الأمهات حيارى تائهات…الاكتئاب الناجم عن ضغط العمل والخوف من المرض ومشكلة رعاية الأبناء

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

أزمة الكثير من الأسر، وبالخصوص الأمهات في زمن الوباء، وما يفرضه من تضييق على الحياة العامة والعادات المألوفة والالتزامات الجارية، غدت معيشا يوميا غير محتمل، حيث لا يمكن نكران أن هناك وضعية سيكو-اجتماعية صارت شبه عامة نتيجة التطور الذي عرفه الوباء وما صاحب ذلك من إجراءات متتالية تحاول السيطرة على المرض والحد من انتشاره..

لكن في الوقت ذاته هناك حالة نفسية عامة تواكب هذا الواقع، مشاعر عامة تشتكي هنا وهناك من عدم القدرة على الجمع بين متطلبات العمل والسهر على تربية الأبناء وخاصة الذين يتابعون الدراسة عن بعد، مع ما يقتضيه ذلك من جري وركض ومحاولة التوفيق بين الإكراهات المتعددة، وهي المحاولات التي غالبا ما تنتهي إلى الشعور بالإحباط واليأس والهزيمة في مواجهة وضع مستجد ومستمر ولا يبشر بنهاية قريبة..

الأمهات يعانين أكثر، هن اللائي يقمن بأغلب الأعباء المرتبطة برعاية الأطفال، يزداد وضعهن سوءا حينما يكن موظفات أو عاملات في مصانع أو في القطاع الخاص، حيث يصعب عليهن البقاء في المنزل في حالة ما إذا أغلقت المدارس أو الحضانات أبوابها نتيجة مستجد ما، وهو الأمر الذي يفرض عليهن ملازمة أطفالهن في البيت مع المغامرة بالمهنة التي تصبح في مهب الريح

الأسرة المغربية زوجا وزوجة تشتغل لتواجه متطلبات الحياة والتغلب بالكاد عليها، في هذا السياق لايمكن للأمهات التخلي عن عملهن للتفرغ لمواجهة وضع فرضته مقتضيات الوباء، لأن ذلك من شأنه النزول بالكثير من الأسر إلى وضعية الفقر والخصاصة، لهذا بات من الواجب الالتفات إلى هذه الوضعية قصد مساعدة الأسر على حل المشكلات التي فرضها الوباء، وعلى رأسها عمل المرأة والقوانين التي تفرض شروطا للغياب عن العمل وما يترتب عن كل غياب غير مبرر من قرارات إدارية قد تصل حد توقيف الراتب والإحالة على المجالس التأديبية

المرأة التي تضطر إلى البقاء بجانب ابنها لمصاحبته على إنجاز متطلبات التعليم عن بعد مثلا تصبح في وضع لا تحسد عليه، فلن يكون بإمكانها سوى خيارين ، إما التخلي عن عملها في حالة استمرار الوضعية التعليمية على حالها، أو البحث عن جليسة من هنا أو هناك لتنوب عنها في مرافقة الأبناء خلال حصص التعليم عن بعد، أو الصغار إذا لم تكن هناك حضانة تأويهم، أو جدة أو خالة تحضنهم في غياب الأم وانشغالها بالبحث عن مصدر رزق لمساعدة الزوج على التصدي لتحديات كثيرة وعلى رأسها التعليم الخاص الذي يبتلع نصف مداخل الأسر المغربية ذات الدخل المتوسط

الخطر المحدق بالنساء في هكذا وضع هو حالتهن النفسية، حيث يصبحن فريسة مشاعر الفشل والإحباط مما يقوي من احتمال تعرضهن إلى اضطرابات نفسية خطيرة قد تعصف بتوازنهن النفسي وقدراتهن الجسدية في حالة ما إذا استمرت الأوضاع في التأزم والتعقيد… التحمل النفسي له حدود، والصبر على التحمل والمساهمة في الالتزام بالقيود والإجراءات يزيد من نسبة الاعتلال النفسي عندما يصادف وضعا اجتماعيا مأزوما وغياب المساعدة الاجتماعية والتفهم القانوني لوضعية النساء العاملات

الاكتئاب حينما يتسرب إلى الكيان السيكولوجي يقوم بتعديله، بتكييفه مع الحالة النفسية التي يرسخها، أي النفور من العمل، والميل للكسل والانطواء، والانقطاع عن كل الأنشطة المرتبطة بالعمل والتسلية والتنشيط الرياضي، لهذا فكلما كانت المرأة هشة، وتعاني من غياب الدعم المادي والنفسي من لدن الزوج والأسرة الكبيرة، وكلما كانت تشتغل في ظروف قاسية، وفي ظل قوانين صارمة، ورؤساء سلطويون، كلما كانت مهيأة لأن تصاب بالاكتئاب الذي قد يحولها إلى كائن فاشل ومنعزل ومنقطع عن العالم الخارجي مما سيدخلها في دوامة الوصفات والعقاقير والتي تؤثر كثيرا على القوى العقلية والجسدية للمرضى المصابين بالاكتئاب…

لهذا يصبح من الضروري خلق بنيات استقبال وتلقي شكاوى النساء المهددات بهذا الانهيار النفسي، والعمل على مساعدتهن على حل مشاكلهن، من خلال تسهيل وتيرة عملهن عبر الاتصال بمقرات التي يشتغلن فيها، أو استصدار مذكرات تدعو، أو تفرض على المشغلين تكييف عمل النساء مع ارتباطاتهن الأسرية في حالة ما إذا كانت المدارس مغلقة والحضانات، وأن يتغير الوضع كلما أصبح التعليم حضوريا والحضانات مفتوحة ..

لهذا فالإجراءات الوقائية من الوباء تتطلب إجراءات أخرى لوقاية النساء والأطفال والرجال من كل الآفات التي من شانها أن تصيبهم نتيجة استمرار الوضع الوبائي والإجراءات الاحترازية المرتبطة به

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village
error: