في انتظار من سيسبق أولا.. دورهم في حصص تصفية الدم أم ملك الموت؟

   محمد رامي

إنهم يعيشون بين ظهرانينا، لاننتبه إليهم، ولانحس بمعاناتهم يتساقطون كأوراق الخريف الواحد تلو الآخر نتيجة عجزهم عن أداء المصاريف الباهضة لحصص تصفية الدم. إنهم مرضى القصور الكلوي الذين يرتبط بقائهم على قيد الحياة بآلة تصفية الدم (الدياليز).

أعداد كبير منهم تلقى حتفها بعد مرور شهر واحد فقط من التوقف عن حصص تصفية الكلي، منهم الفقراء والمهنيين والحرفيين الذين لايتوفرون على نظام تأمين عن المرض يضمن لهم حصص تصفية للدم لتفادي تصفيتهم من الحياة فهم أناس يتهددهم الموت في كل لحظة وحين، بعد إحالتهم على لائحة الانتظار، التي يعتبرونها لائحة الموت ..

نتوصل بعشرات طلبات مساعدة لأناس لسبب أو لآخر تعطل عمل كِلْيَتِهِمْ يستجدون الإحسان لإنقادهم من موت محقق أو إنقاذ عزيز عليهم. هنا تعتمد العائلة على نظام التكافل الاجتماعي حيث يقومون بتسديد واجبات حصص التصفية مناصفة بينهم، أو كل حسب دخله الشهري، لكن نظرا لكون الأمر في مثل هذه الحالات يطول ويطول، فغالبا مايضطر البعض إلى توقيف مساهماتهم بعد الانخراط فيها لسنوات ولكن في الأخير يستسلمون للواقع ويتجرعون مرارة رؤية قريبهم، وهو يموت موتا بطيئا، فيكتفون بالقول بأن الأمر قضاء وقدر خاصة في ظل الظروف التي جعلتهم غير قادرين على فعل أي شيء سوى الإنتظار، انتظار دورهم في حصص التصفية ضمن لائحة انتظار طويلة، انتظار أن يرق قلب محسن أو أكثر فيتكفل بالمصاريف أو انتظار أن يزور ملك الموت المريض ليخلد إلى الراحة الأبدية.

في المغرب، يعاني واحد من كل عشرة بالغين من أمراض الكلي، أي حوالي 3 ملايين مغربي من بينهم أطفال، 17000 منهم من يحتاج إلى غسل كلي مزمن ويستفيدون من ذلك في حوالي 200 مركز تصفية الدم، وتسجل تقريبا 1200 حالة جديدة في السنة.

وبحسب آخر الإحصائيات فإن أكثر من 50 % من مرضى الفشل الكلوي بالمغرب، هم مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم، 10 % منهم يعانون من أمراض المناعة الذاتية، في حين يُمثل أصحاب الأمراض الوراثية 4 %.

ويشكل علاج أمراض الكلي عبئا على ميزانية الأسرة، بسبب ارتفاع معدل انتشاره، خاصّة في مراحله المتقّدمة، وهذه الحالة هي الأكثر بروزا لأن 30 % فقط من المصابين بهذا المرض لا يعرفون أنهم مرضى.

عندما يكون المريض في مرحلة متقدمة يوجد خياران للعلاج، إما غسيل الكلي أو الزرع، وكلاهما مُكلّف. حيث أن غسيل الكلي يكلف أكثر بكثير من عملية زرع الكلية اذ يبلغ ثمن الحصة الواحدة حوالي 850 درهم بمعدل 3 جلسات في الاسبوع أي 2550 درهم أسبوعيا، و10200 درهم شهريا و122400 درهم سنويا. أما فيما يتعلق بعملية الزرع، فقد أجريت حوالي 400 عملية في المستشفيات الجامعية المغربية، إلا أن هذه الأرقام ليست مشجعة لصعوبة إجراءات التبرع، وغلاء تكلفة مصاريف المتابعة الطبية بعد الزرع.

الأمر يدعو فعلا إلى القلق وإلى إعادة النظر في وضعية هؤلاء المحكومون بالإعدام، والقابعون في لوائح الإنتظار، في انتظار من سيسبق أولا، دورهم في حصص لتصفية الدم، أم ملك الموت عزرائيل…

error: