الشعوذة وأعمال السحر والتعاويذ ممارسات متأصلة في وجداننا…الأطفال ضحاياها أيضا

  • د. عبدالإله حبيبي (°)

الشعوذة في مجتمعنا مغرية، لسبب بسيط لأنها غير مكلفة ماديا، لكنها مكلفة إنسانيا عندما تسبب مرضا قاتلا للشخص الذي أعدت له من أجل سلبه إرادته وقوته على التفاعل العقلاني مع محيطه، من لدن شركائه، شريكته، منافسيه، أو الراغبون في تدميره إذا كان ناجحا في مهنته حيث قد يشكل نجاحه خطرا على أمثاله؛ أي  إذا كان تقدمه في الدرجات يشكل خطرا على مواقع الآخرين.. كما قد يرتبط بالزواج والحب الفاشل وغيره  من الظواهر التي يغيب فيها العقل ويحضر فيها الانتقام والثأر

هكذا يقترن السحر بالقضاء على العقل، بمعنى أن الممارسات السحرية تستهدف الذكاء البشري، تريد تدمير العقل اليقظ، سلب الشخص إرادته الحرة، جعله طائعا، خاضعا، حملا وديعا، باختصار القضاء على كل منابع القوة والفاعلية في جسده وعقله وحواسه…لا يقع أو لا يجري السحر في بلدنا إلا في أوقات معلومة، ليلة القدر، عاشوراء، فاتح محرم، أو بعض المناسبات الدينية غير الرسمية التي تدخل في مجال التدين الشعبي المغربي… 

الكثير من الناس أنهت حياتهم تعاويذ سحرية، لا زلت أتذكر قصة شاب رواها لنا الأكبر منا سنا، كان بطل هذه المأساة رجلا في كامل قوته الجسدية، مفتول العضلات، جهوري الصوت وفي نفس الوقت لين وطيب المعشر، وكان من عشاق المغامرات العاطفية حسب ما حملته لنا الأحاديث التي كانت تنتقل إلينا  في زمن الستينيات من القرن السابق  ونحن وقتئذ صبية نتلذذ  بسماع مثل هذه الحكايات التي تنتصر للغريب والعجيب، لكن  هذا الشاب بين عشية وضحاها، أصابه ضمور مفاجئ، بدأ شعره يتساقط، جسده فقد الكثير من وزنه المعتاد، وهكذا استمر،  كما يحكي لنا الأكبر منا سنا، في التضاؤل حتى تحول إلى كومة من العظام لا يقوى على الكلام ولا على الحركة وهو في ريعان شبابه ، حيث لم يكن عمره يتجاوز العشرين سنة، بعدها أسلم الروح لبارئها ليحمل معه سر وفاته إلى الأبد …

أغلب التأويلات  التي ملأت الأقاويل الساردة كانت تتحدث عن أنه تناول “وجبة توكال”، أي تعرض لتسمم من لدن شخص ما، والبعض يقول أن وراء وفاته عدم رغبته في  الزواج من التي أحبته، وتناسلت وقتها الحكايات بشأن سبب موته، لكن لا أحد عرف سر مرض صاحبنا، الشيء الوحيد الذي كادت القصص المتواترة أن تتفق عليه هو  أنه من المحتمل أنه تناول وجبة معينة تعرض فيها كل جسمه للتسمم مما عجل بوفاته المتدرجة… وهناك حالات كثيرة كانت تحكى لنا  من هنا وهناك، عن أشخاص تعرضوا للتسمم بهدف الانتقام من أعداء مفترضين أو مقربين فقدوا الأمل في عقد صفقات تجارة أو زواج أو غيرها، حيث يصبح التسميم طريقا للقضاء على الخصم وإنهاء مسيرته في الحياة

اللجوء إلى أعمال السحر للقضاء على الخصوم ممارسة متجذرة في مجتمعنا، والدليل على ذلك هو نوعية المواد التي يوفرها “العشابة” في أسواق الأعشاب والتوابل وبقايا الحيوانات والثعابين والسحايا التي تستعمل في إعداد وجبات للأشخاص المستهدفين، لا أريد هنا أن أربط السحر بالمرأة لأنها بدورها قد تصبح ضحية لها، لهذا فضلت الحديث عنه كعقلية يشترك في إعادة إنتاجها المجتمع ككل، حيث نجدها تؤثر حتى على عقول بعض النخب المتعلمة وذات مستوى عالي من التحصيل العلمي..

وهذا ما يدل على أن أعمال السحر جزء من هويتنا الثقافية الشعبية التي ترتبط أيضا بالأضرحة والمواسم، والتبرك بالموتى، بمنابع المياه، بالأحجار، وببعض الأماكن والأوقات التي يعتبرها الناس مقدسة أو ذات أسرار روحانية غريبة… لهذا يظل السحر والشعوذة دوما حاضران في تعويض القوة الضائعة بالأعمال الشيطانية الخبيثة كبديل عن القيم الإنسانية النبيلة التي تدعو للصفح والمغفرة والتجاوز والنسيان

حتى الأطفال المغاربة لم يسلموا من هكذا ممارسات حيث كنا دوما نسمع عن أن الطفل “الزوهري” هو فريسة مفترضة لأصحاب البحث عن الكنوز، وعلامات هذا الطفل كنا نعرفها ونحن صغارا، أهمها أن راحتي يديه يخترقها خط مستقيم من بداية الراحة إلى نهايتها ، ثم إن مقدم رأسه يؤثثها انحراف جزء من شعر الجبهة نحو الوراء وهو ماكان يسمى ب “النخيلة” أو بالأمازيغية “تزدايت”، الأطفال الذين تتوفر فيهم هذه السمات كانوا يحظون بحراسة لصيقة من بعض أفراد أسرهم، بل  حتى من طرف الأقران كيلا تصلهم يد المجرمين الذين يدعون أن الكنوز لا تفتح أبوابها إلا بذبح الطفل ” الزوهري”..

وقد حكيت قصص كثيرة حول أطفال تعرضوا لمثل هذه الممارسات من لدن قراصنة الكنوز الذين لا يتورعون عن التضحية بالطفولة لتلبية نواياهم السحرية الخبيثة، حيث لا يصلون كنزا ولا يلوون على شيء لأن الأمر في النهاية مجرد مسرحية للتغرير بأصحاب الأموال لجرهم إلى الاعتقاد بأن أراضيهم تحوي كنوزا كبيرة حيث يتم شحذ جشعهم لدفعهم إلى الاستجابة بدفع الأموال التي يطلبها هؤلاء المشعوذون حتى يفتح لهم الجن، كما يدعون، أبواب الكنز ليصلوا إلى الصناديق المملوءة ذهبا وفضة، إنها لعمري قمة الكذب والجنون والمرض ورفض العمل السليم والبحث عن الغرائب لتحصيل الثروات دون جهد أو عناء .. 

وما سبق قوله، هو أساسا لإثارة انتباه الآباء إلى ضرورة الاعتناء بأبنائهم وحمايتهم من مثل هذه الأنماط من الشعوذة وغيرها التي أصبحت تهدد أطفالنا إلى جانب البيدوفيليين وغيرهم من المتسكعين في أسواق العجيب والغريب والاضطرابات الجنسية القاتلة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(°) باحث في علوم التربية والفكر الفلسفي، من أعماله الأخيرة: “نحيب الأزقة”، “سيرة الجندي المجهول”، “حوار العقل والروح”، Les Paroles de Mon Village…
error: