المخرج المسرحي عمر الجدلي: ” نسبة عالية من الممثلين يعيشون على الكفاف وتحت عتبة الفقر”

أجرى الحوار عبد الرحيم الراوي

في ظل الظروف الصعبة التي تمر منها المملكة بسبب جائحة فيروس كورونا، وتداعياتها على الحركة الاقتصادية والاجتماعية، دون أن تستثني المجال الفني الذي أصابته بالشلل، وألحقت به أضرارا جسيمة خاصة في مجال فنون الدراما.

يخصوص هذا الموضوع أجرت “أنوار بريس” اتصالا هاتفيا مع المخرج المسرحي عمر الجدلي الذي أوفاها بالحوار التالي:  

ماهي انعكاسات جائحة كورونا على الوضع الفني بالمغرب، وما هي الأضرار التي لحقت الممثل بشكل خاص؟

الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم بأسره تأثرت بشكل كبير من هذه الجائحة، والمغرب لم يخرج عن هذه القاعدة، وكما تتبعنا عن كتب، قامت الدولة المغربية بنهج سياسة وقائية ناجعة ومتقدمة واتخذت تدابير رصينة للحد من انتشار الوباء ولرأب تبعاته المختلفة.

 تداعيات هذه التدابير الوقائية، تسببت في حرمان شغيلة الفنون بشكل عام وفنون الدراما على وجه الخصوص من فرص شغل حقيقية، إذ يعتبر شهر مارس وأبريل ذروة الاشتغال المسرحي، بحكم اليوم العالمي للمسرح والعطلة الربيعية التي تشهد عدد كبيرا من التظاهرات والمهرجانات الفنية، وهذه علامات بوار في المجال، يزيد من حدتها عدم وفاء وزارة الثقافة والشباب والرياضة بالتزاماتها إزاء الجمعيات المسرحية المستفيدة من الدعم برسم الموسم 2019، والتي أنهت التزاماتها قبل عدة شهور ولم تتوصل بعد بالدفعتين الثانية والأخيرة، ومنها من لم تتوصل بالدفعة الأولى التي من المفترض أن تصل لأصحابها قبل سنة  من الآن، حسب العقود المبرمة مع الوزارة.

بالإضافة إلى ذلك، يجب التذكير بأن الوزارة لم تفرج الى حدود الساعة، عن طلبات عروض الدعم المسرحي للموسم 2020، وهو ما يعني تكريس نفس الأزمة لموسم آخر دون إحساس بفظاعة الوضع، وما يمكن أن يترتب عن ذلك من تبعات.

أما بخصوص الأضرار التي لحقت الممثل، فالأكيد أن شرائح اجتماعية واسعة تأثرت من تداعيات حالة الطوارئ المفروضة في البلاد وخاصة المهن الغير منظمة أو ما يصطلح عليه بالاقتصاد غير المهيكل، وهي شرائح عريضة ومعروفة بحكم الأنشطة الاقتصادية التي تمارسها، والتي تتسم بتدبير اليومي أو الأسبوعي في أحسن الأحوال. لكن الذي لا يتحدث عنه الناس أو يتجنبون الحديث عنه، والذي لم تقبل السلطات الحكومية الوصية فتح باب الحواربشأنه ، مع التمثيليات النقابية، وهو شريحة الفنانين وخاصة مهنيي فنون الدراما الذين يعيشون على مداخيل محدودة بمقتضى عقود فنية مع شركات أو مع جمعيات مسرحية، أو الذين يمارسون أنشطة فنية متنوعة مقابل أجر يومي أو جزافي، هذه الفئات تضررت بشكل كبير على إثر إغلاق صالات العروض الفنية وإلغاء التظاهرات والعروض المسرحية، وهم بطبيعة الحال لا يتوفرون على بطاقة الرميد وغير مسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بحكم مهنتهم، والأكثر من هذا لا يسمح لهم وضعهم الاعتباري والصورة التي تحتفظ لهم  بها الذاكرة الجماعية للجمهور المغربي، بالخروج عن دائرة الصمت والمطالبة بضمان سبل العيش الكريم خلال هذه الضائقة التي خيمت علينا على حين غرة،

وهنا لا بد من التذكير بأن أزيد من ثمانين بالمائة من فناني الأداء يعيشون من المسرح وليس من التلفزيون والسينما، ونفس النسبة تقريبا يعيشون على الكفاف وتحت عتبة الفقر، والوجوه المعروفة والمكرسة من نجوم التلفزيون الذين فتح الله لهم أبواب الشهرة ويعيشون في ظروف جيدة ولم يتأثروا بما حدث والحمد لله، لا يشكلون إلا نسبة قليلة من سواد أعظم.

 فلنتصور فقط أن الدخل الفردي للممثل من المسرح لا يتجاوز مبلغ 20.000 درهم سنويا في أحسن الأحوال، وراتب الممثل لا يتجاوز 2000 درهم عن كل عرض مسرحي في أحسن الأحوال، كما أن راتب تقني أو إداري المسرح لا يتجاوز 1000 درهم، وهذا في أحسن الأحوال كذلك،. أنا أسرد هذه المعطيات حتى يتصور القارئ الكريم أن مداخيل الفنان لا يمكن أن تغطي نفقات العيش اليومي العادي، دون أن نتحدث عن التغطية الصحية ونفقات الدراسة والكراء وسداد فواتير الماء والكهرباء وكماليات الحياة التي تبقى مجرد أحلام. والعبرة هنا هي أن فنان الدراما على الخصوص لا يمكن بتاتا  أن يكون له توفير للحالات الطارئة، وكما يقول اللسان الدارج ” اللي جاب الليل كايديه النهار “. ومرد هذا الوضع الشاد وهذه الهشاشة التي تعيشها هذه الفئات إلى مهنة الفنان التي لم تجد بعد طريق الإنفاذ القانوني.

 أنتم كنقابة وطنية تهتم بالشأن الفني والثقافي، ما هي التدابير والإجراءات المتخذة في هذا الموضوع؟

الاتحاد المغربي لمهن الدراما، وعلى غرار باقي النقابات المهنية، يتابع الوضع عن كتب ويتواصل بشكل مستمر مع منخرطيه من فناني الدراما، وقد وجه رسائل استعجالية للسيد وزير الثقافة والشباب والرياضة، والسيدة الوزيرة المنتدبة لدى وزير الخارجية والتعاون الإفريقي والجالية المغربية المقيمة بالخارج، المكلفة بالجالية المغربية المقيمة بالخارج، والسيد رئيس الحكومة المغربية، وقد اقترح الاتحاد على المسؤولين صيغ عملية لرصد لوائح للفنانين المتضررين من حالة الطوارئ قصد تيسير استفادتهم من الشطر الثاني لنظام الدعم الاجتماعي من الصندوق المخصص لتدبير جائحة كورونا، وقد حث الاتحاد مختلف الفنانين على التآزر في ما بينهم بشكل شخصي دون اللجوء إلى اكتتابات مباشر أو فتح حساب لهذا الغرض احتراما لوحدة الصندوق المحدث لنفس الغرض دون تمييز بين شرائح المجتمع المغربي المعرضة للضرر.

أين وصل قانون الفنان؟

عمليا، قانون الفنان والمهن الفنية الصادر في الجريدة الرسمية سنة  2016، لم يبرح مكانه، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المواد المحورية التي تتأسس عليها مهنة الفنان وهي المواد التي تحتاج بنودها إلى تنزيل نصوص تنظيمية من أجل ضمان هيكلة حقيقية للمهنة من شأنها أن تضبط العلاقات المهنية وتحصن ممارستها أمام الاستغلال والتسيب والعشوائية والفراغ القانوني، وهي المواد المتعلقة بالأجر الفني وعقود الشغل ووكالة الخدمات الفنية، والحماية الاجتماعية والمفاوضة الجماعية. وقد قامت وزارة الثقافة، في عهد الوزير السيد محمد الصبيحي، بتنزيل النص التنظيمي الخاص ببطاقة الفنان، كما قامت، في عهد الوزير الأسبق السيد محمد الأعرج، قبل سنتين، بتنزيل النص التنظيمي الخاص بتحديد المهن الفنية. وإذا قرأنا كرونولوجيا تنزيل هذين النصين التنظيمين سنرى بجلاء حجم التأخر والتعثر الذي يعتري عملية تنزيل مقتضيات هذا القانون، بينما الفنان يعيش وضعية مهنية واجتماعية صعبة تقتضي التسريع بإنفاذ قانون رأى النور من أجل أن يطبق لا أن يقرأ في المحافل…، و هذه الوثيرة التي يسير بها هذا التنزيل غير مقبولة وغير معقولة، لأن أول ظهور لهذا القانون كان سنة 2003، وقد مضت على ذلك الوقت 17 سنة مات فيها العديد من رواد الفن وهرم الآخرون وتخرجت خلالها 17 دفعة من المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي ومن المعاهد البلدية … كل هذه الأجيال لم تجن ثمار هذا القانون على أرض الواقع، فلا المهنة تنظمت وانتظمت معها صفوف الفنانين، ولا الوضع الاجتماعي لهذه الفئات شهد انفراجا وتحسنا، ليس هناك غير اليأس الذي تسرب إلى النفوس جراء 17 سنة من انتظار الذي يأتي ولا يأتي، والله أعلم كم سينتظر قوم الفنانين على تنزيل نص يتيم آخر، مع العلم أن هذه النصوص تشتغل وتفيد مجتمعة ولا قوة لأحدها دون الآخر.

بدأت م ب س 5 مؤخرا في بث العروض المسرحية المغربية، ماهو تقييمك لهذه التجربة الجديدة ؟ هل ستساهم في تحسين وضعية المسرح والمسرحيين ؟

أعتقد أن تقديم عروض مسرحية على م ب س 5  تحت اسم ” مسرح المغرب ” لا يمكن أن نصفه بالتجربة، حيث أنه استنساخ فاشل لتجربة ” مسرح مصر ” وسوف لن أنصب نفسي ناقدا أو مقوما لتجربة فنانين زملاء، لأن المتلقي وحده من له الحق في تقييم ما يتلقاه وقد قال الناس كلمتهم في مختلف المناسبات وعلى مختلف المنابر، لكن الذي يعنيني كفنان وكمواطن مغربي هو الإضافة النوعية التي من المفترض أن تضيفها هذه القناة لمشهدنا البصري، فبعد مرور هذه المدة من البث سيكون لزاما علينا أن نذهب مذهبين اثنين في تقييم هذه التجربة بشكل عام، فإما أن يكون القائمون على ال م ب س قد دخلوا في مرحلة تقييمية أو تجريبية من أجل جس نبض المجتمع المغربي ودراسة حاجياته وبالتالي دراسة السوق كما يقولون بلغة الاقتصاد، ثم التصرف على إثر ذلك وتغيير الأمور جملة وتفصيلا بعد هذه النكسة العامة التي طالت كل شيء وليس فقط مسرح المغرب. وإما أن القناة إياها قد سارت على نهج قنواتنا الوطنية واعتمدت هي أيضا سياسة النعامة غير مبالية برجع الصدى ولا بقيم هذا المجتمع الذي يمانع ويقاوم ولو ببطء كل أشكال الرداءة والإسفاف. وحق علينا، والمناسبة شرط، أن نؤكد على أهمية ما يقدمه الإعلام الرسمي وغير الرسمي، وخاصة القنوات التلفزيونية، في توجيه وتأطير وتوعية مجتمع جدير بتجاوز مرحلة عصيبة كالتي نمر منها اليوم…

error: