“المجلس الوطني للصحافة” يكشف عما رصده من “خروقات لأخلاقيات المهنة” خلال فترة الطوارئ الصحية

  • أحمد بيضي

     استهل “المجلس الوطني للصحافة” تقريره المرحلي بالتركيز على ضرورة الالتزام بأخلاقيات المهنة ك “ركيزة من ركائز الممارسة الصحفية”، بالنظر لما “يكتسيه الإعلام، خلال الكوارث والأزمات والجوائح من أهمية قصوى”، خاصة مع ما يمكن أن تسجله مثل هذه الأزمات من “انتشار كبير للشائعات أو الأخبار الكاذبة أو المضللة”، ومن هنا اعتبر دور الصحافيات والصحفيين، خلال الجائحة محوريا، على اعتبار أن “من شأن العمل الصحفي المهني والأخلاقي أن يساهم في إنقاذ الأرواح في حالات الطوارئ الصحية”، مع ما تتطلبه المعالجة الإعلامية من تشريح دقيق لمصادر الخبر من باب الاحترام التام لكل قواعد المسؤولية المهنية والأخلاقية والذاتية التي يتطلبها الأمر.

     ولم يفت ذات المجلس القول بأن الممارسة الإعلامية، في ظرف استثنائي مثل هذا الذي نعيشه، تتطلب “جهدا خاصا وحذرا مضاعفا، لأن أي انزلاقات أو تجاوزات يمكن أن تكون لها انعكاسات على الأفراد والجماعات وعلى أمن وسلامة المجتمع”، ومن أجل ذلك “قررت لجنة أخلاقيات المهنة بالمجلس الوطني للصحافة رصد خروقات ميثاق أخلاقيات المهنة، الصادر بالجريدة الرسمية في 29 يوليوز 2019، من أجل “تنبيه الزميلات والزملاء لتفادي السلوكيات غير الأخلاقية، خاصة في مثل هذه الظرفية”، حيث تضمنت وثيقة التقرير أمثلة لخروقات رصدها المجلس، خلال كوفيد 19، وارتأى جرد نماذج منها.

     وكان المجلس قد عبر، في بلاغ صحفي سابق، عن “إدانته لجوء بعض المواقع الصحافية إلى المتاجرة بموضوع وباء كورونا، حيث نشر أحدها تسجيلا مع سيدة في الشارع العام، يروج للخرافة، ويبخس المعطيات العلمية حول المرض، بهدف تحقيق نسب أعلى من المشاهدة”، كما نشر أحد المواقع “صورة وهوية أحد الأشخاص الخاضعين للفحص، وهو الأمر المنافي لاحترام قواعد الخصوصية”، فيما سجل البلاغ “سعي بعض المواقع إلى استغلال انتشار الوباء لتقديم تأويلات وتفسيرات وحكايات عن المؤامرات، لا تستند على أي أساس علمي، هدفها تجاري محض، يتعارض مع الرسالة النبيلة للعمل الصحافي”، وفق التقرير.

     ورصد “المجلس الوطني للصحافة” مجموعة من الخروقات الأخرى لأحكام الميثاق ومبادئه، خاصة “ما يتعلق بالتضليل والسطو واحترام الخصوصية والحق في الصورة والمعطيات الشخصية والتمييز والكرامة الإنسانية والطفل (تهم المسؤولية المهنية، المسؤولية إزاء المجتمع، والاستقلالية والنزاهة)”، كما أشار تقرير المجلس لما وقعت فيه بعض المواقع، أواخر مارس الماضي، ومن بينها مواقع تابعة لجرائد ورقية، والبداية من فيديو كان متداولا على شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المحادثات الفورية، يزعم توثيق تفريق ومطاردة الشرطة للمواطنين بالقوة العمومية، فتبين في ما بعد أن الفيديو لا علاقة له بالمغرب، بل يعود لأحداث تفريق احتجاجات بالجزائر.

     وفي السياق ذاته، ذكر تقرير المجلس، على سبيل المثال، حالة أحد صحافيي صحيفة أسبوعية، ادعى منذ بداية الوباء، “أن كورونا فيروس صنع في المختبرات، وهو مؤامرة ضد البشرية، دون الاعتماد، في مقاله الإخباري، على أي سند علمي أو مصادر (علماء أو باحثين…)”، علما أن المجلس سبق له أن “شجب السعي إلى استغلال انتشار الوباء لتقديم تأويلات وتفسيرات وحكايات عن المؤامرات، لا تستند على أي أساس علمي”، ودعا إلى التحلي بأعلى درجات يقظة الضمير المهني بهذا الشأن”، بينما عبر عن قلقه حيال مجموعة من المواقع الإلكترونية التي ما تزال مستمرة في نشر مواد لنظريات المؤامرة، وصلت حد ربط ذلك بانقلاب على المغرب.

     وبينما أشاد المجلس بأغلب الصحف الورقية والالكترونية التي “حرصت على استعمال عناوين إخبارية أو تقريرية أو مقتبسة، تتناسق في بعدها مع المواد الإعلامية التي وظفت من أجلها”، أعرب عن تأسفه الشديد إزاء عدد من المنابر التي خرجت عن هذه القاعدة، وتورطت في انزلاقات مهنية، وخرق للقواعد الأخلاقية ومسؤوليات الصحفيين في معالجة الخبر، وذلك “عبر وضع عناوين مثيرة لا تتناسب مع المادة الإخبارية والركون إلى التهويل والتضخيم والتعبير عن مواقف وأحكام قيمة لا توجد لها أية مبررات أو سند في نص الخبر، مما يمكن اعتباره انزلاقا مهنيا وخرقا للقواعد الأخلاقية وللموضوعية”، يضيف التقرير.

     ومن جهة أخرى، سجل المجلس قيام بعض المواقع ب “سحب مقالات تبين لها أنها غير صحيحة أو أن تناولها كانت فيه تجاوزات غير مهنية”، حيث نبه إلى “أن المهنية والالتزام بأخلاقيات المهنة لا تقتضي سحب هذه المواد فحسب، وإنما تسليط الضوء على التجاوز وتدارك الأخطاء وتقديم الاعتذار عن ذلك”، فيما سجل نشر أسبوعية ناطقة بالفرنسية ل “نقذ ذاتي بعد افتتاحية قالت المجلة إنها لم تستوف متطلبات المهنة”، كما قدمت أسبوعية أخرى ناطقة بالفرنسية اعتذارا عن خبر”، تبين فيما بعد أنه عار من الصحة، مفاده أن سفير بلد عربي انتقد “تفاقم الوضع الصحي بالمغرب”. ومتهمة إياه بالتحامل على المغرب، بعد ذلك قدمت اعتذارا للسفير ونشرت له ردا.

      وبالتالي وقف مجلس الصحافة على “استغلال الهويات البصرية لمنابر إعلامية” من أجل “فبركة وإذاعة صور تنقل أخبارا زائفة أو مضللة ونسبها لهذه المنابر”، وقد “فات لقناة ميدي 1 تيفي، في الخامس من أبريل المنصرم، بث خبر عاجل مفاده أن “الحجر الصحي بالمغرب سيمتد لشهر يوليوز 2020″، كما تداولت ذلك بعض الصفحات والتطبيقات على مواقع التواصل الاجتماعي، وليست هذه المرة الأولى التي يسجل فيها مثل هذا السلوك الخطير في هذه الظرفية، إذ سبق أن أعلن موقع هسبريس، في 3 مارس، عن استغلال البعض لهويته البصرية وتداول صورة مفبركة لمقال قيل إنه منشور على الموقع تحت عنوان “غلق جميع المدارس ابتداء من يوم الأربعاء”.

    وسجل مجلس الصحافة انخراط بعض المواقع الإلكترونية في “الترويج لإشاعات اكتشاف علاج كورونا بالأعشاب أو الوقاية منه وتقوية المناعة، بحثا عن البوز وغايات بعيدة عن رسالة الصحافة المهنية والأخلاقية، وعن صحافة التدقيق والتأكد من صحة المعلومات قبل نشرها (إحدى الفيديوهات سجل أكثر من 1,5 مليون مشاهدة)، خاصة بالنظر للخطورة الكبيرة التي يمكن أن يتسبب بها هذا الأمر على السلامة والصحة، قد تصل إلى الوفاة”، وفي سياق متصل، ذكر المجلس بتحذير وزارة الصحة من استعمال الأعشاب لمعالجة كورونا، مؤكدة أن ذلك قد يتسبب في ضرر بصحة الإنسان.

    كما سجل مجلس الصحافة قيام موقع إلكتروني، بتاريخ 21 مارس الماضي، بأخذ تصريح من سيدة في وضعية إعاقة (إعاقة الصم والبكم) بشكل من شأنه أن يخرق مبدأ احترام الكرامة الإنسانية”، وفي حالة أخرى سجل المجلس الوطني للصحافة “نشر موقع إلكتروني، بتاريخ 24 من ذات الشهر، لتصويب واعتذار عن نشر فيديو “غير صالح”، بعد أن تبين للموقع أن الحالة العقلية للشخص المعني بالفيديو “غير طبيعية”، وهو ما كان يجب الانتباه إليه قبل نشر الفيديو”، يقول مجلس الصحافة، خاصة بعد تحميله وتداوله الواسع عبر أحد تطبيقات المحادثات، وإن كان الموقع قد أعلن عن حذفه وسحبه من قناته.

     ومن بين ما سجله مجلس الصحافة أيضا إقدام موقع إلكتروني، بتاريخ 20 مارس، على نشر مقال عن “مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء وعن “خطر نشرهم كورونا” بالدار البيضاء”، يتضمن المقال “أوصافا ومفردات، مثل “السرب’ و”الأسراب”، وصورا نمطية متعددة “تشكل خرقا لأحكام ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة المتعلقة بالتمييز والتحريض على الكراهية”، فيما سجل، في سياق آخر، حالة فيديو، على قناة موقع إلكتروني، بتاريخ 19 مارس، يتضمن تحريضا صريحا على استعمال العنف ضد مخالفي حالة الطوارئ، في حين نشر موقع آخر مقطعا يتهم خلاله مخالف حالة الطوارئ ب “الخيانة”، و”أقتلوا من لا غيرة له”، بحسب نص التقرير.

     وبشأن حماية القاصرين التي يكرسها ميثاق أخلاقيات مهنة الصحافة، ذكر المجلس الوطني للصحافة ب “توالي نشر فيديوهات وصور الأطفال”، ومن بينها نشر مقطع فيديو لطفل مصاب بفيروس كورونا، حيث جدد المجلس “أنه ينبغي في جميع الأحوال مراعاة المصالح الفضلى للطفل وإعطائها الأولوية على أي اعتبار آخر واجتناب كل ما يمكن أن يعرض الطفل لأي وصم أو أذى أو إساءة مدى الحياة. ومن أجل حماية حقوق الطفل واحترامها يتوجب على الصحفي(ة) طلب الإذن من الطفل والوصي عليه من أجل إجراء أي مقابلة صحفية أو تصوير فيديو والتقاط صور توثيقية عندما يكون ذلك ممكناً. ويجب أن يكون هذا الإذن مكتوباً كلما كان ذلك ممكنا”، بحسب التقرير.

     وخلال مواكبة منابر إعلامية لتدخلات السلطات العمومية، وتوقيف أشخاص يشتبه في خرقهم لحالة الطوارئ الصحية، رصد المجلس، خاصة على مستوى الصحافة الإلكترونية، وفي العديد من المناسبات، “عدم حرص عدد من المنابر على حماية صورة هؤلاء الأشخاص، واحترام حياتهم الخاصة”، بحيث “كان بعضهم يظهر في بعض هذه الفيديوهات بوجه مكشوف، أو بشكل يسمح بالتعرف عليه، حتى في الحالات التي كان فيها احتجاج وتعبير صريح عن رفض التصوير من الموقوفين، لم تأخذ جميع الاحتياطات لحجب ملامح الأشخاص المعنيين لاحقا خلال نشر مقاطع الفيديو”، بحسب نص التقرير.

     وبينما لم يفت المجلس إدانة “ما يقدم عليه البعض من أفعال لا تمت للصحافة وقواعدها بصلة، مثل المعاملة اللاأخلاقية والحاطة من الكرامة التي تعرض لها مواطن بحار”، على سبيل المثال، سجل ما وصفه ب “الجهود التي تبذلها السلطات العمومية من أجل التصدي لكل من ينتحل صفة صحفي”، ومهيبا بها “العمل على تعزيز هذه الجهود، من خلال التأكد الدائم من حمل كل من يقدم نفسه على أنه صحفي، لبطاقة الصحفي المهني التي يمنحها المجلس الوطني للصحافة”، بحسب التقرير الذي دعا من خلال توصياته إلى ضرورة العمل على تفعيل مشروع التربية على الإعلام، باعتبارها دواء لداء الفيك نيوز والأخبار الكاذبة والمفبركة والمضللة وغير الأخلاقية.

      ويذكر أن مجلس الصحافة (من خلال لجنة الأخلاقيات والمصالح المختصة في إدارته)، ومنذ إعلان حالة الطوارئ الصحية، قد سجل، في مدخل تقريره، “التغطيات والجهود التي يقوم بها الصحفيون، ومختلف المنابر الصحفية من أجل أداء واجبهم الإعلامي المجتمعي، خلال هذا الظرفية الدقيقة التي يعيشها المغرب والإنسانية، بصعوباتها وتحدياتها الصحية”، مؤكد أن الصحفيين وجدوا أنفسهم، هم أيضا، في الصفوف الأمامية لمواجهة هذا الوباء لتنوير الرأي العام وتحسيسه بمخاطره وأهمية التقيد بالسلوكات الوقائية والاحترازية وكذلك المساهمة في محاربة جائحة “الوباء الإعلامي” (infodemic) والأخبار الكاذبة و/أو المضللة.

     كما لم يفت مجلس الصحافة التنويه بقرار الصحافة الورقية “الاستمرار في الصدور إلكترونيا وبالمجان، على الرغم من انعكاسات تعليق صدورها ورقيا وتوزيعها، وشح عقود الإشهار، مستحضرة المصلحة العامة ودورها المجتمعي، رفقة المنابر الصحفية والإعلامية الأخرى”، مع انخراطها في تنوير الرأي العام والمساهمة في التصدي للأخبار الزائفة ودورها الحاسم في المساعدة على اتخاذ قرارات مستنيرة، على اعتبار وظيفة الصحفيين البالغة الأهمية في ظل حالة الطوارئ الصحية ودور الصحافة الأساسي في نقل المعلومات والأخبار التي تساعد الناس في تكوين الآراء بشأن ما يتهدد الصحة العامة، وفي اتخاذ الخطوات المناسبة لحماية أنفسهم ومجتمعاتهم.

error: