الباحث عبدالإله حبيبي: عندما يقوض “التعليم عن بعد” الوظائف التقليدية للمدرسة

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

    ليس التعليم مجرد عمليات بيداغوجية تمارس على محتويات معرفية لتحقيق كفايات نوعية، التعليم أو المدرسة عموما هي ممارسة تربوية تقتضي في منطقها الأصلي تمرين الأطفال على اكتشاف دلالات العيش في الجماعة ضمن نظام سائد يفترض طقوسا وسلوكيات فردية وجماعية من شأنها تنمية الاستعداد لجعل الفرد مستقبلا يتقبل التراتبية والقواعد النظامية، واحترام الشفرات التي تشير إلى ما هو مقبول وما هو غير مقبول اجتماعيا وسياسيا وثقافيا..

    هكذا تصبح المدرسة هي ذلك الإطار المؤسسي الذي يشرف على تمرير الثقافة بين الأجيال، أي نقل الخبرات والتجارب والتمثلات من جيل إلى آخر، بهذا المعنى فالمدرسة في عمقها تبقى ذات وظائف تقليدية تستهدف استئصال جذور التوحش والتمرد والاستقلالية والحرية الطبيعية للجسد من وجدان الأطفال في سن مبكر لجعلهم مستقبلا في خدمة مختلف الأنظمة الاجتماعية والمعرفية السائدة، من هنا استحالة تغيير العلاقات الاجتماعية دون إجراء تغيير في هذه الوظيفة الكارزمية للمدرسة.

    ولعل من حسنات التعليم عن بعد انتفاء الإطار المؤسسي الحاضن لوظائف الضبط والمراقبة، واستمرار تمرير المحتويات المعرفية التقليدية وسلطة المدرسين الرمزية التي رغم حضورها فإنها تفقد تدريجيا وهجها لتنتهي في الأخير إلى أصوات شكلية عادية لا تختلف عن تلك التي تمررها الألعاب الالكترونية والفيديوهات التي يتفاعل معها الصغار يوميا..

    التعليم عن بعد، ينفي الرقابة المؤسسية، يحرر الطفل من النظام القاهر لحركته وحريته الجسدية، يسمح له بالتمدد على الأريكة وهو يتابع الدرس، الذهاب إلى المرحاض دون طلب الإذن من أحد، الشرود والعودة إلى التركيز دون أن يعاقبه أحد… في هذه الوضعية يتحرر أولا جسد الطفل، إرادته، دوافعه، ينفلت من العيون الراصدة التي تفرضها عليها وضعية التمدرس بين الجدران الصماء

    كما أن التعليم عن بعد، من شأنه خلخلة وظائف المدرسة التقليدية، تقويض وظائفها السلطوية، تقليص أثر نفوذ المدرس المدعوم بالحضور المؤسسي، الرفع من قيمة الجسد الخفيف، منح فرصة للمحتويات لكي تغربل وتقرأ ويختار منها الطفل ما يلائم مزاجه وهو في غرفته هادئا يتابع الدروس المرسلة عن بعد

    خطورة هذا النمط من التعليم تتجلى في نفيه لكل سلطة مباشرة على عقل ووجدان الأطفال، حتى تسمية “تلميذ” تصبح هنا فاقدة لمعناها الأصلي، ويحل محلها معجم آخر له علاقة بمنطق الفرجة والمشاهدة والتتبع، أي أن التلميذ يصبح مجرد مشاهد لما يجري على ركح الصورة الناقلة للدرس، أو مستمع لدرس يأتيه من الأثير وليس من كيان مؤسسي ملموس..

    التعليم بالبقاء في البيت تكريس لسلطة الذات وتعودها على العمل خارج الأنظمة والقوانين، أي أن البقاء بعيدا عن المدرسة ولمدة قد تطول أو تقصر يشكل بداية انفصال خطير عن المشروع التربوي الاجتماعي الذي تشتغل عليه البرامج والمناهج الدراسية؛ هذا يعني أن التعليم عن بعد هو نفي مطلق للحياة المدرسية، والاحتفاظ فقط بالمراسلات، والتبادلات الشكلية التي لا تحضر فيها الوجوه ولا الملامح ولا الانفعالات ولا التبادلات الوجدانية التي لا يمكن للكاميرا أو غيرها من التقاطها ونقلها في لحظتها

    الكاميرا لا تنقل إلا ما هو ثابت، الجالس أمامها أو الذي يتحرك في مجالها، أما العلاقات التفاعلية الجارية لحظتها فنادرا ما تستطيع التكنولوجيا الإمساك بها، لأنها الوجدان الذي يتغير باستمرار على مدار الحصة الدراسية ، أو ذلك المنفلت الذي لا يمكن رؤيته سوى بالمعايشة المباشرة والانخراط التلقائي في الحقل التداولي والتفاعلي للدرس

    في مقابل ذلك تخلق تكنولوجية التعليم عن بعد استقلالية شبه مطلقة للمتعلم على مستوى حماية كيانه من تفاعلات لا يرغب فيها، أو لا تساعده على التوافق مع حياة القسم و إكراهات الزمن المدرسي، حيث لاحظنا أن بعض المتعلمين طوروا جوانب مهمة من شخصيتهم خلال فترة التعلم عن بعد، وهؤلاء كانوا من تلك الأقلية التي لا توافقها أجواء الضبط والنظام الصارم في التعلم، أي الأطفال شديدو الحركة، الذين لا يستطيعون البقاء طويلا منضبطين في الصف، حيث يجدون صعوبة في الجلوس لمدة طويلة على الكراسي، ومتابعة الشروح والأنشطة بشكل هادئ وسلس…هؤلاء يوافقهم التعليم عن بعد، بل يمنحهم فرصة الانخراط في العملية التعليمية، مع حماس مثير على مستوى الكشف عن قدرات عقلية ومهارات سلوكية كانت منفية في سياق التعليم الحضوري

    من هنا يظل من المهم التفكير في تكييف المدرسة مستقبلا مع الحياة النفسية للأطفال، أي الانتقال من طفل المدرسة إلى مدرسة الطفل، والعمل على توظيف التكنولوجيا في تطوير مهارات التلاميذ، وجعلها وسيلة لترقيتهم عقليا وسلوكيا وثقافيا، مع الاحتفاظ بالأدوار التنشيطية للمدرسين، وتخفيف الأنظمة الصارمة، وحلحلة الحياة المدرسية دون تراخي مفرط باعتماد سيكولوجية تواصلية تقوم على مبدأ جعل الطفل يختار ويقترح الموضوعات التي يرغب في معرفتها أو مناقشتها دون إهمال دمجها في منظومة البرامج والمقررات التي لا ينبغي أن تظل جامدة لعقود في أزمنة السرعة والنانو والكوانتا والأقمار الاصطناعية التي تغرق المنصات التواصلية بملايين المعلومات والبيانات المستجدة

    التعليم الحضوري يضمن الحفاظ على تمرين التلميذ على العيش في المجموعة والتبادل الخبرات معها، واكتساب آليات الاندماج والتفاعل الإيجابي مع اقرأنه ومعلميه وكل المحيطين به، لهذا فرغم أن التكنولوجيا توفر بدائل ثورية لتعويض التدريس لكنها لن تستطيع أبدا تعويض الحياة المدرسية الحقيقية، التي تقتضي حياة إنسانية اجتماعية حقيقية في الساحة والممرات والحجرات، حيث تصبح أصوات الأطفال خلال فترات الاستراحة دليل الحياة الفعلية والعيش المشترك في فضاء عام يشكل أرضية أولية للتربية على العيش مستقبلا في مجتمع كبير بكل تعقيداته الإنسانية والاجتماعية والثقافية واللسانية وغيرها من الأبعاد المؤسسة للحياة الاجتماعية التي هي أساس كل العمليات الإنتاجية بجوانبها المادية والرمزية….

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…

error: