انتصار الحياة بالشعر، وهزيمة الجائحة أمام الثقافة، في ضيافة “المهرجان الدولي للشعر” بخنيفرة

  • أحمد بيضي

   أسدل الستار على فعاليات “المهرجان الدولي السادس للشعر”، في مدينة خنيفرة المغربية، بكلمة ختامية أوضح من خلالها المنظمون دلالة شعار الدورة: “بالشعر تنتصر الحياة”، وقد تجلى نجاح المهرجان بما حمله النقاد من فائض الحديث حول “معنى انتصار الحياة بالشعر، عبر انخراط الشاعر في هموم شعبه ووطنه والإنسانية جمعاء”، بينما لم يفت المنظمين إبراز رمزية إطلاق اسم مبدع كبير بقامة الشاعر الدكتور محروس بريك على الدورة، وما يحمله ذلك من معنى كبير، إذ “يمثل انحيازًا للإبداع الحقيقي الذي يمثله هذا الشاعر، وتأكيدًا على شعار الدورة” حين انتصرت الحياة بالشعر تحت خيمة مهرجان تمكن من تجاوز جائحة كورونا ليكون في الموعد.

   وفي ذات السياق، وقف منظمو المهرجان، عن بعد، عند شخصية الدكتور محروس باعتباره “يمثل انتصار الحياة بالشعر في أسمى معانيه وأبهى صوره”، مع التأكيد أن “الشعراء في الساحة كثر، لكن الدكتور محروس بشاعريته الفذة استطاع أن يشكل إضافةً هامة في الشعر العربي الحديث، كما بيّن النقاد في شهاداتهم الإبداعية”، بينما استعرض المنظمون ما ميز مائدة المهرجان من “تنوع كبير على مستوى الشعر والنقد والفن والتكريم”، ليكون بحق ذلك “الحدث الكبير الذي وضع اسم مدينة خنيفرة المغربية على الخريطة الثقافية المغربية والعربية والعالمية، ونقشه بحروف من المحبة والسلام”، وهو ما ترك في النفوس الأثر الجميل.

    وانتهت دورة هذه السنة، بحسب الورقة الختامية، ب “استضافته لحوالي خمسين شاعرةً وشاعرًا، حضر معظهم، وحالت الظروف الشخصية دون حضور القليل منهم، وكان من اللافت اتساع المدى الجغرافي للحدث، حيث امتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، من الفلبين إلى أميركا، وكان هناك مشاركون يمثلون ثماني عشرة دولة تنتشر في أربع قارات: أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا، ويتحدثون عشر لغات مختلفة، وكان من شأن هذا التنوع أن يثري المهرجان من خلال التلاقح الثقافي، وأن يمنحه بعدًا إنسانيًا”، فيما شارك في المهرجان عددٌ من النقاد المرموقين، الذين قدموا مداخلات وتحليلات جادة وعميقة تجلى صيتها في حجم التفاعل معها.

    وتميزت فقرات البرنامج بتضمين الموسيقى والغناء، ما كان له الأثر الناعم في نفوس المشاركين والمتتبعين بما لذلك من علاقة سيامية بين الفن والشعر، وبينما جرى تكريم عريس الدورة السادسة عشر، الشاعر المصري الدكتور محروس بريك، قامت الجمعية بتكريم ابن خنيفرة البار، الشاعر والزجال والفنان التشكيلي، الراحل ذ. أحمد وعتيق، وهو التكريم/ الوفاء الذي جاء استكمالاً لمبادرة الجمعية المنظمة، في شخص مؤسسها ورئيسها، ذ. عزيز ملوكي، عبر طبع وتوزيع ديوان الفقيد وعتيق “صباح الخير اخنيفرة”، وهو عبارة عن مختارات زجلية جرى توقيع ديوانها في حفل رمزي حضره أفراد من عائلة الشاعر.

     ولم يفت الجمعية “استحضار روح الشاعر، الفنان والزجال، أحمد وعتيق”، بوصف الفعل “التزاما من الجمعية، وسنة حميدة تتوخى من خلالها، تكريس ثقافة الاعتراف بالآخر، ضدا على ثقافة الجحود والنسيان، بمعنى الاعتراف بأناس أثثوا المشهد الثقافي المحلي والوطني، وحتى العربي والدولي، بعطاءاتهم الأدبية والفنية والصحفية والجمعوية”، مذكرة في كلمتها بعمل الجمعية على تكريم عدد من الأسماء، في عدة محطات ثقافية، حيث لم تقتصر الجمعية على تكريم الأحياء فقط، بل تم الالتفات إلى مبدعين رحلوا إلى دار البقاء، وبينهم مثلا الفنان محمد رويشة والقاص والناقد عبد الرحيم المودن والشاعر التونسي شكري ميعادي والقاص محمد غرناط.

    وقد افتتحت فعاليات الحدث الثقافي ب “كلمة المهرجان” تم فيها التعبير عن مدى “تمرد المنظمين على أجواء الجائحة، والحجر والاختناق، لتسجيل تقليدهم السنوي الذي وإن حالت كورونا دون تحقيقه واقعيا لابد من عيشه سويا ولو افتراضيا”، ويكون المهرجان في الموعد ك “قصيدة تتمنع عن السكوت وتتحدى الموانع وتتغنى بالحب لتنتصر للحياة”، أو هي “قصيدة ينسج بهاء أبياتها، ثلة ممن سكنهم هوس عشق الحياة والحرية”، هو “مهرجان خنيفرة للشعر الذي بدأ حلما جنينيا، ثم مخاضا ليولد الملتقى الوطني الأول للشعر في أول شهر من عام أربعة عشر و ألفين”، ومن خلال كلمة الافتتاح حضرة الذاكرة لتحكي قصة حلم جمعية المهرجان وتعهدها بالهجرة نحو من يقاسمها الهوس لمعانقة العالمية.

     وكان ستار المهرجان قد رُفع بكلمة “جمعية الأنصار للثقافة”، أبرز، من خلالها ذ. عزيز ملوكي، مدى إيمان الجمعية بكون الثقافة هي القاطرة الأساسية والرأسمال اللامادي لكل تنمية اقتصادية واجتماعية، دون أن يفوته توجيه تحية خاصة للشاعرة التونسية هدى القاتي، لإيمانها بالمشروع الثقافي للجمعية، فيما تم التنويه بالمجهودات الاستثنائية التي بذلها الشاعر والمترجم الأردني نزار السرطاوي في التنسيق وترجمة النصوص والسير الذاتية للشعراء غير الناطقين بالعربية، مع توجيه التحية لفرسان الجمعية، وبينهم ذ. المصطفى تودي الذي لم تثنه مسؤولياته المتعددة عن الإعداد لهذا العرس الثقافي.  

    وفي كلمة له، قال عريس الدورة، الشاعر المصري الدكتور محروس بريك، “إنني، وأنا الشاعر، أجدُني الآن في موقفي هذا أخُطّ وأمحو الخطّ ثم أعيده باحثًا في معاجم العربية عن لفظة أو جملة أو بيت شعر يعبر عن مشاعري تُجاه هذه الحفاوة وذاك الاحتفاء الذي يتمناه كل شاعر ويصبو إليه كل أديب، إن صنيعكم هذا أيها الكرماء أرقى وسام يناله شاعر، وإنه لشرفٌ عظيم أرى نفسي – دون تواضع كاذب – دونه بكثير، لكنّ جمعية الأنصار تأبى إلا أن تأخذ بأيدينا وترفعَ من أقدارنا وتكرمَنا، ولا غرابةَ، فالشيءُ من مَعدِنه لا يُستغرب، وأنتم جميعا في جمعية الأنصار بقيادة الإنسان النبيل المعطاء ذ. عزيز ملوكي – أنتم أهل كرمٍ ومحبة وعطاء”، وفق قوله.

error: