بعد الإساءة.. هل سترقد الحاجة الحمداوية في سلام ؟

عبد الرحيم الراوي

رحلت الحاجة الحمداوية التي تعتبر واحدة من رواد العيطة المرساوية الأسبوع الماضي عن عمر يناهز تسعين سنة، تاركة وراءها سيرة حياتية ونضالية وفنية مشرقة حافلة، وإرثا غنائيا وفنيا خصبا.

وقد ووري جثمانها الثرى بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء تحت عيون الحاضرين من الأقارب والمعجبين وقد أمتلأت بدموع الوداع الأخير.

وبما أن الذكرى تنفع المومنين، فلا بد من الإشارة إلى أن الحاجة الحمداوية عانت الكثير، ليس فقط بسبب المرض الذي لازمها لمدة طويلة وقاومته بشجاعة امرة متمسكة بالحياة حتى انطفأت شمعتها إلى الأبد، لكنها عانت أيضا في صمت من إساءات كانت تستهدف حياتها الشخصية، كنشر أخبار زائفة حول وفاتها وتعرضها لسخرية قاسية من قبل أشخاص لا يعرفون حدود اللياقة والاحترام، فاحترفوا الإساءة على شبكات التواصل الاجتماعي في حق شخصيات عمومية كتبت اسمها بحبر من ذهب في مجال الفنون والثقافة، وارتبط اسمها بالذاكرة الجماعية، كان آخر ضحاياها المفكر المغربي عبد الله العروي، أطال الله في عمره.

وفي إحدى المراحل من حياتها، أصيبت الحاجة الحمداوية بأزمة نفسية بدت على جسمها النحيف فازداد نحافة بعدما تم استغلالها من قبل مجلة وطنية مختصة في شؤون النساء والموضة، وذلك من خلال نشر صور فوتوغرافية على صفحاتها تظهر الحاجة في حلة عصرية غيرت ملامحها بالكامل، وعرضتها للسخرية والتنمر من قبل رواد الفضاء الأزرق وغيرها من التطبيقات، إلا أن ردها على تلك الحملة المغرضة والتعليقات المخلة بالحياء في بعض التصريحات التي كانت تدلي بها المرحومة لوسائل الإعلام كانت تختزله في جملة واحدة “الله يهديهم ويعفو عليهم وينجحهم”.

أما على المستوى المادي، فقد عاشت الحاجة، الفقر المدقع في الوقت الذي كانت لديها حقوق مادية بالمكتب الوطني لحقوق التأليف، خاصة وأن أغانيها كانت تردد بشكل كبير في الراديو والتلفاز والحفلات…لكن لم تكن تستفيد منها، وقد أشارت إلى هذا الموضوع في تصريح لها بإحدى الإذاعات الوطنية، قائلة بالفرنسية: “أنا عمري ماخديت شي ريال من المكتب الوطني لحقوق التأليف”

وفي السياق ذاته، تعامل الباحثون في فن العيوط بنوع من التجاهل لمسار الحاجة الحمداوية، وأبدوا استعدادهم لإخراج  رفوف الشيوخ والشيخات من مقابرها وإعادة إحياء أزمنتها البعيدة، دون التطرق بشكل كاف الى ما أحدثته الحاجة الحمداوية من ثورة في الفن الشعبي وخاصة العيطة المرساوية، حيث كانت أول شيخة تغني بمشاركة الجوق الوطني برئاسة المرحوم عبد القادر الراشدي.

ما تعرضت له الحاجة الحمداوية قيد حياتها من إساءة، يدفعنا إلى طرح بعض الأسئلة لمراجعة السلوك والذات في الجانب المتعلق بثقافة الاعتراف بالجميل والرفع من شأن الذين خاضوا حروبا في حياتهم من أجل تهذيب النفوس والترفيه عنها، وهي أسئلة عديدة تطرح نفسها بإلحاح.أهذا ما كانت تستحقه منا الفنانة الشعبية الحاجة الحمداوية ؟ أبهذا الأسلوب نكافئ فنانينا الذين كرسوا حياتهم لإمتاعنا وساهموا في إثراء ثقافتنا وأبدعوا ليحافظوا على هويتنا بمختلف ألوان الإبداع ؟ ألم يكن يكفي ما عانته الحاجة الحمداوية وهي التي قضت فترة من حياتها داخل السجن وعاشت الفقر والبؤس؟

كل من يعرف الحاجة الحمداوية التي ذاقت حياة التناقضات بين السجن والحرية بين الفقر والترف حيث عاشت بين البسطاء وحلت ضيفة عند الملوك والأمراء، يشهد على أنها سيدة متواضعة شعبية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، معطاءة إلى حد الإيثار ولو كانت بها خصاصة، محبوبة في جلساتها مع الأهل والأحباب، سيدة تنطبق عليها كلمة الإمام الغزالي: من كل فن شمة.

عشقت فن الغناء وهي في مقتبل العمر ورغم أن والدها كان يمنعها من الغناء، إلا أن رغبة الحاجة الحمداوية الملحة في التعبير عن حبها الجامح للكلمة واللحن في مجتمع ذكوري لا يسمح أن تعلو فيه أصوات نسائية بسهولة، جعلها تتحدى الصعاب وتقف أمام الجمهور بنخوة القفطان المغربي وقَصَّة شعرها المجرور الى الوراء كي تظهر محاسن وجهها النحيف وهي تحمل “البندير” بأناقة متناهية وحضور قوي فوق الخشبة، فتنصهر في معزوفات الجوق الوطني، وهي تغني بمجون الشعراء ونخوة الشيخة التي حملت في البداية هموم الوطن في زمن الاستعمار، قبل أن تتحول فيما بعد إلى أيقونة الفن المرساوي بالمغرب.

error: