”، و”معنى إشادته بها”، حيث تم التركيز على تعليقاته بخصوص العلم الوطني، وباقي التعاليق التي اعتبرها المحامون المؤازرون ل “بوذا” غامضة وفضفاضة، فيما لم يفت مصادرنا الكشف عن نفسية المعني بالأمر بالقول إنها “كانت مرتفعة ولا أثر فيها لأي شعور بالارتباك”، رغم مواجهته بعدة أسئلة محرجة لم تغفل حتى سبب معانقته لعلم تشي غيفارا ومناصرته للاحتجاجات، حيث رفض كل التهم المنسوبة اليه مقابل دفاعه عن براءته بقوة.

   الوقفة الاحتجاجية التي عرفتها ساحة ابتدائية خنيفرة، يوم الجمعة، وجرى تطويقها بشتى تلاوين العناصر الأمنية، تم التذكير فيها بسيناريو اعتقال “بوذا”، منذ استدعائه من طرف درك أجلموس، وإشعاره، بصورة غريبة، بضرورة الاستجابة لأمن بني ملال الذي نفى أول الأمر علمه بأي استدعاء، ليعود لأمن خنيفرة، يوم الأربعاء، حيث جرى “احتجازه” لمدة خمس ساعات، قبل تحويله لولاية أمن بني ملال للتحقيق معه، والاحتفاظ به قيد تدابير الحراسة النظرية، لتتم إعادته لخنيفرة، حيث عرض على النيابة العامة، ووقتها تم تنظيم الوقفة التي لم تتوقف فيها حناجر المتظاهرين عن التنديد بانتهاكات حرية الرأي والتعبير، وبمظاهر الفساد والاستبداد والحيف وسياسة التهم الجاهزة وتكميم الأفواه وتكبيل الأصوات الحرة، مقابل المطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية

    ولم يمر “ملف بوذا” في صمت، حين انتشر خبره بسرعة واسعة بالنظر لشخصيته المعروفة، وحضوره في كل الوقفات الاحتجاجية، الحقوقية منها والشعبية والاجتماعية، وعلاقاته الانسانية بأبناء قريته أجلموس، وتقاسمه لحياته الخاصة مع مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، بدء من جولاته بين مرافق السوق وأباريق الشاي وصحون السمك وموائد محبيه، وانسجامه مع الفقراء والمستضعفين والمهمشين، إلى نحو التعبير الصريح والواضح عن موقفه من المفسدين والمنتخبين والمنافقين، وبينما يعتز بجمال لونه الأسمر، يؤكد معارفه مدى بياض قلبه، وفي خضم “حروبه” يخشى على نعومة خاطر والدته من الكسر، حتى أنه خشي أن يصلها خبر استدعائه للأمن، وقد فات للموت أن خطف ابنها الأصغر، ولم يبق لها من رحمها سوى عبد العالي باحماد (بوذا) الولد الوحيد.  

   وفي ما وصفه فرع “الجمعية المغربية لحقوق الانسان”، ب “الوضع الوطني المتسم بالتراجعات الخطيرة في كل مناحي الحياة”، و”الإجهاز على الحقوق والمكتسبات”، أسرع إلى تعميم بيان له في قضية عبد العالي باحماد (بوذا) منذ “استدعائه من أجل الاستماع إليه، واعتقاله، بعد تحقيق دام لأزيد من عشر ساعات موزعة بين مخافر الشرطة القضائية، بكل من خنيفرة وبني ملال، في ترهيب وتعذيب نفسي متعمد”، و”حرمان من النوم واستنطاق رهيب”، قبل نقله لبني ملال “وهو يتضور جوعا، ليتم استكمال استنطاقه وإعادته مرة أخرى لتقديمه أمام وكيل الملك بابتدائية خنيفرة، في أجواء مطوقة بشكل مهول لقمع الوقفة الاحتجاجية التضامنية” وفق نص البيان.

    وبينما لم يفت فرع الجمعية اعتبار اعتقال المعني بالأمر “اعتقالا سياسيا بسبب مواقفه ولجما لصوته، لكونه معروفا بديناميته وتحركه إلى جانب كافة الحركات الاحتجاجية محليا ووطنيا”، أعلن بقوة عن “تضامنه المبدئي ومؤازرته لهذا المعتقل السياسي وأفراد أسرته”، وعن “إدانته للمقاربة الأمنية التي جوبهت بها الوقفة الاحتجاجية أمام ابتدائية خنيفرة”، بوصفها “ضربا صارخا لحرية الاحتجاج والتظاهر السلميين”، مع مطالبته ب “الإفراج الفوري عن المعتقل السياسي المعني بالأمر، وحفظ ملف المتابعة المفبركة ضده، باعتبارها متابعة على المواقف السياسية وتعبير عن الرأي”، وكل التهم الموجهة له “تشكل خطرا على النقاش السياسي المطلوب بالبلد، ومسا خطيرا بالدستور على علاته، والتفافا على المواثيق الدولية في هذا الصدد”، يضيف البيان.

    وتشاء الصدف، أن يأتي “اقتناص” عبدالعالي باحماد (بوذا)، بعد أيام قليلة من تخليد ذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان، وأيضا في الوقت الذي يوجد فيه صديقه، الناشط الميداني سعيد أفريد، رهن الاعتقال بالسجن المحلي لخنيفرة، بعد إدانته بثلاثة أشهر حبسا نافذة، بمبرر “استخدامه للأكياس البلاستيكية وإهانته لموظف من لجنة المراقبة بالسوق الأسبوعي لمدينة مريرت”، حيث يزاول مهنة بيع الخضر والفواكه، وقد أجمع الرأي العام، الإقليمي والوطني، على كون اعتقاله “اعتقالا سياسيا انتقاميا” على خلفية تدويناته الفيسبوكية، ومواكبته للأشكال الاحتجاجية التي تعرفها المدينة، ما حمل العديد من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين إلى تنظيم سلسلة من الاحتجاجات والوقفات التضامنية المبرزة لشخصية سعيد أفريد ومواقفه النضالية.

error: Content is protected !!