الباحث الإقتصادي الفرنسي دانييل كوهين يفجر قنبلة مدوية بخصوص وباء كورونا

ما تعيشه البشرية انعطاف للعبور من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية الرقمية

الأزمة الصحية الحالية لحظة لتسريع المحاكاة الإفتراضية للعالم

النتيجة الطبيعية للتحول الرأسمالي بالعالم هي انهيار الوعود الإنسانوية للمجتمع ما بعد الصناعي.

هذا حوار مزلزل للكثير من اليقينيات والتفسيرات التي أطلقتها جائحة كورونا العالمية. ليس لأنه حوار تشكيكي أو ينزع نحو تأويل منطق “المؤامرة”، بل لأن صاحبه يصدر عن رؤية تحليلية، عقلانية، مفحمة. ولعل أكبر الخلاصات التي ينبهنا إليها عالم الإقتصاد الفرنسي هذا هي أن البشرية تعيش منعطفا تاريخيا غير مسبوق يتمثل في نهاية عهد “الرأسمالية الصناعية” وميلاد عهد “الرأسمالية الرقمية”. وهذا لعمري انقلاب تاريخي هائل، قد لا ندرك نحن اليوم أبعاده، قدر إدراك الأجيال القادمة له، وأنها ستكون مؤهلة أكثر لحسن قراءته، مثلما أحسنا نحن قراءة التحول من الرأسمالية البورجوازية التجارية إلى الرأسمالية الصناعية، والتي أدت في زمنها إلى دخول قوى عالمية خيارات التنافس والتسابق للحسم في منطق التحول ذاك بقوة السلاح والنار، الذي أفضى إلى كوارث الحربين العالميتين الأولى والثانية.

دانييل كوهين، الباحث الإقتصادي، الأستاذ ب “مدرسة الإقتصاد بباريس” (هو من مؤسسيها أيضا)، ومدير قسم الإقتصاد بالمدرسة العليا للإقتصاد، هو صاحب العديد من الدراسات الأكاديمية والكتب المتخصصة في مجالات علم الإجتماع الإقتصادي والتاريخ. مما مكنه من مقاربة مختلفة لسؤال الإقتصاد من موقع دوره الإجتماعي وليس التقني. ومن بين آخر كتبه الصادر سنة 2018 كتاب “علينا الإعتراف أن الأزمنة تبدلت” ضمن منشورات ألبان ميشال بباريس. وهو عضو بمجلس رقابة مجموعة يومية “لوموند” الفرنسية. التي أجرت معه هذا الحوار الهام جدا، ونشر بعددها ليوم 3 أبريل 2020 (أجراه معه الصحفي أنطوان روفيرشون). واعتبارا لحيوية المقاربة التي يصدر عنها هذا الباحث الإقتصادي الفرنسي أمام تداعيات وباء كورونا، قررنا ترجمته إلى العربية توسيعا لدائرة النقاش والتحليل العقلاني الرصين، التنويري والمفيد.

ترجمة: لحسن العسبي

– من الشائع، ضمن النقاش العمومي، مقارنة الأزمة الحالية بأزمة 2003 (بسبب فيروس سارس)، وأزمة 2008 بل حتى أزمة 1929 الإقتصاديتين والماليتين. هل تجوز بداية هذه المقارنة؟

* المقارنة الأولى التي جاءت إلى ذهني، مع انطلاق أزمة كورونا فيروس، هي فعلا الأزمة الصحية لسنة 2003، القادمة بدورها من الصين. لقد جرفت معها 774 ضحية وتسببت في تباطؤ للإقتصاد العالمي ما بين 0.2 و 0.3 بالمئة حينها. ونحن اليوم للأسف بعيدون جدا عن ذلك، لأنه حتى قبل أن تنتشر الأزمة إلى باقي الدول فإن الأثر المباشر للأزمة الصينية على باقي العالم قد غير كل المعادلات. لقد تضاعف الناتج الداخلي الخام الصيني ثماني مرات مثلما كبر دورها في التجارة الدولية ليمثل لوحده 20 بالمئة من المبادلات.

لقد سمح ما أسماه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ب “الفيروس الصيني” بقياس درجة التبعية الهائلة لجزء كبير من النسيج الصناعي العالمي للصين. بالتالي قد يغلق الوباء دورة اقتصادية ابتدأت مع إصلاحات دينغ زياوبينغ في بداية سنوات 1980 وسقوط جدار برلين سنة 1989.  وموجة صدمة هذه العولمة تتلاشى. لقد جعلت الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس ترامب الصينين يوقنون أكثر بضرورة تحقيق استقلالية لهم عن الولايات المتحدة الأمريكية.

– ألم تكن أزمة 2008، تجليا أوليا لذلك التلاشي؟.

* ولدت أزمة 2008، بسبب المشروع المجنون للأبناك التجارية الأمريكية الكبرى، المتمثل في منح وسطاء مهمة منح قروض لمستهلكين وعائلات هي أصلا في وضعية هشاشة، أو ما يعرف بالرهن العقاري الثانوي. لقد تم حينها ضخ مواد سامة جدا ضمن النظام المالي العالمي تسبب في انهيار كامل للأسواق. وكان جواب الحكومات حينها في مستوى تحديات الأزمة. فجميعنا يتذكر اجتماعات مجموعة السبعة ومجموعة العشرين، التي سمحت برد فعل قوي منسق وعالمي.

لاشئ من ذلك متحقق اليوم مع أشخاص مثل دونالد ترامب (الأمريكي)، خايير بولسونارو (البرازيلي) وبوريس دجونسون (البريطاني)، الذين يديرون ظهورهم للتعددية. كانت المعركة حينها، مواجهة أزمة يقع مركزها (مثل ما كان الأمر في 1929) في المجال المالي (التمويلي) وتجاوز النتائج التي وقعت في سنوات 1930، أي العدوى الإقتصادية بسبب الإنهيار المالي والصدمة المالية. ولقد نجحنا في ذلك على كل حال رغم موجة صدمة قوية مماثلة للتي وقعت سنة 1929، ما جعل الركود العالمي لم يدم سوى 9 أشهر.

الواقع إن الأزمة الإقتصادية الحالية مختلفة جدا عن أزمات 2008 و 1929. فهي أزمة ” الإقتصاد الحقيقي”. والتحدي ليس مثل الأمس في البحث عن أشكال قرارات العرض والطلب لمواجهتها. فما ينتظر من الدولة (وهنا المفارقة) هو أن تشرف على أن تغلق عدد من المؤسسات أبوابها. وبسبب قرارات الحجر الصحي نحقق تراجعا للناتج الداخلي الخام. ودور السياسات العمومية، هنا، ليس إطلاق عجلة الإقتصاد ولكن التأكد من بقائه في مستوى مقبول من البيات، يسمح له بالإنطلاق بسرعة في ما بعد. فهي ليست إجراءات ذات طبيعة ماكرو اقتصادية، بل المطلوب إجراءات ميكرو اقتصادية.

لا يتعلق الأمر أيضا بإجراءات دعم الطلب (التي لن تكون ضرورية سوى بعد نهاية الوباء)، لأنه ما الذي سيشتريه مستهلكون معزولون (في بيوتهم) من مؤسسات مغلقة؟. هناك أكيد إجراءات عرض ضرورية، لكن في قطاعات حيوية ذات أثر في حل المشكلة الصحية، المتمثلة في عمل المستشفيات والطب داخل المدن والشركات المصنعة للأقنعة الطبية وآلات التحاليل وأجهزة التنفس الإصطناعي. أما باقي مجالات الإقتصاد، فإننا ننتظر من الدولة إجراءات دعم لكل مؤسسة إنتاجية ولكل شخص فقد عمله ووظيفته. الأمر هنا لا يتعلق بسلفة علينا توزيعها، بل بدعم مباشر للميزانيات يخفف على خزينة المؤسسات والشركات وعلى مداخيل العائلات. والمعادلة بسيطة هنا، فالعجز يجب أن يكون مساويا (مطابقا) لفقدان الإنتاجية بسبب الوباء. وإذا ما تتبعنا الإحصائيات التي أصدرتها المؤسسة الوطنية للإحصاء والدراسات الإقتصادية، فإن كل شهر من الحجر الصحي سيكلف 3 نقط من مستوى النمو سنويا. وهو نفسه الرقم المثالي للعجز العمومي لمرافقة الأزمة. وإذا استمرت الأزمة شهرين فإن العدد سيتضاعف.

فلأن الأمر لا يتعلق بأزمة قرض، فإنه سيكون كارثيا الإكتفاء فقط بالجواب على الأزمة بأدوات 2008 التي أطلقتها الأبناك المركزية (تخفيض نسبة الأرباح، تسهيلات مالية، آلية للتوازن والإستقرار). حتى وإن كان مسلما به حيوية منع أزمة الإقتصاد الحقيقي من التحول إلى أزمة مالية. إن الوسيلة الجيدة هي وسيلة الميزانية، لكن لا تمتلك كل الدول هامش التحرك المطلوب. أفكر هنا في إيطاليا. فمساعدتها ماليا عبر آلية الضبط والإستقرار الأروبية، سيكون أمرا جيدا، لأن ذلك سيساعدها على تقليص كلفة تمويلها. والأمر هنا ليس مندرجا في باب القروض بل في باب دعم الميزانية الذي تحتاجه إيطاليا أكثر.

إن الميزانية الأروبية، التي تمثل 1 بالمئة من الناتج الداخلي الخام للإتحاد، عليها أن تمول بشكل مباشر عمل المستشفيات الأروبية الأكثر تضررا مثلا. فالنقاش حول “الكورونا بوند”، يجعل سلفة أروبية مستعجلة جد حيوية وآنية. لأنها ستمكن أروبا من تحقيق تحويلات ميزانيات هامة تمكن من تقليص بعض المصاريف الخاصة بتأدية الفائدة على الديون المقدمة.

– أطلقت واشنطن خطة ب 2000 مليار دولار (حوالي 1830 مليار يورو)، سيذهب جزء كبير منها مباشرة إلى حسابات الشركات والعائلات، مما سيتسبب في ثقب بالميزانية (العامة). هل إلى مثل هذه الإجراءات تلمحون؟

* هذه الخطة تمثل 10 بالمئة من الناتج الداخلي الخام الأمريكي وهي هامة. لكنه، على مستوى دعم العائلات، يعتمد مقاربة اعتباطية بدليل منح 1000 دولار للكبار الراشدين و 500 دولار لكل طفل ضمن العائلات التي يقل دخلها عن 75 ألف دولار في السنة، دون ضبط دقيق لوضعيتهم (الإجتماعية) الحقيقية. هنا لا يمكننا إسقاط رهان الرئيس ترامب على تجديد انتخابه (في نونبر القادم).

إن دولة حديثة، في القرن 21، عليها أن تمتلك القدرة على القيام بإجراءات على المقاس، وبإجراءات ميكرو اقتصادية (كجراحة ضرورية)، مستهدفة في دعمها كل مؤسسة مؤسسة، وفردا فردا. فنحن نمتلك اليوم الأدوات لذلك، مثل الإقتطاع من المنبع وتصريحات الضريبة على القيمة المضافة و التحملات الإجتماعية للشركات، التي تسمح على توجيه المساعدات صوب من يقعون تحت سطوة الأزمة بشكل مضاعف. ومقابل هذه الإمكانية، طبعا، تمة خطر مراقبة شاملة. لأننا سنكتشف أن الدولة قد تملكت قدرات التواصل مع كل النسيج الإجتماعي (وخصوصا القدرة على مراقبته)، مثل رباعي “الغافا” (غوغل، آبل، فايسبوك وآمازون).

– هل تؤشر هذه الأزمة على نهاية الرأسمالية النيوليبرالية المعولمة؟

* هي نهايتها بالتأكيد، أو بداية تراجع الرأسمال المعولم كما عرفناه منذ 40 سنة. أي البحث الملح على أقل الكلفات لتحقيق نتاج أبعد مدى. مثلما أنه يسرع رأسمالية جديدة التي هي الرأسمالية الرقمية.

ولتمثل وإدراك إسقاطات ومخاطر هذه الرأسمالية الرقمية، علينا العودة قليلا إلى الوراء، حين كان يعتقد أن تقليص التصنيع سيؤدي إلى مجتمع للخدمات في الدول المتقدمة. والفكرة التي نظر لها الإقتصادي الفرنسي جون فوراستيي (1907- 1990)، أن البشر لن يشتغلوا على الأرض أو المادة بل على الإنسان ذاته: الرعاية، التربية، التكوين، الترفيه (ترفيه الآخر)، التي ستشكل روح اقتصاد مؤنسن أخيرا. كان هذا الحلم ما بعد – الصناعي تحرريا واعدا وصاعدا. لكن، كما نبه إلى ذلك فوريستيي، فإن ذلك لم يكن بكل حال مرادفا للنمو أو دليلا عليه.

إذا كانت قيمة الخير كامنة في الزمن الذي أنفقه في الإهتمام بالغير، فإن ذلك يعني أنه ليس على الإقتصاد التطور والنمو، عدا تنمية زمن العمل بشكل متواصل. لقد وجدت الرأسمالية تصريفا لهذا “المشكل” من خلال الرقمنة المفرطة. فإذا كان الكائن الذي أمثله أنا ممكن التحويل إلى كتلة من المعلومات والمعطيات القابلة للتدبير عن بعد (بدلا من الحضور المباشر وجها لوجه)، فإن ذلك سييسر تطبيبي وتربيتي وخدمتي بدون حاجة لمغادرة بيتي. فأنا أتفرج على أفلام ب “نيتفليكس” دون حاجة للذهاب إلى قاعة السينما، وأعالج بدون حاجة للذهاب إلى المستشفى.

إن رقمنة كل ما يمكن رقمنته هو وسيلة رأسمالية القرن 21 للحصول على قواعد جديدة للكلفة. والحجر الصحي الذي نخضع له اليوم، يستعمل بقوة هذه التقنيات: العمل عن بعد، التعليم عن بعد، التطبيب عن بعد (التطبيب المتلفز).

إن الأزمة الصحية الحالية يمكن أن تظهر كلحظة لتسريع المحاكاة الإفتراضية للعالم. أو كنقطة انعطاف للعبور من الرأسمالية الصناعية إلى الرأسمالية الرقمية، ونتيجتها الطبيعية هي انهيار الوعود الإنسانوية للمجتمع ما بعد الصناعي.

error: