في ذكرى خطاب أجدير: ذ. المصطفى تودي يكتب عن “روح أجدير بين إحباطات الماضي ورهانات المستقبل”

  • ذ. المصطفى تودي (°)

  1. أثار انتباهي في خطاب 17 أكتوبر من سنة 2001 ربط جلالة الملك النهوض بالأمازيغية والعناية بها بإنجاز المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي.

  2. واقع التراجع و مظاهر التراخي في تفعيل مبادئ و مقتضيات الخطاب من جهة وبناء المجتمع الديموقراطي الحداثي ظل مشروعا يراوح مكانه.

  3. التفكير في المعيقات غالبا ما يركز على العوامل الموضوعية، صحيح أنها كثيرة، لكن هناك عوامل ذاتية ذات طبيعة نفسية.

  4. وأخيرا صحيح أن خطاب أجذير هو خطاب سياسي له أهداف و مرام سياسية بالأساس، لكنه يحمل من القيم و المبادئ ما يسمح باعتباره قطيعة مع ماض تميز بالإقصاء والتهميش الهوياتي والتوحيد الثقافي uniformisation culturelle. هي قيم و مبادئ ذات امتدادات نفسية عميقة، قمينة بأن تضمد جراح الهوية الثقافية الوطنية المتشظية، لتجاوز المعوقات الذاتية لإنجاز مشروعنا المجتمعي الديمقراطي الحداثي. هي معوقات ذاتية نتاج نفسية مثخن تاريخها بكل صنوف تجارب الإحباط و التهميش.

من هنا تكون فرضية هذه المداخلة، أن روح أجذير تدخل ضمن ما أسميته بنزعة مقوّمة مقاومة une tendance de résilience يمكن أن تضمد جراح الهوية الثقافية الوطنية المتشظية، لتجاوز المعوقات الذاتية لإنجاز المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي. و يمكن أن تساعد الذات على الوعي بنقط نكوصها وتضميد رضوخ ماضيها لبناء مستقبلها بثبات ، مستقبل ذات ثقافية تعتز بأصالتها وتفتخر بتعدد جذورها وتنوع منابعها.

وفي المقابل يكون فتور الإيمان بهذه الروح والتراخي في تفعيل المبادئ الثاوية خلف المنطوق، ضارا ليس فقط بالمسألة الثقافية و المسألة الأمازيغية على وجه الخصوص بل ببناء المجتمع الحداثي الديموقراطي المتصالح مع ذاته. خطاب أجذير، إذن، دعوة لتصحيح مسار تاريخي لثقافة الاستعلاء والتبخيس والكبت، إنه نداء من أعماق الأطلس المتوسط لتضميد جراح الهوية الثقافية الوطنية في شموليتها.

ستكون مقاربتي لهذا الموضوع نفسية سيكولوجية بالأساس، و هي مغامرة نظرية، بحيث سأحاول أن أبرز أن التفكير والسلوك الديموقراطيين يمتحان سبل الحياة من أرضية سيكولوجية وجدانية مشبعة بقيم التسامح والاختلاف و المغايرة، فالذات المحبطة المعنفة المهمشة و المقصية كما الذات المزهوة باستعلائها وسيادتها، تولد وفق آليات سيكولوجية لاشعورية عصابات الفشل و عنفا مضادا و إقصاء للغير . سأعتمد في مقاربتي هذه معاول نظرية ومفاهيم مستوحاة من مجال العلوم الإنسانية عامة ومن مجال علم النفس المرضي و الاجتماعي على وجه الخصوص. و سأنطلق بتحديدات مفاهيمية لابد منها لأشكلة الموضوع.

وأما المفهوم الأول فهو روح أجذير وأعني به ما يوحي إليه هذا المجال الجغرافي من دلالات ثقافية و تاريخية، مجال انصهار الإنسان في الطبيعة و الماشية و الجياد، مجال الغبطة و الاحتفال بمواسم الحصاد و الزواج، مجال الشهامة و إكرام الضيف و الانفتاح على المختلف و الغريب، دلالات ثقافية انطبعت في الوجدان بأشكال واعية أو لا واعية. بالإضافة إلى إرثه السياسي التاريخي و ما شهده من أحداث وشمت تاريخ المغرب برمته. و الأهم ما حمله خطاب 17 أكتوبر 2001 من قيم و مبادئ.

وأما ثانيا، يحيل مفهوم الهوية Identité في دلالته المنطقية على مجموع الخصائص و السمات الثابتة والمميزة لشيء ما و التي تجعله مطابقا لذاته. وهو بذلك يدل على ما يفصل الشيء عن غيره. بهذا المعنى تكون الهوية كوحدة جوهرها الفرادة unicité. غالبا ما يعبر عن الهوية بالصيغة المنطقية التالية: ( ا = ا ) ألف هو ألف ولا يمكن لألف أن يكون غير ألف. إذا كان الأمر كذلك فهل تدل الهوية الثقافية على الفرادة  و التميز المطلقين عن غيرها؟ هل تكون ثقافة جماعة ما هي ما يميزها و يفصلها عن غيرها؟ و بصيغة أخرى هل يمكن لجماعة ما ، بفعل هويتها الخاصة، أن تكون مطابقة لذاتها و متميزة بإطلاق عن غيرها من الجماعات؟.

وأما مفهوم الثقافة الاجتماعية فأعني به، مجموع المعارف و الفنون و القوانين و العادات و التقاليد و القيم التي يكتسبها الفرد عبر كل أشكال التنشئة الاجتماعي. و تكون بذلك منظومة و نسقا يحدد سلوكات الأفراد و الجماعات. يعلمنا علم النفس الاجتماعي أن هناك ارتباطا وثيقا بين الثقافة والسلوك فما يطرأ على الثقافة المجتمعية من تحولات تؤثر ايجاباً أو سلباً على سلوكات الأفراد والجماعات .  كما أبرزت الدراسات في مجال العلوم الإنسانية أن هناك آليات و ميكانزمات عامة تحكم وتنظم اشتغال كل الثقافات.

فكل الثقافات تكون بالضرورة ذات طبيعة معيارية Normative فهي تقوم على نسق من المعايير و القيم التي تضمن تماسكها و تناغم مختلف تجلياتها المادية و السلوكية. فطرق اللباس مثلا هي تجليات مادية لقيم أخلاقية وروحية تحكم الميولات الوجدانية و أنماط السلوك الفردي و الجماعي. ومن جهة أخرى تسمح الطبيعة المعيارية للثقافة باندماج الثقافات الفرعية في الثقافة العامة للمجتمع. إلا أن ما طرح و يطرح إشكالا هو طبيعة العلاقة بين الثقافة العامة و الثقافات الخاصة بالجماعات المكونة للمجتمع. فيكون هذا الاندماج مبنيا على التبادل و التقبل و التفهم، تارة، بحيث تدمج القيم الثقافية الفرعية في الثقافة العامة دون إنكار خصوصيتها و دون طمس هويتها و تفردها، و تارة أخرى تقوم العلاقة على الصراع بحيث يفضي إلى كبت تجليات و تعابير الثقافات الفرعية و طمس خصوصياتها و نبذ اختلافاتها. 

ومن آليات الحفاظ على نسقية منظومة القيم الثقافية العنف. فلا غرابة في الآمر ففي اللغة العربية تدل الدلالة المباشرة للكلمة على السيف، و الثّقاف هي الآلة التي تُسوَّى بها الرماح. وعموما و بما أن الثقافات هي ذات طبيعة معيارية فمن البديهي أن تعمد إلى فرض قيمها و معاييرها بالعنف. لكن للعنف الثقافي أشكال متعددة. فقد يكون مؤسسيا يعتمد القهر في صيغة قوانين تفرض المؤسسات القمعية احترامه والخضوع لمقتضياته. و قد يكون رمزيا، يتجلى في مختلف صيغ الاستصغار والاستهزاء و الذم و الإنكار وغيرها كثير. كما قد يكون إيديولوجيا يقوم على الإقناع و تتولى أمره المؤسسات الإيديولوجية للدولة كالمدرسة والأسرة و وسائل الإعلام و غيرها من المؤسسات الإيديولوجية.  عموما تعلي الثقافات و تثمن العنف لأن له قيمة تكييفية تفرض الخضوع للمعايير السائدة اجتماعيا.  

لكن قد يكون للعنف الثقافي آثار مدمرة حينما يكون دوغمائيا، أي حينما يتأسس على اعتقاد راسخ بامتلاك اليقين المطلق.  هذا المعتقد dogme الرافض لكل يقين مخالف هو نوع من الحمق، حمق معياري قيمي يحاكم كل مغايرة انطلاقا من معاييره الخاصة. و الأدهى من ذلك حينما يصبح هذا المعتقد إيديولوجية مسيطرة تتبناها مؤسسات الدولة تسيطر على الجماعة آنذاك يصبح حمقا اجتماعيا. والحمق المنحدر من معيارية مفروضة على الجميع Normativité imposée يعيق التعبير ويعيق الإبداع لأنه يهاب التنوع و يحارب الاختلاف و كل ما يحيد عن الدوكسا Doxa و القيم المؤسسة لها.

إن الحمق الاجتماعي، بهذا المعنى، هو نتاج نوع من القلق إن لم أقل نوع من الفوبيا. فهو قلق تختلف حدته و تجلياته باختلاف الثقافات و الجماعات. لكن القلق في مجتمعنا يتخذ في الغالب الأعم شكل فوبيا اجتماعية، لأن تاريخنا الفكري و السياسي يزكي هذه المخاوف لأنه أعلى من قيمة الوحدة بل التوحيد و النمذجة uniformisation إلى مستوى العقيدة المطلقة dogme وحدة القبيلة و حدة الأمة ذم الأحزاب … و هي العقيدة التي تشربتها ذواتنا حتى أصبحت المغايرة والاختلاف مثار مخاوفنا و حذرنا بل مثار استهزائنا و سخريتنا ولعل نكتنا خير دليل على هذا فما يضحك فيها هو الاختلاف ذاته.

بناء على كل ما سبق، أعتبر أن روح أجذير هي مصل  ثقافة المقاومة. وأشير في هذا المقام إلى أنني لا أبغي من خلال استعمال مفهوم المقاومة دلالته السياسية كترجمة للكلمة الفرنسية résistance. تعني المقاومة تلك القدرة التي تمتلكها الذات الفردية و الجماعية على مواجهة تجاربها الحياتية وعلى رفض وضعية الضحية المهادنة. المقاومة هي القدرة على البناء وعلى تحويل الإقصاء و التهميش إلى إرادة جامحة في الحياة. يحمل مفهوم المقاومة إذن، معنى نفسيا سيكولوجيا كترجمة للكلمة الفرنسية résilience.

ومن هذا المنطلق و بناء على ما سبق أعتبر أن خطاب أجذير يتضمن  تصحيحا تاريخيا للتعامل التقليدي للدولة و للثقافة المسيطرة اجتماعيا مع الثقافات و الذوات المسودة ،من جهة، ويكون بذلك تقعيدا لثقافة الاختلاف والمغايرة، التي لا محيد عنها لبناء المجتمع الديموقراطي.إن الثقافة المغربية، متعددة وهويتنا الثقافية الوطنية تشكلت من روافد متعددة وهو إقرار من أعلى سلطة في البلاد وهذا ليس بالأمر الهين. لكن ومن نافلة القول التذكير كذلك بأن الاعتراف بالتعدد وبالاختلاف، وإن أصبح خطابا رسميا، لم تستمرئه الثقافة المسيطرة سياسيا واقتصاديا.

فلا يتوقف إرساء ثقافة الاختلاف والمغايرة على قوانين ومراسيم تخط على الورق. إنه مسلسل عسير للتطهير، تقوم من خلاله الذوات بإعادة قراءة ماضيها وإرساء تفاعلاتها وعلاقاتها على أسس مغايرة، لصد تمثلات الإحباط والتثبيط التي تبرر انسياقها عن وعي أو بشكل لاشعوري نحو العطالة والاستسلام . لقد تلقت الثقافات المهمشة، والأمازيغية منها على وجه الخصوص، عبر تاريخ المغرب كل أنواع التبخيس وزكت السلط السياسية المتعاقبة ذلك خوفا من الاعتراف بالتعدد، فحرصت على طمس الاختلاف معتقدة أن ذلك هو الطريق الملكي لبناء ثقافة موحِّدة، قادرة على بناء مناعة الصرح الاجتماعي. يخبرنا العلم، أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعيش الصدمات على مستويين.

على مستوى واقعه المعيش وعلى مستوى التمثلات التي يبنيها عن تجاربه تلك. وقد يكون أثر التمثل أكثر وشما للذات. فمسلسل التدجين الثقافي والإذلال الاقتصادي، استبطنته الذوات المَسُودة، وتشربت الدونية، كما استبطنته الذوات المسيطرة واستطابت الاستعلاء. فأصبح إقصاء الذات قبل الآخر رد فعل لاشعوري معتاد. إن ثقافة القهر هذه كان من اللازم، إن عاجلا أو آجلا، أن تنتج نقيضها. بهذا المعنى ، وفي هذا السياق تكون المبادئ المؤثثة لخطاب أجذير و القيم الثاوية فيه مصل شفاء لثقافة الاستعلاء و الإقصاء و التهميش، شريطة أن تستمرئها الذوات و تتشبع بها وتعمل على تفعيلها.

يصرح خطاب أجذير بمجموعة من المبادئ و القيم التي كانت في الماضي القريب قبل البعيد من الممنوعات الثقافية و من المحظورات الرسمية. فقد يستفاد من تحديده للهوية الثقافية الوطنية أنها بناء تاريخي مستمر، ترتج حدوده وتتغير بفعل دينامية العلاقات التي تبنيها الذوات مع أغيارها وعوالمها. إن الهوية إذن هي انبناء دائم وعدم استقرار مستمر فلا يبقى هناك من معنى للفرادة و الصفاء المطلق و التميز التام عن غيرها. فالهوية الثقافية الوطنية تشكلت من روافد متعددة انصهرت لتشكل تاريخ المجتمع المغربي. 

إن الوجود الواقعي للذوات يعضد هذا المنحى فالذات الوحدية solipsiste هي محض وهم ففي إنتاجها لما تنتج انفتاح على الآخر فالحوار مثلا يفتح بالضرورة الذات على آخرها. و لا ينبغي للحوار بين الثقافات أن يكون عموديا بل أفقيا، تكون فيه العلاقات متكافئة لا سيد و لا مسود فيه لا شيخ و لا مريد. أثبت العلم أن المحاوَر منتج مشارك في إنتاج الخطاب Co-auteur وبصيغة أوضح إن طبيعة الخطاب ودلالاته تتحدد بطبيعة علاقة الذات المنتجة بالذات المتلقية.

فإذا أرسى المجتمع حقيقة ثقافية وحيدة تقصي المغاير و المختلف ففي أحسن الأحوال يؤدي ذلك إلى انغلاق الذوات في وحدتها النرجسية و كبت الإبداع و الخلق. ينبغي، إذن، أن يستبطن الإبداع الثقافي روح أجذير ليكون أداة للمقاومة outil de résilience  وظيفته رفض السكوت عن الخصوصية، وإدانة كبت المشاعر والإرادات. يستهدف تقويم الذوات السائدة قبل المسودة وتطهير النفوس لبناء ذوات قادرة على تخطي إحباطاتها لتثبت أقدامها على درب بناء المجتمع الحداثي بثبات.

بهذا تكون للإبداع الثقافي المنفتح قيمة علاجية يخلص الذوات المسودة من عقد الدونية و الذوات السائدة من عقد الاستعلاء. إبداع يعبر عن الذات الاجتماعية في تعددها و فسيفسائها إبداع لا يقصي التعدد و لا يكبت الاختلاف بل إبداع يتغنى بآمال الذوات و يعلي من قيم الاختلاف و يفتحها على المغاير وعلى معانقة القيم الإنسانية في شموليتها.

(°) جمعوي، أستاذ وباحث في الشأن البيئي والفكر الفلسفي

error: