” الممارسة الإعلامية – الواجب المهني والأداء الفني – للدكتور محمد الزوهري دعوة ناضجة من أجل ترسيخ الممارسة الإعلامية السليمة.

أنوار بريس:  عزيز باكوش  

 

  يظل الإعلام عملا شريفا ورسالة نبيلة، عكس ما يروج من كلام عن تبخيس قيمة الإعلام والإعلاميين” هكذا نبدأ رحلتنا مع الإصدار القيم للدكتور محمد الزوهري أستاذ جامعي في شعبة علوم الإعلام والتواصل بكلية الآداب والعلوم الانسانية سايس فاس الموسوم ب” الممارسة الإعلامية – الواجب المهني والأداء الفني ” الصادر عن مقاربات للنشر والصناعات الثقافية بفاس طبعة 2019 .

الإصدار الذي جاء في 116 صفحة من القطع المتوسط ، مزدان بلوحة للفنان عبد العزيز العباسي، يعتبر في جوهره رسالة هادفة لكل عشاق الصحافة والإعلام ، والمؤمنين برسالتهما النبيلة ،وذلك استنادا على مقولة الشهيرة للفيلسوف الوجودي والروائي ” ألبير كامو ” الذي اشتغل  قرابة عشرين عاما في المجال الإعلامي  ” الإعلام أحسن مهنة ،عندما تكون مرادفة للحقيقة وأسوأ مهنة عندما تكون صدى للمصالح” .

   في مقدمة الكتاب نقرأ “لم يكن عبثا أن ينعت العمل الصحفي والإعلامي بثلاث ألقاب رئيسية ، فيلقب بمهنة المتاعب ، نظرا لما يعانيه الإعلاميون من مشاق وتضحيات لأجل الحصول على المعلومة والكشف عن الحقيقة . وينعت بالسلطة الرابعة، لدوره في مواكبة الشأن العام  ومراقبة أداء السلطات الثلاث الأخرى. كما يوصف بلقب صاحبة الجلالة تشريفا لمكانته وتعبيرا عن فخر الانتماء إليه . ويضيف صاحب رواية “طير الجبل” أن بسبب الخصائص المتفردة التي ميزت الإعلام على مدى عقود طويلة من التطور والتأثير والإشعاع ،كان من الطبيعي أن يستهوي مختلف الشرائح الاجتماعية، ليصير الإعلام بذلك من  أكثر المهن جاذبية، وتحول الكثير من الإعلاميين إلى مشاهير وصناع رأي عام .

 

   على ظهر الغلاف نقرأ ” عكس ما يروج من كلام عن تبخيس قيمة الإعلام والإعلاميين نتيجة ما يعرفه مجال الصحافة والإعلام من تطفل وتراجع وانحلال في الآونة الأخيرة ،يظل الإعلام عملا شريفا ورسالة نبيلة ” فهو ليس كما يدعي البعض- مهنة من لا مهنة له، أو وسيطا وظيفيا للتواصل والإخبار خال من الأثر الاجتماعي والثقافي، بل هو مجال مشرع على الخلق والاجتهاد والتنافس. ولكي يكون الفرد إعلاميا يضيف المؤلف ” وجب عليه أن يكون مستعدا وجدانيا وذهنيا وفكريا الممارسة هذه المهنة، وقادرا على تحمل صعابها، لأنها مهنة التحديات بامتياز، كما وجب عليه أن يستجيب للنداء الصادر من أعماقه، وأن تتوافر فيه الموهبة والرغبة الملحة في ملاحظة الحياة والناس، وفي وصف ما يراه، وفي التعبير عما يحس به” .ويضيف الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية شعبة التواصل بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس “مادامت المهنة مجالا للعطاء والإبداع والتألق، فليس هناك في العالم إعلاميان متشابهان؛ يشتغلان بالطريقة نفسها ويحملان رؤية واحدة، بل لكل واحد بصمته الخاصة وأسلوبه المتميز، من خلال طريقة مقاربة الوقائع ومعالجتها، وكيفية إنجاز العمل الإعلامي وصياغته، ونوعية التواصل مع المتلقين وإقناعهم. تبعا لما يملكه الممارس في المجال من ملكات خاصة، وقناعات فكرية، وعلاقات اجتماعية.

    ويرسم د محمد الزوهري الصحفي السابق بجريدة الأحداث المغربية ومدير مكتبها الجهوي بفاس  للأداء المهني في وسائل الإعلام المختلفة خصائص فنية محددة وصيغ إنجاز مميزة، تختلف من جنس صحفي إلى آخر ومن وسيلة إعلام إلى أخرى؛ حسب طبيعة الوظيفة الإعلامية، والأهمية التأثيرية، ونوعية الخط التحريري، وخصوصية الفئة المستهدفة. محددا لكل مادة إعلامية قالبا فنيا خاصا بها يختلف في المبنى والمعنى عن قوالب المواد الأخرى؛ سواء من حيث الفكرة وطريقة الإنجاز، أو من حيث نوعية اللغة والأسلوب الموظفان في الصياغة، أو من حيث المهارات الذاتية والملكات الفنية التي يستعين بها او التقديم مادته الإعلامية في صورة لائقة ومؤثرة.”

    وفي دفتي الكتاب، يعثر الباحث المهتم والمتعطش ،على كل ما يود معرفته حول مجال الصحافة والإعلام تنظيرا وممارسة، أدبا وفنا، لغة وأسلوبا ، عن  الواجب المهني في العمل الإعلامي – ميولات الإعلام – الأداء اليومي للصحفي – مصادر المعلومة في الصحافة- العنوان الصحفي – قواعد أخلاقية عامة لمهنة الصحافة.   كما يقدم المؤلف  الممارسة الإعلامية  من : الأداء الفني في الأجناس الصحفية – الخبر الصحفي التقرير الصحفي- الريبورتاج الصحفي -القصة الصحفية -التحقيق الصحفي- المقابلة الصحفية التعليق الصحفي البورتريه الصحفي.

     ونحن كقراء ومهتمين ،لا يساورنا أدنى شك في حصول “لذة النص” المرغوب فيها بعد الانتهاء من قراءة الكتاب . ثمة قناعة تترسخ ، بموجبها سيتفق القارئ مع المؤلف، وينتصر لخلاصاته ،وسيصبح منذ اللحظة مؤمنا بالعمل الصحفي كإبداع وفن وأسلوب، مهما تعددت أوجه الممارسة الإعلامية، حيث يبقى البناء الفني في مختلف الأجناس الصحفية خاضعا لطرق إنجاز محددة، ولأساليب أداء متميزة، ولصيغ تحرير خاصة. يسمح للممارس المهني بإنجاز عمله وصياغته بما يلزم من السلاسة والجذب والخفة، طالما أن الغاية من وراء ذلك، هي تحقيق التواصل مع المتلقي والتأثير فيه، عن طريق وظائف الإعلام الكبرى: الإخبار والتثقيف والترفيه.

     وفيما يتعلق بمواصفات الصحفي “يخلص الدكتور الزوهري أن الأمر يتعلق بإنسان دقيق الملاحظة، عليه أن ينجز عمله بعين لاقطة، وإدراك متفحص، وشجاعة متقدة، دون أن يسقط في فخ التسرع، والتعميم، والشك. والصياغة الصحفية إن لم تكن مبنية على مبادئ الصدق والنزاهة والدقة، وموسومة بعناصر الإتقان والبراعة، يفقد العمل الإعلامي قيمته الإخبارية والتأثيرية، وينال من مصداقية الصحفي، ويسيء لأخلاقيات المهنة.

   أما على مستوى الوظيفة ،وبما أن لكل تعبير لغوي وظيفة، فإن اللغة الإعلام وظائف عديدة ومؤثرة، لا يمكن أن تفهم إلا بالنظر إلى الخصائص التواصلية التي تطبعها، وبالنظر أيضاء لارتباطها بمفهومي التعدد الثقافي والتشكيل الاجتماعي اللذين يميزان الخطاب الصحفي، الموسوم في الوقت الراهن باختلاف مذاهبه الإيديولوجية، وتفاوت مستويات خطه التحريري، وتعدد وظائفه الإعلامية، وتمايز أهوائه اليومية، وتبيان ظروف عمله، وتنوع مصادره، وتعدد شروط مهنيته، واختلاف خصوصيات متلقيه، وغنى أساليبه الموظفة للاستمالة والإغراء، وثراء مرجعياته اللغوية .

 

    اليوم، نحن في أمس الحاجة لتقويم ومعالجة الانزلاقات ،وترميم ما تآكل من أخلاقيات المهنة ، لاسيما أمام الطفرة المعلوماتية والتواصلية المتسارعة، من أجل ترسيخ الممارسة الإعلامية السليمة التي دأبت مؤسسات التكوين الإعلامي على تلقينها للطلبة الصحفيين ،مع توخي ما يلزم من الدقة والوضوح والمسؤولية والموضوعية بعيدا عن التأويل والتضليل، واعتماد المستوى الفني في الإنجاز والصياغة وتجنب التعقيد والغموض “

 

   لقد بات القطاع الإعلامي مشرعا على الكثير من الانزلاقات والانتهاكات التي تستهدف أخلاقيات المهنة وقواعد العمل الإعلامي السليم، في حين لازالت العديد من المؤسسات الإعلامية الكبرى تقاوم مظاهر التسطيح والتراجع؛ من خلال الحرص على ضمان شروط المهنية، واحترام أذواق المتلقين ومشاعرهم بالرفع من جودة خدماتها والعناية بصحفييها وتقنييها، وتنظيم دورات تكوينية متواصلة لهم، وإصدار منشورات داخلية تتضمن القواعد المهنية وصيغ الإنجاز الفنية التي يتعين على الصحفيين التقيد بها في عملهم اليومي”

 

error: