حميد تباتو يكتب عن المرأة وذاكرة القهر الاجتماعي أو اليوم العالمي للمرأة من الموقع المضاد

  • د. حميد تباتو (°)

يحتفل العالم في 8 مارس باليوم العالمي للمرأة، وتستمر اللقاءات، والعروض، والمعارض، والندوات، والكتابات، والبرامج المرتبطة بهذه المناسبة لأيام لاحقة، وعلى الرغم من الطابع الطقوسي الذي يأخذه أي احتفال، فإن هذا اليوم قد يكون مفيدا لطرح تساؤلات إضافية أو لتجديد طرح ما يطرح دوما خاصة بالنسبة لواقعنا، أما خارج هذا فلا شيء من كل بنية الاحتفال بإمكانه أن يغير من فواجع واقع الهزيمة وال،قهر ليس في ما يخص المرأة فقط، بل في ما يخص الرجل و الإنسان، وقضايا اجتماعية عديدة تخصص لها شعوب الدنيا أياما عالمية من قبيل البيئة، وحقوق الإنسان، والطفل، والكتاب، والصحة، والمسرح الخ.

تُكَثَّفُ قضايا حارقة من داخل طقوسية احتفال شكلية، قد تحقق ارتياحا رمزيا لهذه الجهة أو تلك، لأن الاحتفال يركز على قضية ما وهذا يسمح بالانتباه إلى بعض تفاصيلها، إلا أن الأهم يبقى غائبا بامتياز، بل يصير الحديث عن من، أو ما، يحتفى به طقسا لتضييع حقيقته وتضبيبها، إنه ما يحصل بالنسبة للقضية المرأة، حيث يصير تبادل الورد الرقمي، والكلام العاب، وتوسيع حضور صور نخبة النساء داخل تظاهرات، أو لقاءات، أو أنواع إبداعية …من الصيغ المعممة للاحتفال والمسوقة له وللحديث عنه.

إنه أمر مهم بلا شك، لكن الأكثر أهمية هو اقتراح صيغ منتجة لوعي، ونقاش، ومبادرات تخدم نفي الاضطهاد الاجتماعي العام، والقطع مع الاستعباد بكل أشكاله، وتصفية الوعي النكوصي الذي صار سلطة في الواقع والفضاءات العامة، ومواجهة الهيمنة الاجتماعية، واستراتيجيتها للقتل الممنهج للبسطاء والمعدمين الذين لا يوم خاص بهم ترفع فيه شعارات الحق في العيش بكرامة، والاستفادة من الوطن وخيراته، ضمن طبقة المعدمين والبسطاء والمستَغَلين(نقول الطبقة عن قصد هنا وليس الفئة)، هناك المرأة والرجل و الطفل، وكل ما يرتبط بهم من مجال، وعمران، وتاريخ، وذاكرة، ووجود، ونمط عيش، ومعنى …

لا يعني هذا القول أننا ضد يوم عالمي للمرأة، بل ضد تكريس طقوسية احتفالية تختزل قضية تحرر المرأة والرجل، وتحرير الإنسان في شكل ما هو طقس الاحتفال في ذاته، لا نقول هذا عن اليوم العالمي للمرأة فقط، بل عن كل الأيام الاحتفالية الأخرى التي تجعلنا ننتظر تاريخا محددا لتعميم الحديث عن ما يحتفى به كما الأمر بالنسبة لحقوق الإنسان، والمسرح، والطفل، والمدَرس، والبيئة وما تبقى.

شخصيا لن أدرك قيمة حديث نساء كثر عن المرأة، حين يقبلن وجود خادمات ببيوتهن يعاملنهن وفق مخلفات عصر العبودية والإقطاع، كما لا يمكن أن نقبل جميعا بأن تكون هوامش المغرب والجغرافيا المنسية مصدرا لجلب الطفلات الخادمات لبيوت نساء مراكز المغرب الكبرى، كما لن يكون للاحتفال من قيمة في وطن تساق فيه نساؤه قهرا لعوالم الدعارة بسبب الفقر والحاجة، وتستغل النساء بشكل همجي وفاحش في المعامل، والضيعات، ومؤسسات الإنتاج الصناعي.

ولن يكون هناك من معنى لكل ما يقال، أو ينجز بصدد الموضوع لو لم نع جميعا أن مسألة تحرر المرأة ترتبط بنقض علاقات الإنتاج السائدة، وتفكيك البنى الذهنية والفكرية النكوصية التي تغمم الحاضر والمستقبل، ومحاصرة مصادر اضطهاد الناس جميعا – نساء ورجالا- وبلورة مشروع اجتماعي حقيقي قادر على تجاوز الهزائم العامة في المجتمع، والسياسة، والثقافة، ومحاسبة من ساهم في تكريسها واقعا قاهرا للمرأة والرجل في هذا الوطن.

الاحتفال باليوم العالمي للمرأة مبادرة نبيلة اقترحها أحرار القارة الإنسانية، تبجيلا للمجتمع عامة، وللعدالة والإنصاف، وللمرأة لكن أن يتحول الاحتفال إلى قداس ننتهي منه بعد طي “خيمة الاحتفال”، أو نكرسه لنظهر أننا معه أو ضده، فهذا من صميم قداسات ثقافة الإعلان، والسائد في السياسة، والثقافة، والفن، والمجتمع، نعرف أن الكبار وأصحاب القناعات الصلبة والإيجابية في كل حقول المجتمع يقترحون، وينزلون ما ينفع المرأة والرجل والوطن من خلال نضالات، وممارسات واقعية، وأشكال من سلخ الجلد، ومواجهات، وتضحيات جسام، وبدائل تربط التنظير والقول بالممارسة والعمل… طيلة عمرهم.

لكن ضجيج وغبار وغمام طقوسية الاحتفال بالمرأة كما تكرسها الثقافة السائدة تغطي على كل هذا المجهود الجبار. لهذا بالضبط نكتب عن الاحتفال بالمرأة من موقع آخر يقول إن مسألة التحرر، سواء ارتبطت بالمرأة أو بالرجل، بالناس أو بالوطن، تبدأ من تحرير المجتمع وعلاقاته وهو ما لا ينهض به كلام عابر ما في يوم عابر، فالذي يحققه هو ما تنجزه قوى التحرر عبر الكفاحات، والتضحيات، وأشكال تأطير المواطنين لإقناعهم بأن التحرر قضية كل الناس المقهورين نساء كانوا أم رجالا، وأن مهام التحرير تنزلها الممارسة العملية و النضال المستمر، والبدائل المقترحة بكل مسؤولية وعضوية من مواقع الممارسة السياسية، النقابية، الثقافية والمدنية، بهذا لن يكون لتبادل القبل والورود الوهمية في المجال الرقمي في يوم الثامن مارس، من قيمة حقيقية، لأنه بالقبول بذلك صيغة مركزية ووحيدة للاحتفال باليوم العالمي للمرأة، نقبل بتأبيد القهر العام ، وإعادة إنتاجه.

ما يهم في الاحتفال باليوم العالمي للمرأة ليس تكريسه بصيغة قداس وغطاء إيديولوجي يضبب الوعي بقضية المرأة والتحرر الاجتماعي، بل استثماره للتفكير في الصيغ التي تسمح بكشف غياهب ذاكرة القهر الاجتماعي الذي تتقاسمه المرأة والرجل، وتوضيح الشروط العامة المكرسة للذهنية الذكورية التي ليست نتاجا لسلطة الرجل ورغبته، أو لخضوع المرأة وانهزامها بل نتيجة طبيعية لعلاقات الإنتاج المتسلطة، وللتصورات الفكرية والنظرية التي تؤطرها، و للقوانين والسلوكات التي تشرعنها، وللنسق الرمزي والثقافي الذي يُصَوّغُ القبول بها، وهو ما يجب كشفه، ونقضه، ومواجهته بكل الصيغ سواء يوم 8 مارس أو طيلة العمر الخاص لكل منا.

(°) باحث جامعي وناقد سينمائي
error: