الأدب والأوبئة: قراءة تأصيلية لتجنيس أدب الرعب

  • سجاد عبد الحسين حداد

يُعرَّف الأدب غالباً بأنّه ضرب من ضروب الفنّ الإبداعيّ، ابتكره الإنسان ليُعبِّر عمّا يدور في نفسه من خلجات إزاء الجمال والعاطفة والخيال. ويُعرَّف الوباء بأنّه حزنٌ وسُقمٌ ومرضٌ يتعلّق بقلب الإنسان وكينونته. فأين تكمُن علاقة الأدب بالوباء؟

تنطلق العلاقة بين الأعمال الأدبية بالمُجمَل وبين الأوبئة التي شهدتها البشرية، من كون أنّ الأدب في حقيقته تعبير عن حركة الحياة في مختلف الأوقات سواء في الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا ما يجعل القارئ للأدب العالميّ يُلاحظ ظاهرة سُمّيت بــ “أدب الرّعب”، الذي توحي به روايات ستيفن كينغ مثلاً، وصولاً إلى روايات تنصر القوى الإنسانية وتعمل على إنشاء عالمٍ مليء بالعدالة والسلام والمحبّة كرواية “العمى” لجوزيه ساراماغو ( للكاتبة فاطمة واياو )وإذا قرأنا أدب القرن التاسع عشر والعشرين والواحد والعشرين، نلاحظ ظاهرة سُمّيت “أدب الوباء”،

ويرجع هذا عمليّاً إلى تفشّي عددٍ من الأوبئة على مرّ العصور وأثرها في السّرد الغربي، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا على الأدب، كما على شتّى مجالات الحياة الإنسانية. فالأدب فنّ يعكس صورة حياة الناس في المجتمع، فلهذا نجد الأمراض تستفزّ إبداع الكاتب ليوظّفها في أدبه.

وبما أنّ الأوبئة تسبَّبت بتحوّلاتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيةٍ على حياة الفرد بشكلٍ خاص والمجتمع بشكلٍ عام، وأكبر مثال على الواقع الحيّ لتأثير الوباء على المنطقة العربية عندما تفشّى الطاعون في بلاد الشام خلال العصر الأمويّ ممتدّاً إلى العراق ومصر وشمال أفريقيا، لذا لعب الطاعون دوراً أساسياً آنذاك في سقوط الدولة الأمويّة وُفق ما ذُكِر في كتاب (الطاعون في العصر الأموي) لأحمد العدوي.

وهنا نُميِّز بين علاقة الأدب بالأوبئة من جهةٍ وبين علاقة القراءة بأزمنة الوباء من جهة، فنرى أنّ القراءة تزيد بأزمنة الوباء حيث أنّ البشر بطبيعتهم يتّجهون إلى القراءة محاولة منهم لكَسْرِ العزلة التي يعيشونها أثناء فترات الحَجْر الصحّي، وغالباً ما ترى الناس أثناء هذه الفترات يقرأون الأعمال التي تكلّمت عن الأوبئة، وأكبر دليل على هذا التقارير الصحفية التي أكّدت أنًّ (رواية الطاعون) لألبير كامو كانت الأكثر قراءة أثناء فترة انتشار فيروس “كورونا”، فيما ارتفعت نسبة مبيعات رواية “العمى”. و على الرغم من أن وظيفة الأدب في الأساس ليست مختصة بتقصي تأريخ الأوبئة، بل مُلامسة آلام ومُعاناة الإنسان..

لذا سنحصي أبرز الأعمال الأدبية التي كان الوباء موضوعاً لها:

(دفتر أحوال الطّاعون)، رواية للكاتب الإنكليزي دانييل ديفو، أصدرها عام 1722، وثّق فيها لطاعون لندن 1665 بشكلٍ تأريخيّ مُفصّل يقشعّر البدن عند تخيّل أحداثها. ويصف فيها الكاتب تزايد الإصابات مع حلول الربيع، قبل أن تبدأ السلطات بتطبيق الحَجْر الصحّي الذي عبَّر عنه ديفو بقوله “توقُّف إقامة كلّ الولائم العامّة، خاصّة تلك التي تقيمها الشركات في هذه المدينة، وكذلك وقّفَ تقديم وجبات العشاء في الحانات، وغير ذلك من الأماكن التي تشهد أنشطة ترفيهية يشارك فيها العامّة، لحين تطبيقها نظام مختلف يُجيزها من جديد”. وأكّد ديفو في عمله أيضاً أنّه “لم يكن هناك ما هو أكثر فتكاً بسكّان هذه المدينة، أكثر من إهمالهم المُفعَم بالكسل في التعامُل مع هذه المجنة.

وفي العام نفسه أصبح الوباء مُروِّعاً ووصل إلى ذروته في أيلول/سبتمبر ليقتل عائلات بأكملها. وفي كانون/الثاني ديسمبر حلّ الشتاء القارِس بعد أن أصيب جميع سكّان المدينة بالمرض وتعافى أغلبهم وبدأت المدينة تتنفَّس من جديد.

(حصان شاحب فارس شاحب) (1939)، عمل للأميركية كاثرين آن بورتر، تروي قصّة وباء الانفلونزا الذي قتل الأميركيين أكثر مما فعلت الحرب العالمية الأولى.

(الطاعون) (1947) للفرنسي ألبير كامو، وتتحدَّث عن الطّاعون الذي تفشّى في وهران الجزائريّة ويرمز الكاتب في روايته إلى العقاب الإلهي، حيث أن “الطاعون” عنده لم يكن حقيقيّاً.

(اليوم السّادس) (1960) للمصرية أندريه شديد، وتتحدَّث فيها عن الحب واستطاعت شديد أن تطرح سؤال الحبّ وهو السؤال الفلسفي الوجودي الذي لا نعثر عليه.

(الحب في زمن الكوليرا) (1985) يروي فيها غابرييل ماركيز قصة حبّ مُعقَّدة بين رجل وامرأة منذ المُراهقة وتستمر بعد السبعين، رواية تسكنها الحيرة، فهي خيال يتجسَّد أمامنا كحقيقة ولا فارِق واضح بين داء الكوليرا وداء الحبّ.

(العمى)(1995) ويُصوّر فيها البرتغالي خوسيه ساراماغو الرّعب الغريزي عند تفشّي “الوباء الأبيض“، حيث يدفع الخوف من الوباء إلى تخبّط الناس في فوضى غاب فيها حسّ المسؤولية اللازم لمواجهة الأزمة فيخرج الوباء عن السيطرة. ويغمز ساراماغو في الرواية إلى انعدام البصيرة الفكرية مع غياب البصر من العيون.

(عام الطوفان)(2009)، وتتحدَّث فيه الكاتبة الكندية مارغريت أتوود عن مجتمع عشّش فيه الوباء ما أدّى إلى أن تصل البشريّة إلى حافة الانقراض. وتدور أحداث العمل بعد 25 عاماً من فناء غالبية سكان الأرض بسبب طوفان من دون ماء تمثّل بوباء خبيث انتقل عبر الهواء، كأنه يطير بجناحين ليجتاح المدن كما يجتاحها الحريق.

(إيبولا) للسوداني أمير تاج السر وتتحدّث عن رجل كان يذهب إلى الكونغو لأغراضٍ ذميمة، ويلتقط هناك الفيروس ويتّخذ من المرض جسراً يعبر به نحو جنوب السودان.

وفي نظر الباحث وانطلاقا من مقولة الفيلسوف اليوناني أبيقور: «Epicurus» «يُمكن للإنسان أن يكونَ فى مأمنٍ من كلّ شيء سوى الوباء، فأمامه يعيش كلّ البشر في مدينة لا أسوار لها» وهى حقيقة ما زال الكائن البشرى يعيشها إلى اليوم، فمع الأوبئة يتساوى عالَم ما بعد، بعالَم ما قبل في تاريخ البشريّة.

هل كان سيختلف شعور الناس لو قرأوا مثلا عبارتَى: «النضال المُشترَك هو ما يجعل المجتمع مُمكِنا»، أو «إنّ كُلَّ ما يستطيع الإنسان أنْ يربحه فى معركة الطاعون والحياة هو المَعرفة والتذكُّر»، من الرواية الأكثر شهرة «الطاعون» لألبير كامو Albert Camus؟ بالتأكيد سيحارون أمام هَول ما يقع من ضحايا كورونا، ونحن في القرن الحادي والعشرين، أليسَ غياب النضال المُشترَك والتعاوُن الإنساني وعدم أخذ عِبَرٍ من دروس التاريخ من بين آفات عصرنا الحالى؟

لقد شكّلت رواية «الطاعون» صرخةً وجوديّة فلسفيّة عبَّر فيها الفيلسوف والكاتِب الفرنسي الأصل، الجزائري النشأة، ألبير كامو، عن عبثيّة الوجود من خلال التخييل الباذخ حدّ الواقع الصادِم. فكما هو معلوم، فإنّ مدينة وهران الجزائريّة لم تُعان الطاعون، حين كتبَ ألبير كامو روايته، هذا المعطى يضعنا أمام حقيقة مهمّة وهى أنّ أدب الكوارث أو الأوبئة كُتِب أغلبه خارج سياق الحادث/ الوباء، أي بعد أو قبل وقوع الكوارث.

وهى حقيقة تتجلّى أيضا فى رواية «الإنسان الأخير» The Last Man للكاتبة الإنجليزيّة مارى شيلى Mary Shelly التى شكَّلت أحداثها فكرة استشرافيّة تخييليّة، إنْ لم نقلْ تنبّؤيّة، فالكاتبة أصدرت روايتها سنة 1826 ولكنّها تحكى عن الوباء الذى سيضرب الإمبراطوريّة البريطانيّة كما تخيّلتها مارى شيلى، والذى سينتشر بدايةً من القسطنطينيّة كبؤرة له.

تبدأ أحداث الرواية سنة 2073 وتنتهى سنة 2100. هذه الرواية التي ستلقى وابلا من النقد والسخرية إبّان فترة صدورها، أى قبل أن يصبح أدب الكوارث أدبا مُعترَفا به في ستّينيّات القرن العشرين. لقد كانت ماري شيلى فى روايتها هذه عرّافة تنبّأت بما نعيشه اليَوم من كوارث وأوبئة، وأيضا ازدياد أعداد اللّاجئين والتغيّرات المناخيّة المُميتة التي شهدتها الحضارة الإنسانيّة في بداية القرن الحادي والعشرين. إنّها رواية استشرافيّة بامتياز، حيث يُمكن اعتبار ماري شيلي من الكُتّاب الروّاد لما بات يُعرف الآن بأدب الكوارث أو بأدب ما بعد النهايات، بحسب التصنيف الأدبي الإنجليزي.

وهى عكس رواية «الطاعون»، حيث إنّ مدينة وهران كان قد ضربها الطاعون فعلا، ولكنْ 100 سنة قبل رواية كامو، وهو أمر يجعل من التكثيف الخيالي مجالا للتعبير الباذخ، ذلك أنّ وقوع الكارثة وانتشار الأوبئة في التاريخ يُمكن اعتباره فترة جمود وحِصار وحجْر قد لا يَمنح السرد الكثير من ألَقِه وإبداعه وعنفوانه. ولعلّ ألبير كامو أشار إلى هذه الحقيقة في رمزيّةٍ عميقة من خلال غران Gran أحد أبطال روايته «الطاعون» الذى كان يَعِد بكِتابة قصّة جميلة؛ غير أنّنا نكتشف في نهاية الرواية أنّها لم تتجاوز العبارة الأولى التي أعاد نسْخها خمسين مرّة من دون أن تكتمل القصّة لتكون تعبيرا عن صعوبة التفكير والإبداع في زمن لا يستطيع العقل البشرى فيه سوى التفكير في النجاة لا غير.

فيروس كوفيد ــ 19 أو ما يُعرف بكورونا، ليس الجائحة الوحيدة التي عرفتها البشريّة، وبالتأكيد لن تكون خارج أدب الأوبئة أو ما يُصطلح عليه بأدب الكوارث. فكلّ الأوبئة التي مرّت على بنى البشر وجدت طريقا لتُخلَّد في إبداعاتٍ أدبيّة وفنيّة، سواء بوصفها أم بالتأريخ لها أو بالتنبّؤ بها. فمع فرْض الحجْر الصحي على سكّان الأرض من دون استثناء، على الرّغم من بعض الفوارق في درجة الإغلاق، اتّجهت الأنظار إلى السرديّات التي احتفت بالأوبئة في التاريخ الإنساني.

ولعلّ المُنقِّب في المَكتبات العالَميّة لن يعدم أن يجد العديد من الروائع الروائيّة على الخصوص التي جعلت من موضوع الأوبئة مادّة ومحورا للسرد. فمن «أوديب مَلِكا» للكاتب اليوناني سوفوكليس Sophocles، وجيوفانى بوكاتشيو Giovann Boccaccio  وروايته «الديكاميرون The Decameron التي صدرت سنة 1353، ومرورا برواية القناع الأحمر The Masque of the Red Death للكاتِب إدغار ألان بو Edgar Allan Poe الصادرة سنة1842، وصولا إلى رواية عيون الظلام The Eyes of Darkness الصادرة سنة 1981 التي تنبّأ فيها الروائي الأمريكي دين كونتز Dean Koontz وبشكلٍ غريب، بظهور فيروس من مدينة أوهان الصينيّة والتي ستعود للواجِهة مع جائحة كورونا، وصولا إلى رواية العمى Blindness للكاتِب البرتغالى خوسي ساراماغو José Saramago الصادرة سنة 1995 التي تصوِّر بدَورها انتشار وباء يصيب العيون في زمانٍ ومكانٍ مُتخيَّلين.

ففي كلّ مرّة تُكتب رواية عن بعض الأوبئة، يكون الزمان فيها في الغالب استشرافيّا، حيث يتنبّأ الكُتّاب بما سيحدُث في عالَمٍ مستقبلي، غير أنّ المُفارَقة هنا أنّه غالبا ما يحدث ذلك بعد عقودٍ من الزمن. فرواية “فراكنشتاين” Frankenstein  مثلا، وهى للكاتبة الإنجليزيّة ماري شيلي، تتنبّأ أيضا بفظاعة ما يُمكن أن تقترف اليد البشريّة بالطبيعة، حيث إنّ أحد أبطالها، وهو المسخ أو الوحش، يُمكن أن يكون رمزا لكورونا في زمننا هذا، إذ يموت هذا المسخ في نهاية الرواية، ولكنْ بعد أن يكون قد قضى على الكثير من الأحبّاء.

أمّا في الحالات النادرة التي كُتبت فيها الرواية في زمنٍ قريب من زمن انتشار الوباء، فنكتشف أنّ الأبطال ينتمون إلى جغرافيا تبعد بنِسبٍ مُتفاوِتة عن بؤرة الوباء، وهو الأمر الذى نستشفّه من رواية «الديكاميرون» لجيوفاني بوكاتشيو التي صدرت في العام 1353، والتي تسرد مائة قصّة داعِرة، ومُضحِكة، وجنسيّة رواها أبطال الرواية على مدى عشرة أيّام خلال حجْرهم الصحي في فلورنسا، بينما كان الوباء يتمدّد فى شمال إيطاليا، وهى تقنيّة أراد من خلالها الكاتِب أن يمنح لأبطاله فرصةً للعيش وإلهائهم عمّا يُمكن أن يتسرّب إليهم من فظاعات وأحزان ومَخاوِف.

  • نقطةُ بدايةٍ لعالَمٍ جديد

إنّ إلقاء نظرة على الأدب الذى احتفى بالأوبئة، وبخاصّة منها وباء الطاعون فى العديد من السرديّات العالَميّة، يقودنا إلى الوقوف عند رمزيّةٍ دلاليّةٍ مهمّة، وهى أنّه في الكثير من الأحيان يُصبح الطاعون رمزا للفساد السياسي، وهو ما نستشفّه من حكاية الكاتب الفرنسى جان دى لافونتين Jean de La Fontaine المُعنونة بـ «الحيوانات المُصابة بالطاعون Les animaux malades de la peste « الصادرة سنة 1678.

وإذا كانت حكايات لافونتين مُستقاة من الآداب القديمة البيزنطيّة والآشوريّة والهنديّة والعربيّة أيضا، فإنّه استطاع مع ذلك أن يُحيّنها ويُلائمها مع عصره واضعا إصبعه على مَكمن الداء السياسي في رمزيّةٍ تشى بالقمع المُمارَس آنذاك في أوروبا القديمة، كما أنّه تحدَّث من خلالها عن العديد من الأمراض الاجتماعيّة كالنِّفاق والظلم والمحسوبيّة والرشوة وغيرها من العلل التي كانت تنخر المجتمع الفرنسي آنذاك.

وفى مرحلة تاريخيّة لاحقة، نجد أنّ الكاتِب الفرنسي ألبير كامو استطاع أن يجعل من روايته «الطاعون» رمزا سياسيّا بامتياز؛ فعلى الرّغم من أنّ الرواية تتحدّث عن وباء الطاعون الذى سيضرب مدينة وهران الجزائريّة، إلّا أنّ ألبير كامو كان يرمز إلى تفشّى النازيّة واحتلالها بلده الأصلي فرنسا، والنازيّة كما الطاعون، لن تتحرّر منها فرنسا إلّا بمُساعدة الحلفاء في الحرب العالَميّة الثانية، وبتضافُر كلّ قوى التحرُّر عبر العالَم من أجل القضاء على الطاعون الذى هو صنو الاحتلال والفساد السياسي.

أمّا الكاتِب الإنجليزي دانييل ديفو Daniel Defoe صاحب مُغامرات Robinson Crusoe الشيّقة، فقد أصدر سنة 1722 رواية «دفتر أحوال عام الطاعون» A journal of the Plague Year وثَّق من خلالها لوباء الطاعون الذى اجتاح لندن في العام 1665، مُقدِّما تاريخا تفصيليّا، يجعلنا نشعر بالدهشة ولكنْ أيضا بالقشعريرة من تفشّى الوباء، الذى بدأ فى سبتمبر من العام 1664، بشكلٍ شَرسٍ بين سكّان لندن.

غير أنّ الكاتِب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز Gabriel García Márquez في روايته «الحُبّ في زمن الكوليرا» El Amor de los Tiempos de Colera الصادرة سنة 1985 استدعى وباء الكوليرا كتيمة تكثيفيّة غير واقعيّة، لا في الزمان ولا فى المكان، ليُتيح لقصّة الحبّ الأساسيّة أن تَجد طريقها للتشكُّل بعيدا من أنظار الفضوليّين إن صحّ التعبير. ليغدو الوباء هنا حاملا دلالة رمزيّة فنيّة وإنسانيّة أيضا.

يبدو إذن أنّ أدب الأوبئة ليس مرآة مأساويّة لما يُمكن أن يصيب البشريّة أو أصابها من حروب وكوارث طبيعيّة وأوبئة أو جائحات فحسب، بل هو بالأساس نقطة ضوء تمنح الأمل؛ فجلّ الروايات تنتهى بزوال الكارثة وعَودة الحياة تدريجيّا إلى طبيعتها، وبالطبع مع خسائر فظيعة في الأرواح. غير أنّ هذه الحياة تغدو في كلّ مرّة نقطة بداية لعالَمٍ جديد.

فبعد زوال جائحة الأنفلونزا الإسبانيّة مثلا في سنة 1919، انبرى العديد من الدول الغربيّة لإنشاء أنظمة صحيّة قويّة تضمن الصحّة كحقٍّ من حقوق الإنسان للجميع وتقديم الخدمة الصحيّة بالمجّان، نذكر على سبيل المثال روسيا التي بدأت بإنشاء نظامٍ صحّى شامل سنة 1920، وبريطانيا التي أثمرت تلك الجهود فيها في العام 1948 بتأسيس المنظومة الوطنيّة للخدمات الصحيّة، أو ما يُعرف بـNHS.  فهل ستمنحنا جائحة كورونا فرصةً سانحة لبزوغ عالَمٍ إنساني جديد أكثر عدلا ومُساواة ورحمة؟

فى النهاية وأمام هذه الفظاعات الماضية والآنيّة وربّما الآتية، يظلّ الأدب الوجه المُشرِق من الكارثة كما قال الفيلسوف والأنثروبولوجي الفرنسي روني جيرار René Girard. للكاتبة علا شحود، وبما ان الشعر منظومة فكرية خيالية في اذهان كتابه، فإنه كذلك وجود اجتماعي يحاكي القضايا الاجتماعية محاكاة تنسجم مع طبيعتها وظواهرها على مر الأزمان ولمختلف الشعوب، فكما تعددت أغراض الشعر بين هجاء ورثاء وفخر ومديح وغزل، وصف الشعر حالة اجتماعية طارئة على المجتمع على مر الأزمان، حيث تعرض الشعراء في قصائدهم إلى محاكاة الأوبئة والجوائح التي عصفت من حولهم بالكثير والتي تشكل في حينها ظاهرة اساسية لا يمكن الاستغناء عن وصفها..

فقد تناول الشعراء على مختلف العصور تأثيرات الاوبئة من حولهم لا سيما تأثيراتها التي تضمنت ضحاياها واصاباتها واشتراكها في تأزيم الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ، فقد برز دور الشعراء هنا في وصفها عموما كقضية مجتمع و كلسان حال مصاب على وجه الخصوص. فمنهم من وصف حالته الصحية المتعسرة و منهم من وصف موت قريب او فقدان عزيز او بث شكواه من خلال وجدانيته ، فمن ابرز ما كتب في هذا اللون من الشعر :

  • نازك الملائكة تصف حصاد الأرواح

ففي عام 1947، نشرت الشاعرة العراقية نازك الملائكة قصيدتها الأولى المغايرة في عالم الشعر “الكوليرا”، عندما كانت تستمع إلى أخبار هذا المرض الذي ضرب مصر آنذاك.

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

الكوليرا

في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ

في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ

استيقظَ داءُ الكوليرا

حقْداً يتدفّقُ موْتورا

هبطَ الوادي المرِحَ الوُضّاءْ

يصرخُ مضطرباً مجنونا

لا يسمَعُ صوتَ الباكينا

في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداءْ

في كوخ الفلّاحة في البيتْ

لا شيءَ سوى صرَخات الموتْ

الطاعون والشعر.. تأملات علي باكثير

وفي بداية القرن العشرين، كتب الشاعر المصري من أصل حضرمي علي أحمد باكثير (1907 ـ 1969) عدة قصائد ومقطوعات عن الحمى، منها: “في حال مرض”، “تضرع على فراش الألم”، “ألمَّت بي الحمى”، “دعيني أيها الحمى”، “الروح الحنون“.

دعـيـنــي أيهـا الـحـمـى أجــيــبُ أخـــاً ثغـرالـزمـان بــــه شـنـيــبُ

ومـا أدري وقـد أوهـنـت جسـمـي أأخطـئ فـي مقالـي أم أصـيـب

سـمـاء الـفـكـر إن تـظـلـم بـلـيـل فشمس الشعر يلحقهـا المغيـب

وبـيـن الجـسـم والـفـكـر ارتـبــاط إذا مــا طـــاب ذاك فـــذا يـطـيـب

ولـكـنـي سـأقــدح زنـــد فـكــري إلـــى أن يستـبـيـن لـــه لـهـيـب

لأمـدح مـن حـوى غـرر المعـالـي بـعـيــد خـيـالـهـا مــنــه قــريـــب

  • ابن الوردي يتحدى الطاعون بأبيات ثم يموت

وإذا ما عدنا 7 قرون للوراء أيضاً، وتحديداً عام 1349، يذكر الفقيه والأديب عمر المعرّي الكندي المعروف بابن الوردي، في قصيدته عن الطاعون التي اعتبرت من قصائد رثاء النفس؛ إذ توفي بسبب الطاعون بعد يومين من كتابتها فقط!

ولستُ أخاف طاعوناً كغيري

فما هو غير إحدى الحسنيينِ

فإن متُّ، استرحتُ من الأعادي

وإن عشتُ، اشتفتْ أذني وعيني

و لابن الوردي رسالة طريفة وبديعة في طاعون حلب: ( رسالة النبا عن الوبا)، وهي وثيقة تاريخية واجتماعية وإنسانية، كتبها رجلٌ عاش الحدث واكتوى بناره، وراح ضحيته، وقد صوَّر فيها شعراً ما يحدث في أخلاق الناس وسلوكهم عندما يجدون أنفسهم أمام الموت وجهاً لوجه:

فـــهــــذا يُــوصِّي بــــأولادِهِ وهــــذا يودِّعُ جيرانَهُ

وهـــــــــذا يهيِّئُ أشــــــغالَهُ وهــــــذا يُجـهِّزُ أكفانَهُ

وهـــــذا يصالحُ أعـــــداءَهُ وهـــذا يلاطـف إخوانَهُ

وهـــــــذا يُــــــوسِّعُ إنفاقَهُ وهذا يخـــالِلُ مَنْ خـانَهُ

وهــذا يحبِّسُ أمــــلاكَــــهُ وهـــــذا يحــرِّرُ غِلْمانَهُ

وهــــــــــــذا يُغيِّرُ أخـلاقَهُ وهـــــــذا يعيِّـــر ميزانَهُ

ألا إنَّ هذا الوبا قَــــدْ سَبا وَقَدْ كانَ يرسلُ طُـــوفانَهُ

فلا عاصمَ اليومَ من أمره سوى رحمةِ اللهِ سبـــحانَهُ !

و يرى ابن الوردي ايضا: أن الأخطر من فساد الهواء المتسبب في الوباء هو التعلق بالفساد .. فساد الدين والأخلاق:

قالوا فساد الهواء يردي .. فقلت يردي هوى الفساد

كم من سيئات ومن خطايا .. نادى عليكم بها المنادي

  • وأشار إلى ما نظمه الإمام جلال الدين السيوطي، بـ”رسالة في الطاعون” وأن الوباء عقاب من الله فيقول :

أظن الناس بالآثام باءوا .. فكان جزاءهم هذا الوباء

آآجال الورى متقاربات .. بهذا الفصل أم فسد الهواء؟

أم الأفلاك أوجبت اتصالا .. به في الناس قد عاث الفناء؟

أم استعداد نفس قد جفاها .. جميل الطبع و اختلف العدا

  • المتنبي وزائرته الليلية

حتى إن لأبي الطيب المتنبي أبياتاً عن حمى وباء انتشرت في مصر سماها “زائرة الليل”، حيث كانت تشتد في المساء.

إذ أصيب بالحمى وهو على وشك مغادرة مصر عندما كان عمره 45 عاماً، أي في عام 348 هجرية، وهو ما يعني قبل وفاته بنحو 6 سنوات.

وعنها قال:

وزائِرَتي كأنَّ بِها حَياءً فَليسَ تَزورُ إلاّ في الظَلامِ

بَذلتُ لها المَطارِفَ والحشايا فعافَتها وباتَت في عِظامي

يَضيقُ الجلدُ عن نفسي وعنها فتوسِعُهُ بأنواعِ السقامِ

كأنَّ الصُبحَ يَطرُدُها فَتجري مَدامِعُها بأَربعة سِجامِ

أراقبُ وقتَها مِن غَيرِ شَوقٍ مُراقَبَةَ المَشوقِ المُستهامِ

  • من الأصفهاني حتى السيوطي

‏تحدث الشاعر المصري سعد عبد الرحمن، عن أقدم إشارة إلى ظهور وباء الطاعون بأرض العرب في قصيدة من عيون الشعر الجاهلي للشاعر المخضرم أبو ذؤيب الهذلي الذي عاش بالجاهلية والإسلام وتوفي عام 27 هـ .

أن أبو فرج الأصفهاني نقل بكتابه “الأغاني” أبياتا يرثي فيها شاعر آخر أبنائه الستة الذين قضوا بطاعون البصرة عام 131 هـ.

ويقول الشاعر متفجعا عليهم:

وكنت أبا ستة كالبدور قد فقأوا أعين الحاسدينا

فمروا على حادثات الزمان كمر الدراهم بالناقدينا

وحسبك من حادث بامرئ يرى حاسديه له راحمينا

وإشارة إلى ما ورد بكتاب “العقد الفريد”، من أبيات لشبل بن معبد البجلي يرثي، فيها أهل بيته الذين ماتوا جميعا بالطاعون في العراق، وكان كما تخبرنا الأبيات بعيدا عنهم حين داهمهم الوباء فيقول:

متى العهد بالأهل الذين تركتهم .. لهم في فؤادي بالعراق دبيب؟

فما ترك الطاعون من ذي قرابة .. إليه إذا حان الإياب نؤوب

ولفت عبدالرحمن، إلى قول صلاح الدين الصفدي بكتابه “التذكرة” عن طاعون سنة 749 هـ ، الذي اجتاح الشام وفلسطين ومصر ووصل أوربا وسمي بـ “الوباء العظيم“.

قد قلت للطاعون وهو بغزة .. قد جال من قطيا إلى بيروت

أخليت أرض الشام من سكانها .. وحكمت يا طاعون بالطاغوت

وأشار أيضا لشعر جمال الدين بن نباتة، المصري المتوفى سنة 768 هـ ، عن طاعون سنة 749 ھ، الذي تفشى ببلاد الشام وفلسطين وكان حينها مقيما بدمشق، وقوله:

سر بنا عن دمشق يا طالب الغي فما في المقام للمرء رغبة

رخصت أنفس الخلائق بالطاعون فيها فكل نفس بحبة

ونقل عن بدرالدين حسن بن حبيب الحلبي، المتوفى عام 771 هـ ، وصفه الطاعون بأنه يصطفي الأخيار من الناس فيبطش بهم شأن الإنسان الظالم الحسود، بقوله:

إن هذا الطاعون يفتك بالصالح مثل امرئ ظلوم حسود

ويطوف البلاد شرقا و غربا و يسوق الخلوق نحو

ومن هجاء الشاعر إبراهيم المعمار، المتوفى سنة 749 وباء الطاعون الذي أفقده أحبته قائلا:

قبح الطاعون داء .. فقدت فيه الأحبة

رخصت الأنفس فيه .. كل نفس بحبة

  • وكتابات الشعراء الامريكان في وصف الوباء الحديث كوفيد 19

قصيدة: «التنفس البطيء»: إليسيا جو رابينز:

أنا بخير خلال النهار، لكن، أحس بالقلق خلال الليل.

يجعل القلق التنفس صعباً، وهذا واحد من أعراض المرض.

كأنها حلقة مفرغة.

المرض يسبب القلق، والقلق يسبب المرض.

مرحباً صديقي القديم: القلق.

كنت دائماً تقول لي إن الكوارث يمكن أن تحدث.

أنا ورثتك من جدودي الذين أقلقهم الطاعون.

لكنهم صبروا.

وها أنت دخلت «جيناتي»، دخلت حمضي النووي.

وها أنا أحس بالقلق والخوف من الموت.

أرجوك، يا صديقي القلق، أن ترحل عني.

لا أحتاج لك، أحتاج إلى جدودي.

أريد منهم أن يعلموني كيف أصبر.

أريد منهم أن يقولوا لي: نحن نحبك.

أريد منهم أن يقولوا لي: لا تقلقي.

قبل ألف عام، يا أجدادي، صبرتم أمام الطاعون

أريد أن أرث منكم الصبر.

قولوا لي: سيكون كل شيء على ما يرام.

قولوا لي: لا تقلقي.

قولوا لي: تنفسي ببطء.

أنتوني كوريدور: شاعر طبيب، تقاعد مؤخراً من المركز الوطني للرعاية الطبية (سي إم إم إس):

أحس بكآبة (كوفيد-19). كآبة، لا فيروس.

لم يدخل الفيروس رئتي، لكن، دخلت الكآبة مخي.

لا أعرف لماذا. ولا أدري إلى متى.

ولا أحد يدري.

هل سأحتاج إلى اختبار؟

هل سأعود إلى المسارح، ودور السينما؟

هل سأعود إلى قاعات التمرينات الرياضية؟

كم يوماً، وكم أسبوعاً، وكم شهراً، وكم سنة؟

حتى فوتشي (خبير الفيروسات) لا يعرف.

حتى هو أصابته كآبة الفيروس، في مخه، لا في رئتيه.

كلنا، أصابتنا كآبة الفيروس، في أمخاخنا، لا في رئتينا

وانطلاقا من هذه القراءة الموجة يتقصى الباحث إلى إلفات نظر المختصين بشؤون إلى ضرورة تجنيس هذا النمط من التوجهات الأدبية لكونه يبرز الوظيفة الاجتماعية التي اختص بها الأدب بوصفه مؤسسة فاعلة من مؤسسات الإنسان التي ترصد طبيعة حراكه في خضم الظروف الحالكة والخطيرة التي تحيط به لا سيما نطاق الأوبئة منها .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

المؤسسة الثقافية للعلامة الأستاذ الدكتور عبدالحسين حداد

error: