وجهة نظر..على هامش قضية “قهوة نص نص”

عبد الرحيم الراوي

ما زالت قضية “قهوة نص نص”  تثير العديد من ردود الأفعال المتباينة في الوسط الفني والحقوقي والإعلامي على خلفية دعوى قضائية استعجالية تقدم بها محامون لدى رئيس المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء، ضد مخرج السلسلة الفكاهية هشام العسري والقناة الأولى، بتهمة المساس بقدسية مهنة المحاماة.

وجاء في الشكاية “أن الرسالة التي يود المخرج في سلسلة “قهوة نص نص” التي تبثها المدعى عليها تروم بشكل واضح المساس بالملكية الاعتبارية للمحامي وإلى الانتقاص من دوره في أداء مهام الدفاع في إطار قانون مهنة المحاماة “

ليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الاحتجاج على عمل فني بسب المحتوى، فقد تم تسجيل العديد من الشكايات في السنين الأخيرة بلغت 700 شكاية سنة 2019 تقدم بها مواطنون، جمعيات مجتمع مدني، نقابات، أحزاب سياسية، ومؤسسات عمومية وخاصة لدى الهيأة العليا للسمعي البصري، المعروفة اختصارا ب”الهاكا” ، تدعي فيها أنها تضررت من مضامين إعلامية وفنية.

يبدو أن مثل هذه الشكايات لن تخدم الفن بالمغرب، ولن تجعله قويا صامدا أمام منافسة شرسة لإنتاجات أجنبية، غزت قنواتنا بالتفاهات، خلال عقود طويلة، ولن تساهم في أن يصبح مجال الفن والثقافة رافعة تنموية تحرك عجلة الاقتصاد، وتوفر فرص الشغل، ولن تعرف بالثقافة والحضارة والهوية.. بل ستكبح أي مجهود طموح يرمي إلى تطوير قدرات المبدعين على الإبداع في ظل التضييق على حريتهم، علما أن هذا الإبداع لا يمكنه الوصول إلى قلب الجمهور إذا لم يكن يتمتع بهامش كبير من الحرية كشرط أساس يضمن نسبة مهمة من النجاح.

فالحرية عامل أساسي في اللعبة الفنية، هي التي تنتج الفكرة وتحرك الخيال وتشعل الأضواء وتشغل عدسة الكاميرا ليبدأ الشروع في عمل مضني، يتواطأ فيه السيناريست والمخرج والممثل والتقنيون ليسرقوا من خلاله الضحك والمتعة، دون أن تكون في نيتهم الإساءة أو تمرير أي رسالة ملغومة سواء للمحاماة أو الطب أو الإعلام..

 على النقيض من ذلك، قد تكون فكرة المخرج في بعض الأحيان تتمحور حول تيمات لا تعكس الواقع، فيتعمد إعطاء صورة مختلفة تماما عن واقع مجال ما، أو شخص معين ليمنح الجمهور فرجة مخيالية خارجة تماما عن المألوف.

 ففي السينما العالمية أو المسلسلات الدولية، عندما يتناول مخرجو الأفلام الأمريكية موضوع “ايف بي اي” أكبر جهاز للأمن في العالم، بشكل هزلي، عادة لا تسجل أي ردود أفعال مناوئة للفيلم، بل يؤخذ على أنه عمل فني صرف، لا يمس بقدسية المهنة ولا بعرض أصحابها.

ولتجاوز كل هذه الأمور الضيقة، يجب الأخذ بعين الإعتبار أن الإنتاجات الفكاهية والدرامية بالمغرب، شقت طريقها خلال العامين الأخيرين بمحتوى قيم وتقنيات احترافية جيدة، ورغم ذلك، تبقى تجربة فتية تستحق منا التشجيع بدل الشكايات والاحتجاجات، خاصة وأن العمل الدرامي في المغرب أصبح يراهن على الوصول إلى قنوات عربية ودولية.

error: