قراءة في إجراءات الوضع تحت تدابير الحراسة النظرية على ضوء مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية

 

بقلم: د.هشام أزكاغ

كرس المشرع المغربي في إطار قانون المسطرة الجنائية للمشتبه فيه، مجموعة من الحقوق تكريسا لقرينة البراءة، وقد تم التنصيص عليها كقاعدة دستورية، فالمشرع الجنائي منح للشخص الموضوع تحت تدبير الحراسة النظرية مجموعة من الضمانات الواجب احترامها من طرف الضابطة القضائية، وفي إطار تكريس المزيد من الضمانات للأشخاص المودعين تحت تدابير الحراسة النظرية، فقد أتت مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية بجملة من التدابير الجديدة في هذا المضمار، ولهذا فإن التساؤل الذي نطرحه في هذا الصدد يتجلى حول أهم الضمانات المستجدة في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية بشأن الأشخاص المودعين تحت تدابير الحراسة النظرية؟
إن من بين أهم التدابير المستجدة التي حملتها مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، نجد تلك المتعلقة بمدة احتساب الحراسة النظرية في حالة ما إذا تم توقيف الشخص خارج الدائرة القضائية التي يعمل بها ضابط الشرطة القضائية الذي احتفظ به تحت الحراسة النظرية، فإنه لا يدخل في نطاقها ” أي مدة الحراسة النظرية ” احتساب الفترة اللازمة لنقل الشخص المشتبه فيه ، غير أن هذه الفترة يتم احتسابها في مدة تنفيذ العقوبة في حالة الحكم على المعني بالأمر بعقوبة سالبة للحرية.
وفي نفس السياق، نص كذلك على أنه لا يحتسب ضمن مدة الحراسة النظرية الوقت الذي يقضيه المعني بالأمر قصد العلاج، ولو كان خاضعا للمراقبة الأمنية ” الفقرة الرابعة من المادة 66 من مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية ” ، وهذا أمر محمود أيضا خصوصا في الحالات التي يرقد فيها الشخص الموضوع تحت تدابير الحراسة لوقت طويل في المستشفى، غير أن المسودة في هذا الإطار لم توضح بشكل صريح كيفية تبرير وترجمة هذا الإجراء من طرف ضابط الشرطة القضائية المكلف بالبحث و التحري.
وإذا كان قانون المسطرة الجنائية ينص على أنه في فترة وضع الشخص تحت تدابير الحراسة النظرية طبقا للفقرة 8 من المادة 66 من نفس القانون، الذي جاء في بدايتها عبارة : ” يتم الاتصال بالمحامي قبل انتهاء نصف المدة الأصلية للحراسة النظرية” ، فهذه الفقرة تم إستبدالها في مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية بعبارة ” يتم الاتصال بالمحامي ابتداء من الساعة الأولى لإيقاف المعني بالأمر ” وفقا لما جاءت به المادة 2-66 من مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية.
وبخصوص المادة 3- 66 من المسودة أعلاه، فهي بدورها حملت في ثناياها جملة من التدابير الجديدة، من خلال التأكيد الحرفي على أن التغدية المقدمة للشخص الموضوع تحت تدابير الحراسة النظرية تتحمل نفقاتها ميزانية الدولة.
ويحدد بنص تنظيمي شروط وشكليات تغدية الأشخاص الموضوعين تحت الحراسة النظرية، وزيادة على هذا، فإن هذه المادة أيضا أكدت ولأول مرة على إلزامية النقل الفوري لمحتويات سجل الحراسة النظرية فورا إلى سجل الكتروني وطني أو جهوي للحراسة النظرية إذا كانت تلك الوسائل التقنية تسمح بذلك، ويتم الاطلاع على هذا السجل من طرف رئيس النيابة العامة و الجهات التي يعينها القانون، ويتم تنظيم هذا السجل الالكتروني بمقتضى نص تنظيمي.
وهذا بطبيعة الحال أي” السجل الالكتروني ” من شأنه تحقيق نجاعة في أداء عمل الضابطة القضائية من جهة ، ومن جهة أخرى سوف يسمح بشكل جيد لجهاز النيابة العامة بمراقبة عمل ضباط الشرطة بشأن الأشخاص الموضوعين تحت تدابير الحراسة النظرية، وذلك في إطار تكريس إدارة تعتمد في سير عملها على النظام المعلوماتي، نظرا لما يوفره من سمات إيجابية منها بالأساس السرعة في أداء الخدمة ، وتيسير الوقت، وقلة التكاليف في الحصول على المعلومة.
بل أكثر من هذا، فقد تضمنت المادة 80 من مسودة مشروع ق.م.ج مقتضيات جديدة في هذا الشأن من خلال التنصيص في فقرتها الثالثة على أنه يمكن بغرض تمديد الحراسة النظرية الاستماع إلى الشخص المعني عن طريق تقنية الاتصال عن بعد.
كما نصت مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية، و لأول مرة على مقتضيات تنص على أن ضابط الشرطة القضائية يقوم بتسجيل سمعي بصري لاستجوابات الأشخاص المودعين تحت الحراسة النظرية المشتبه في ارتكابهم لجنايات أو جنح.
وعليه فإنه نرى أن هذا الإجراء فيه ضمانة أساسية لكل من الجانبين سواء للشخص الموضوع تحت تدابير الحراسة النظرية ، وكذلك للشخص الموظف المنتمي للضابطة القضائية، فالمشتبه فيه الموضوع تحت تدابير الحراسة النظرية توثق جميع استجواباته في تلك المرحلة، وبالتالي حمايته من كل تعسفات مادية كانت أو معنوية والتي قد تصدر من ضابط الشرطة القضائية المكلف بالبحث هذا من جهة ، ومن جهة أخرى، فإن آلية التوثيق هذه تعد ضمانة لعناصر الشرطة القضائية على اعتبار أن هناك حالات يقوم فيها أشخاص متهمين في بعض القضايا والذين قد خضعوا لتدابير الحراسة النظرية بتقديم شكايات إلى النيابة العامة بسبب تعرضهم لعنف معنوي أو مادي، وبطبيعة الحال يصعب في هذه الوضعية إقامة الدليل في ظل غياب وسائل الإثبات.
وأما بخصوص حالات الوضع تحت الحراسة النظرية، فإنه بالرجوع إلى المادة 1-66 من مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية فقد تم من خلالها التأكيد على أن الحراسة النظرية تدبير استثنائي لا يلجأ إليه إلا إذا تبين أنه إلزامي لأحد الأسباب التالية:
– الحفاظ على الأدلة والحيلولة دون تغيير معالم الجريمة.
– القيام بالأبحاث و التحريات التي تستلزم حضور أو مشاركة المشتبه فيه.
– وضع المشتبه فيه رهن إشارة العدالة والحيلولة دون فراره.
– الحيلولة دون ممارسة أي ضغط على الشهود أو الضحايا أو أسرهم أو أقاربهم.
– منع المشتبه فيه من التواطؤ مع الأشخاص المساهمين أو المشاركين في الجريمة.
– حماية المشتبه فيه.
– وضع حد للاضطراب الذي أحدثه الفعل بسبب خطورته أو ظروف ارتكابه أو الوسيلة التي استعملت في ارتكابه، أو أهمية الضرر الناتج عنه، أو بالنظر لخطورة المشتبه فيه.
وفي الأخير نؤكد على أن ما تضمنته مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية من مقتضيات جديدة بشأن الوضع تحت تدبير الحراسة ما هو إلا ترسيخ لمزيد من الضمانات القانونية الممنوحة للأشخاص الخاضعين لهذا التدبير ، وكذلك اقتداء بتجارب بعض الدول المقارنة .
غير أن ما يجب التأكيد عليه من جانبنا، أنه ومن أجل التغلب على كل العراقيل المحيطة بتدبير الوضع تحت تدابير الحراسة النظرية ، فإنه يستوجب هنا و من وجهة نظرنا مساهمة كافة المتدخلين في هذه العملية من قضاء بالدرجة الأولى ونخص هنا النيابة العامة باعتبارها الساهرة على تنفيذ هذه الحقوق ، وبحكم تعليماتها المباشرة لعناصر الضابطة القضائية، وبقيام هذا الجهاز بدوره الحقيقي في المراقبة والتسيير سوف يكون له انعكاس إيجابي في حماية حقوق الشخص الموضوع تحت تدبير الحراسة النظرية، وذلك من خلال إجرائها لزيارات تفقدية مفاجئة للغرف الآمنة بمراكز الشرطة، و الاطلاع بدقة على سجلات الحراسة النظرية وفحصها، وتوجيهها للشرطة القضائية في كل الثغرات التي من شأنها الإخلال بعدم احترام الضمانات القانونية لإجراء الوضع تحت الحراسة النظرية ، وهذه الأخيرة أيضا أي الشرطة القضائية يستوجب عليها ضمان حقوق الشخص المحتفظ به تحت تدابير الحراسة النظرية من خلال إخبار النيابة بأي مقتضى يتعلق بصحته أو سلامته، وكذا العمل على إخباره بكافة حقوقه المشار إليها سلفا، وأن توفر له جميع الحقوق المكفولة له قانونيا عند الاستماع إليه بمخافر الشرطة، وكذا توفر له الظروف المناسبة عند ايداعه بالغرف الآمنة كالتهوية مثلا. و بالتالي فإنه يستوجب الأمر خلق تعاون مستمر بين جهازي النيابة العامة و الشرطة القضائية، وذلك من أجل التطبيق السليم للقانون، وترجمته على أرض الواقع.

دكتور في الحقوق

error: