النافذة الشفافة – للقاص زهير بوعزاوي

  • زهير بوعزاوي (°)

تموج ظلنا خلف سور مدرستنا القديم، عناق طويل يجعل القلوب تتقارب، تصبح الخفقتان خفقةً، الأصابع متشابكة بقوة، كأنها ليد واحدة، تهب نسمات هواء محملة بنسيم ديسمبر الشرقي، تنثر خصلات شعرها علي، أخللها، ألامسها، أبعدها عن وجهي، تفاجئني نورا بقبلة، تأخذني حلاوتها إلى حيث الفضيلة، إلى تلك المدينة البيضاء النقية، التي يسود فيها الحب وحده، قوانينها مأخوذة من حكايات ألف ليلة وليلة، دستورها العشق، وحاكمها الهيام، ومن أذنب يوما، يعاقب بالرأفة والحنان، التوبيخ بالقبل، الضرب بالأحضان، الغضب بأحلى الكلام، في مدينة الحب لا مجال للعتاب والعذاب، هكذا كانت علاقتي ونورا.

في ممر الجامعة التقينا بالعيون، حين ولجنا الفصل، جانب مقعدها مقعدي، كأن القدر يحبك لنا خيوط حكاية جديدة سنعيشها معا، يشرح الأستاذ الدرس، وأسرح في تفاصيلها الصغيرة، يناديني، يجدني غارقا وسط يم عينيها العسليتين، يكلمني بنبرة معاتب:

– أنت أين وصل الدرس؟

أجبته شارد العقل:

– عند جيدها.

– ماذا؟ أعد ما قلته، قالها وهو يجأر.

أيقظني صراخه من السبات، عدت للواقع، طردني من الفصل، في مقهى الجامعة جلست، أتجرع القهوة ومعها مرارة الطرد، ابتسمت، ألقيت بنظرة شاخصة نحو صورة على ملصق إشهار، في قائمة المأكولات، تشبهها كثيرا، سبرت غور تلك الابتسامة، أعيش في الخيال، أضعها جانبي في الحافلة عندما أسافر وحيدا، أمسك يدها في الحديقة ونضحك معا على شغب القرود، نجري تحت وابل المطر، نتبلل بمائه..

يتوقف الزمان، تتجمد من حولنا كل محتويات المكان، نتناول البوظة، وغزل البنات، وحبوب عباد الشمس، نشرب عصير الليمون، يقاطع النادل هذا التخيل، عندما يطلب مني دفع الديون المتراكمة على كاهلي حتى أثقلته، أقنعته بالصبر حتى يرسل أبي من القرية بعض المال، بصعوبة بالغة قبل المقترح، عندما وعدته بديك سمين مزركش العرف سيكون من نصيبه، تحلب ريقه وولى عائدا إلى مقر عمله، خلف الأباريق والكؤوس.

أتأمل ظلال الأوكاليبتوس الوارفة، رأيتها قادمة إلى المقهى، تمشي الخيلاء بغنج وتبختر، كانت هيفاء القد، كستنائية الشعر، تدك الأرض بكعبها العالي، ويدك قلبي، توقفت، وقف نبضي، رمقتني بنظرة غريبة، عجزت عن تفكيك شيفرتها، بدون وعي حدثتها، أجابتني، تعارفنا، لنا نفس الشعبة، نفس الميول والأفكار، ماينقصني تكمله هي، والعكس، جاء الموعد الأول، تأنقت، وغادرت إلى مكان اللقاء، جاءت أنيقة هي الأخرى، اشتممت عبق عطرها من بعيد، تصافحنا، لمست يدي يدها، شعرت ببرودة ثم دفء يعتريني، تعرقت بشدة واحمرت وجنتها، قاسمتها الخجل بالنصف، أهديتها وردة..

ردت علي بابتسامة عريضة، برزت أسنانها الشبيهة باللؤلؤ، ثغرها كالشهد المكدس بالعسل، كأنه لوحة الموناليزا، سبحت عظمة الله فيما خلق، جلسنا على كرسي الحديقة الخشبي، تبادلنا وتجاذبنا أطراف الحديث، تمادت الأيادي حتى أمسكت ببعضها وامتلأت فرغات  الأصابع، تمرد اللسان ونطق بالحب اعترافا، اتفقنا على أن بعد التخرج سنتزوج، ونبني عشنا بالمودة، ونفرخ فيه ثمار حبنا من بنين وبنات، ونعيش سويا تحت سقف واحد حتى الممات.

تمر الأيام بمرها وحلوها، الفرح والحزن، البكاء والضحك، تجاوزناها معا، وقفنا ضد المحن، هزمنا أشرس الأعداء، وخرجنا من معركة الحب الشعواء، منتصرين، تخرجنا، توجنا مسار الدراسة بالشهادة، اقترب موعد الحسم، باعت والدتي الذهب، واقترض أبي من أصدقائه مالاً، قاتلت حتى وفرت ثمن المهر والتجهيزات، خرجت من المحل الذي اشتريت منه خاتم الخطوبة، أبتسم، أكاد أعانق السماء بالفرح..

رأيت نورا مع رجل سبعيني العمر، أشيب الشعر، معه سيارة فارهة، ركبت معه، تبعتهما في سيارة الأجرة، لحقتها، اخترعت لها ألف عذر ومبرر، ربما قريبها، أو خالها، عمها، من يدري أنه جدها، تحريت الموضوع، ترجلا من السيارة وترجلت منها أيضا، دخلا فندقا فخما، تقفيت أثرهما، تتبعت خطواتهما، سألت خادمة الغرف عن الرجل العجوز والفتاة الشابة، أخبرتني أنه مالك الفندق ومن أغنياء المدينة، وتلك الجميلة المرافقة له هي عشيقته، منذ مدة وهما معا.

سقطت الدمعة من العين، بكيت حالي، رثيته برثاء الشعراء، أصبحت كالثكالى أبكي، أنوح، حتى تحول صوتي إلى عواء، اتصلت بنورا ربما أجد تفسيرا غير هذا الذي قيل لي، وجدت الرقم غير مشغل، جربت كل الوسائل، وكان الفشل مآلها، تمنيت لو سنحت لي فرصة لقائها لأخر مرة، أرمي الخاتم في وجهها وأصرخ، لكن ما فائدة هذا حاليا؟ لا شيء، صعدت إلى الفندق، استرقت نظرة من النافذة الشفافة، وجدت نورا في حضن العجوز الغني، خرجت مهرولا، أجري حتى لم تعد أقدامي تقوى على الإكمال بنفس الوتيرة، وقفت على قنطرة، فكرت بالقفز في النهر، أردت أن ألقي نفسي تحت عجلات الحافلة..

في الأخير وجدت أنها أفكار غبية، هل يستحق ما حدث أن تزهق الروح عليه؟ لا أريد أن أغدو ضحية حب خائنة، تكسر الخاطر وجبرته بالصبر، جرح القلب ورتقته باليقين، دمعت العين وكفكفت دمعها بالأمل، عاقرت الخمر لأنسى، عببت أنفاسا طويلة من مخدر الحشيش لأفقد عقلي وأتغاضى عن الذكرة، لا فائدة من الضياع، ابتعدت عن كل الأخطاء التي ارتكبتها، لم سأعذب نفسي عذابا لا تستحقه؟ بعد السقوط يأتي النهوظ، لملمت الشتات، نسيت الخيبات، كدحت، شقيت، في سبيل أن أدحر عني كل ماتعرضت له، وأزيل من عقلي الشوائب العالقة فيه من هذه القصة الأليمة.

كافحت، وحاربت كل الظروف، توظفت في شركة خاصة، براتب هزيل، عانيت السهر، لفحني الفقر، نمت جائعا، سهرت الليالي في العمل، طمحت أن أصل لمراتب عالية، واصلت الحلم والشغف، انتهزت الفرص، تعرفت على أناس من الطبقة الغنية، أعجب المدير بعملي وكفاءتي وشهادتي، عينني نائبا له، عملت بجد واجتهاد، أصبحت شريكا معه، بعد وفاته، وجدنا وصية، قرأها المحامي، قد ودعت كل الأملاك باسمي، ورثتها عنه، صرت ذا شأن وقيمة بين الكل، اغتنيت بفضل الإرادة، وأصبحت من أغنياء البلاد.

أعيش حياة البذخ والترف، كلما عدت إلى فندقي الفخم، في سيارتي الفارهة، رفقة عشيقاتي أرى كل يوم سيارات الأجرة تتعقبني، وشبان يسترقون النظر علي من نافذة غرفتي الشفافة.

(°) قاص مغربي، له كتابات وأعمال بعدة منابر إعلامية مغربية وعربية، فازت مجموعة منها بمراتب وجوائز، صدرت له مؤخرا مجموعة قصصية بعنوان “قرية أجلموس” والفائزة بالمركز الأول في المسابقة الثقافية الدولية لمؤسسة هبة بنداري للتنمية..
error: