“اقتطاعات” بنكية من معاش هزيل لأرملة عجوز تكشف عن “عنف اجتماعي” من نوع آخر

  • أحمد بيضي

 

باندهاش عميق، حصلت “أنوار بريس” على “وثيقة مؤلمة” تبين مدى فداحة “اقتطاعات بنكية”، بقيمة 182 درهما، من حساب أرملة تتقاضى معاشا لا يتجاوز 523.55 درهما، أي بنسبة 35 بالمائة من قيمة المعاش، ما لن يعتبر إلا محنة تنضاف إلى الأعباء الاجتماعية والمعيشية للمعنية بالأمر ومثيلاتها، دون أدنى مراعاة لأحوالها الصحية والمادية المتردية، وهي البالغة من العمر عثيا بتجاوزها لعقدها الثامن، حين فتحت حسابها البنكي، طبقا لتوجيهات صندوق التقاعد، من أجل تلقي معاشها مباشرة في حساب بنكي عوض الانتظار في الطوابير المصطفة أمام مكاتب البريد، والخدمة الوحيدة التي تستعملها هذه المواطنة هي خدمة السحب.

    وبينما يندرج فتح حساب المواطنة ضمن ما يسمى ب “الخطة الوطنية للشمول المالي”، فلا أحد قد يتمكن من تفسير الخطة ما إذا كان الهدف منها هو ولوج المواطن للخدمات المالية أم فتح جيبه للبنوك لتحقق “أرباحا استثنائية”، والمؤكد أن تتشابه وما أسمته حكومة بنكيران ب “إصلاح أنظمة التقاعد” المهددة بالإفلاس، والتي لم ترحم أرملة تتقاضى معاشا لا يسمن ولا يغني من جوع وتكاليف اليومي، وهي في مرحلة عمرية مهددة بمضاعفات الشيخوخة والمرض، ورغم ذلك يعمد البنك إلى “استهداف” حسابها البسيط جنبا إلى جنب مع الشخصيات المالية وكأنها مسؤولة على شركة متعددة الجنسيات.   

    وكما يظهر من الوثيقة (المرفقة)، فإن البنك اقتطع ثلاثة أنواع من التكاليف مقابل خدمة بسيطة لمعاش بسيط يدخل في خانة “العمل الاجتماعي والإنساني”، وما يسمى ب “البنك المواطن” الذي “تساهم” هذه الاقتطاعات في تمويل الحملات الترويجية المتعلقة به، حيث تعامل “طمع البنك” مع “معاش العجوز” وكأن الأمر يتعلق بمقاولة تجري أنشطة اقتصادية دائمة، إذ اقتطع  110 دراهم تحت مسمى FRAIS/ واقتطع 71.5 درهما تحت مسمى FRAIS T إضافة إلى 0.41 درهما تحت مسمى AGIOS، واللفظ الأخير لا يتقن مفهومه إلا الخبراء الضالعون في علوم المحاسبة والمدراء الماليون للشركات.

    وإذا كان لابد من التساؤل إزاء هذا النوع من “العنف الاجتماعي”: كيف لأرملة عجوز تتقاضى معاشا هزيلا، ولا تسمح لها بطاقتها البنكية بسحب أكثر مما هو متوفر في رصيدها، أن تؤدي كل التكاليف البنكية المذكورة؟، وكيف يمكن فهم سياسة: “امنح الدعم للأرامل باليمنى واقتطع لأخريات منهن باليسرى”، وغيرها من السلوكيات التي لا يندى لها جبين بعض المؤسسات البنكية، والتي عناها عاهل البلاد، قبل نحو خمسة أشهر، في خطابه عند افتتاح البرلمان المغربي، عندما أشار إلى أن القطاع البنكي المغربي، رغم كل ما حققه من تقدم، “لايزال يعطي أحيانا، انطباعا سلبيا، لعدد من الفئات، وكأنه يبحث فقط عن الربح السريع والمضمون”.

    وفي هذا الصدد، لعل اللوم هنا لا يقع فقط على البنوك وحدها، بل المسؤولية يتقاسمها أيضا “بنك المغرب” باعتباره سلطة الإشراف والرقابة على القطاع البنكي، وأيضا الحكومة وصناديق التقاعد التي وجهت المتقاعدين والأرامل إلى فتح حسابات لدى البنوك لتلقي معاشاتهم دون اتخاذ إجراءات مواكبة، ودون إبرام اتفاقيات مع البنوك لضمان معاملة تفضيلية تتماشى مع الأوضاع الهشة لهذا الشرائح المقهورة داخل المجتمع العام، وصحيح أن هذا التوجه لديه فضيلة إعفاء المتقاعدين والأرامل من معاناة الطوابير أمام مكاتب البريد، لكن المقابل اقتطاعات تتراوح ما بين 14 و35 في المائة من المعاش، سيفضل الكثيرون منهم الوقوف في الطوابير.

     وصلة بذات السياق، يفيد آخر تقرير رسمي، أن بنك المغرب تلقى، في العام الماضي، ما يناهز 800 شكاية من زبناء المؤسسات المصرفية، وما يربو عن 841 شكاية التي تم وضعها أمام مصالح الوسيط التابع للمصرف المركزي المغرب، وهمت منازعات في مبالغ مالية إجمالية بقيمة 210 ملايين درهم، فيما أشارت مصالح بنك المغرب، ضمن تقاريرها الدورية، إلى أن 72 في المائة من هذه الشكايات قد تم البتّ فيها لصالح الزبناء، مقابل 85 في المائة خلال سنة 2017 ونحو 78 في المئة في 2016، وما يناهز 70 في المائة في 2015 و71 في المائة في 2016، وفي كل ذلك ما يحرك المطالبة بالنقاش والتدخل.

    وإلى جانب ذلك، سجلت مجموعة من التقارير الرسمية اغتناء غير مشروع للبنوك على حساب المواطنين، من خلال بيع خدمات ملغومة كالبطاقات البنكية التي تمكن من السحب على بياض (ديكوفير)، وأضحت ك “مصاصة العصير” على رقبة جيوب الطبقات الوسطى من المجتمع، والتي تستوجب تدخلا صارما من بنك المغرب لضبطها وتقنينها، وهناك السلفات المتجددة تلقائيا التي تحول بدورها العديد من الأجراء إلى “رهائن” لدى البنوك، وتتطلب بدورها تقنينا وضبطا قويا، وهناك مسؤولية المنتخبين للتحقيق في هذه الممارسات التي نبه إليها الخطاب الملكي تحت قبة البرلمان المغربي. 

error: Content is protected !!