زواج المتعلمات، وأثره على تمدرسهن

  • فتح الله بوعزة (°)

يحدث أن تتزوج فتاة ما، وهي في وضعية نظامية تجاه المدرسة، أو في حالة انقطاع عن الدراسة، وتعبر عن رغبتها في استمرار، أو استئناف تمدرسها النظامي بالمؤسسة التعليمية؛ فتمتنع المدرسة، بمجرد علمها بزواجها، عن قبول طلبها، أو ترفض حضورها إلى المؤسسة بوصفها متعلمة متزوجة؛ و تقيدها بشروط أخرى في حالة ما إذا كانت مخطوبة. ويتكرر الأمر نفسه في حالة “انحلال ميثاق الزوجية”، بتعبير مدونة الأسرة.

ويتم تبرير ذلك ـ من غير نص صريح ـ بما تكون عليه المتعلمات المتزوجات، الراشدات، منهن والقاصرات اللواتي أذِنَ لهن القاضي بالزواج (الفصل 20 من المدونة) من أحوال “المظهر المختلف”، والمزاوجة بين الدراسة، وأعباء رعاية الأسرة، وتحديد هوية “ولي الأمر”؛ وكذا ظروف الحمل، والرضاعة، وما يستلزم ذلك من ترخيص بالغياب في الحصص الدراسية، وفروض المراقبة المستمرة، والامتحانات الدورية، وغيرها، مما يحدث في الجامعة المغربية، دون أن يثار في وجه “الطالبات” إمكان الحرمان من الدراسة، وهن في عمر “المتعلمات” بالثانوي، أو أقرب إليه.

تطرح هذه الوضعية ـ وهي حقيقية لا افتراضية، وإن لم تبلغ مستوى الظاهرة ـ عددا من الأسئلة الشائكة عن الأَسْنادِ، والموانعِ القانونيةِ، والتربويةِ التي تحول بين المتعلمات المتزوجات، أو المطلقات، واستمرار تمدرسهن؛ وما إذا كان وضعا عاما على الصعيد الوطني، أم خاصا بالمدن والقرى الصغيرة التي يمكن لإدارة المدرسة التعرف ـ بيسر ـ على “الحالة المدنية” للأفراد بها، من “مصادرها الإخبارية” ، أو من تصريح المعنية بالأمر، أو نائبها الشرعي، حين تبريرهما لأسباب الانقطاع. وتطرح الوضعية ذاتها ـ بالإضافة إلى مدى شرعية قرار عدم القبول ـ إشكال التعارض بين الحق في التعلم، واستدامته، بشكل عام، والحرمان منهما بسبب الزواج.

من الضروري التذكير، هنا، بأن الإدارة التربوية تستند ـ في رفضها لطلب عودة المتزوجات، أو المطلقات، إلى المدرسة ـ على المذكرة الوزارية رقم 166 الصادرة بتاريخ 30 يوليوز 1983 في موضوع النظام الداخلي للمؤسسات الإعدادية والثانوية، والتي نصت ـ بصريح اللفظ ـ على “عدم قبول “تسجيل التلاميذ المتزوجين”، دون التمييز بين الذكور والإناث؛ وقيدت السماح بمتابعة “التلميذة المخطوبة” دراستها بشرط “التزامها في سلوكها وهيئتها بصفة التلميذة العادية”؛ دون بيان الأسباب الكامنة وراء المنع، أو تقييد السماح بذلك، للمخطوبات بشروط؛ وكذا كيفية التمييز بين العادي، وغير العادي في سلوك “التلميذات”.

من الضروري، التذكير، أيضا بأن السنوات التي تلت إصدار المذكرة سالفة الذكر، شهدت تغيرات كبيرة على مستويات منظومة القيم، والحقوق والواجبات، والتمثل الجمعي للزواج، ووظائف الزوجين داخل الأسرة؛ انعكست إيجابا على تمدرس الفتيات، بشكل خاص.

فقد أصدرت  الوزارة “دليل الحياة المدرسية” ـ نسخة شتنبر 2003، يتضمن “مقترحا للنظام الداخلي للمؤسسات التعليمية”، خاليا من أي إشارة إلى موضوع حرمان الفتيات والفتيان المتزوجين من الدراسة، أو السماح لهم بها. كما صرحت النسخة الثانية منه (غشت 2008) في الحيز الهام الذي خصصته للنظام الداخلي للمؤسسات التعليمية، تحت عنوان: “ضوابط الحياة المدرسية ومرتكزاتها”، باعتماد جملة من المبادئ في صوغه، وبنائه، أهمها “تكريس المواطنة ومبادئ الديمقراطية في ظل احترام الحق والقانون؛ وانسجامه مع المبادئ العامة للتربية وحقوق الإنسان”؛ دون الإشارة ـ من قريب أو بعيد ـ إلى عقوبة الحرمان سالفة الذكر؛ وهو ما يستشف منه أن إقصاء المتعلمين، وحرمانهم من الدراسة بسبب زواجهم لا يمت إلى سلطة “الحق والقانون” بأي صلة تذكر.

وجدير بالذكر أن المذكرة الوزارية رقم137 بتاريخ 04 أكتوبر 2006 نصت ـ بكيفية شمولية ـ على “السماح بالعودة للتلاميذ الذين لم يتجاوز عمرهم 18 سنة، مع إعطاء الأولوية للذين لم يستوفوا بعد سن إلزامية التعليم”، دون تمييز بينهم، على أساس الجنس، أو الوضعيات الاجتماعية، والمدنية للراغبين في استئناف دراستهم، بعد فصل عن الدراسة، أو انقطاع ذاتي.

و يمكن الاستشهاد، أيضا ـ في السياق نفسه ـ بخلو المراسلة الوزارية رقم 20 ـ 0346 الصادرة بتاريخ 5 يونيو 2020 في موضوع “مشروع النظام الداخلي النموذجي لمؤسسات التربية والتعليم العمومي، المتضمن لميثاق التلميذ(ة)” من توجيه الفاعلين التربويين ـ بأي شكل من الأشكال ـ إلى حرمان اليافعين المتزوجين، وإقصائهم من التمدرس..

بل يمكن القول ـ على العكس من ذلك ـ إن تذكير ديباجة المشروع “بالدستور، والخطب الملكية، والاتفاقيات، والمواثيق، والمعاهدات ذات الصلة بالتربية والتكوين، وحقوق الطفل، والمرأة، والإنسان بشكل عام، والقانون الإطار، ومبادئ، ومرتكزات المنظومة التربوية”؛ وتنصيصه على وجوب “إصدار لائحة التلميذات والتلاميذ غير المسجلين، وغير المستوفين لشروط التسجيل، والذين رفض تسجيلهم، مع التعليل، في أجل لا يتعدى أسبوعا من تاريخ انطلاق الدراسة (ص 4)؛ دليل آخر على أن التمدرس، واستدامة التعلم، حقان دستوريان لأبنائنا ذكورا وإناثا، من الواجب على مختلف الفاعلين صونهما، وحمايتهما، وتوسيع مدى الانتفاع بهما، في مختلف مراحل العمر، دون تمييز بينهم بسبب وضعياتهم الصحية، والاجتماعية، والمدنية، أو غيرها؛ والقطع مع مختلف “المضمرات الثقافية والقيمية” السابقة على النصوص القانونية المؤطرة للمجتمع، وتوجهات المنظومة التربوية، وأهدافها.

ومعلوم أن “الأنظمة الداخلية للمؤسسات التعليمية” متأخرة الصدور، نسخت مقتضيات النظام المنصوص عليه سابقا في المذكرة الوزارية رقم 166؛ كما أن التعليل ـ المشار إليه سالفا ـ يعني قيام الإدارة ” بالإفصاح كتابة في صلب هذه القرارات عن الأسباب القانونية والواقعية الداعية إلى اتخاذها” (المادة الأولى من القانون رقم 03.01 بشأن إلزام الإدارات العمومية والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية بتعليل قراراتها الإدارية)؛ ويعتبر انعدامه واحدا من بين مظاهر التجاوز “في استعمال السلطة”، يحق للمتضرر منه ” الطعن فيه أمام الجهة القضائية الإدارية المختصة” (المادة 20 من قانون المحاكم الإدارية).

إن تحصين القرار الإداري، ودمقرطة الولوج إلى المدرسة بعد انقطاع قصير أو طويل، وتأمين استدامة التعلم، مبادرات لا تتطلب تكوينا قانونيا متخصصا، بقدر ما تستدعي إعداد “مرجع قانوني وتربوي” بمثابة “دليل تدبيري موحد” تتقاطع فيه النصوص القانونية ذات الصلة بمشاكل، ومجالات اشتغال المؤسسة التعليمية، بكيفية التقائية؛ واعتماده من لدن الفاعلين التربويين والإداريين في تدبير مختلف الوضعيات الإدارية والتربوية للمتعلمات، والمتعلمين، في انسجام تام مع غايات النظام التربوي، و مخرجاته.

ـــــــــــــــــــــــــ

 (°) فاعل في مجال التربية والتكوين، وشاعر من دواوينه: “طعم الغابة في الحلق”، “قاب كأسين من ريحه”، “أصابع آدم”، “حارس المدائح القديمة”
error: