الوجه العلمي لما بعد – الحداثة

  • ذ. كمال الكوطي (°)

    نحاول في هذه الورقة تقديم صورة عامة عن الدور الذي لعبه العلم الحديث (1) في تشكل ما سمي ب “ما بعد-الحداثة” postmodernisme، وذلك بالانطلاق من الفرضية التالية: إن المعرفة العلمية قد ساهمت، ولازالت تساهم في تشكيل صورة العالم، والذات، والعلاقة ما بينهما على جميع مستويات النشاط البشري (خصوصا منه الغربي) الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية…إلخ. من ثمة، فإن لما بعد-الحداثة، شانها في ذلك شأن الحداثة، مظهرها العلمي، فما هي أبرز سمات هذا المظهر؟ وكيف عملت على “تفكيك” déconstruction الصور الذهنية الناتجة عن الحداثة؟

      وصف “جون فرنسوا ليوتار” (2) Jean-François Lyotard ما بعد-الحداثة قائلا: “إنها مشهد جديد يحط الرحال بروية.” لم يقل عنها حقبة، ولا قال عنها نفيا لحقبة.  إنها انتقال من العالم “كتمثل” représentation، إلى العالم “كمشهد” (أو “كديكور”). فالتمثل يحيل على “ذات متمثلة”، مقابل “موضوع” ماثل أمامها، في مرمى يدها، تتملكه كشيء من “خلقها”؛ أما المشهد فأكثر انفتاحا من حيث هو يضم المشاهد نفسه، كما في عروض الشارع: صباغة ومسرحا وموسيقى…إلخ.

     وصف كهذا لا يحيد كثيرا عما ذهب إليه الفيزيائي “فيرنر هايزنبرغ” (3) Werner Heisenberg حين عنون الفصل السادس من كتابه “الجزء والكل” بعنوان قوي الإيحاء، وهو: “الرحيل نحو أرض جديدة”. لقد شبه هذا الفيزيائي الكبير الانتقال من الفيزياء الكلاسيكية بمفاهيمها، وتصوراتها الأساسية (عن المكان، والزمان، والموقع، والسرعة، والكتلة…إلخ) إلى الفيزياء الحديثة، برحلة “كريستوف كولومبو” من أوروبا إلى أمريكا.

    فكما كان هذا الأخير واعيا بأن المؤن والعتاد التي بحوزته ما كانت لتكفيه إن شاء العودة إلى موطنه، فإن الفيزيائي الحديث ملزم بإعادة مراجعة شاملة لمفاهيم العلم الكلاسيكي، بل والتخلي عنها إن هو أراد إحراز تقدم في فهمه وتفسيره لما استجد من دروس التجربة. لذا فإن ما بعد-الحداثة تعبير عن انتقال من صورة picture عالم إلى أخر، انتقال من أرض “صلبة” إلى أخرى”سائلة”(4). فما هي يا ترى أهم ملامح هذه الصورة؟

      أولى هذه الصور الصلبة جسدتها مقولة “الجوهر” و”الهوية” الملازمة لها. فالتغاير والتعاقب الظاهري ما كان لهما أن يشكلا موضوع تفكيرنا لولا هذا الثبات الذي يتوارى خلفهما. لازمت هذه الصورة الفكر الفلسفي منذ نشأته، بل لازمت بنية لغتنا، من حيث هي لغة “شيئية” langage chosifié، لغة صيغت خلال مسار طويل من التطور للتعبير عن “فعل الفكر” في الواقع. وبما أن الفكر ينحو “بطبيعته” إلى إيقاف المتحرك، موضوعا كان أو ديمومة، فإن بنيته لابد لها أن تعكس الثبات و”تقول” الاستقرار.

     لقد مثل السكون والثبات الحالة المثلى بالنسبة لمفكري اليونان، ولمن جاءوا بعدهم لأنها تلائم تصوراتنا الاعتيادية وحدوسنا المباشرة. ففي عالم تبدو أحداثه خاضعة لنوع من العود الأبدي، يصير من اليسير، بل من المنطقي التفكير بافتراض “الجوهر” و”الهوية”. هذا ما يفسر القرب الوثيق لعلم القدماء (علم الإغريق، وعلم من تلقوا تأثيرهم) من تجاربنا الحسية المألوفة، يكفي استحضار هندسة “إقليدس”، وستاتيكا “أرخميدس”، فرغم ما مثله علمهم هذا من تقدم كبير في فترتهم تلك، إلا أنه ظل  سجين رؤيتهم للكون، ولخصائص الأشياء، وطبيعتها.

     وحتى حين أعاد الفكر العلمي الكلاسيكي، ممثلا في فيزياء “جاليلي” و”نيوتن” النظر في الإرث النظري الإغريقي، بترييضه mathématisation  للطبيعة، بإسقاط الكيفيات وإحلال الكميات محلها،  مساويا بذلك ما بين الحركة والسكون، رافضا أي أولوية أنطولوجية للأخير عن الأولى، فإنه لم يزح نهائيا مفاهيم ومقولات ذلك الإرث.

      يكفي للتدليل على ذلك العودة إلى التعبير الفلسفي عن الفيزياء الكلاسيكية كما جسدته فلسفة “كانط”. حافظ، كما هو معلوم، هذا الأخير على مجمل المقولات الأرسطية، حتى وإن جردها من “التزامها” الانطولوجي بجعلها من صميم “الذات الترسندنتالية”، مستفيدا في ذلك من الثورة الكوبرنيكية: بدل أن تدور الذات حول الموضوع، أضحى هذا الأخير تابعا لها.

      هذه الذات المساوية لنفسها (ثبات هويتها باعتبارها شرط كل معرفة ممكنة، وطابعها الجوهري) خصها “لابلاس” بمكانة متميزة حين أبعد فرضية “الإله” الشهيرة في حواره مع “نابليون بونابرت”، طارحا من الناحية المبدئية تقدم متصاعد تدريجيا نحو تملك “الحقيقة النهائية” vérité ultime للكون، وهو ما توحي به استعارة “مارد لابلاس الخارق” Démon de Laplace.

      هذا الإيمان الراسخ هو ما دفع علماء القرن التاسع عشر إلى الاعتقاد بأنه لم يبقى هناك الكثير لبلوغ ذلك المسعى، مسعى “الحقيقة النهائية” ! ما زكى هذا الاعتقاد وقواه هي تلك النجاحات التي حققتها نظرية “نيوتن” الكونية، ونظرية “ماكسويل” الكهرومغناطيسية، لدرجة لم تبقى معها سوى تفاصيل صغرى ستحسم إن عاجلا أم أجلا، هذا ما ظنه علماء القرن التاسع عشر، لكن ما أغفله هؤلاء هو، كما يقول المثل الألماني،: “أن الشيطان يتوارى خلف التفاصيل”. لقد كانت “جزئية” “الجسم الأسود”، أي التفاعل ما بين المادة والإشعاع، الشيطان نفسه الذي عبد الطريق “لمشهد” “جون-فرنسوا ليوتار” و”رحيل” “فيرنر هايزنبرغ” !

      من المثير أن أغلب الأعمال التي مهدت لتفكيك الحداثة والتأسيس لما بعدها صيغت ما بين أواسط القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فإلى جانب أعمال “ماركس”، “نيتشه” و”فرويد”، اقترح هنا اسم “ماكس بلانك” Max Planck حتى وإن لم يعي حجم ما أفضت إليه معادلته الشهيرة إلا بعد مضي زمن ليس بالقصير(شأنه في ذلك شأن “كوبرنيك”، مع الاختلاف الكبير بين العالمين وهو أن الثاني مات دون أن يعي بأنه قد أحدث ثورة). صحيح أنه قد يبدو غريبا نوعا ما وضع “بلانك” ضمن لائحة من ساهموا في مشروع ما بعد الحداثة، لكن ما يجب الانتباه إليه هو النتائج الفلسفية التي تمخضت عن فكرته “تكميم” تبادلات الطاقة ما بين المادة والإشعاع.

     فالثابت الكوني المعروف باسم “ثابت بلانك” سرعان ما صار كونيا بعد أن تمكن الفيزيائي الفرنسي “لوي دو برويل” Louis de Broglie من تعميمه ليس فقط، كما كان، على الضوء لوحده، بل شمل أيضا عموم المادة، لتكتسب بذلك فيزياء الكوانطا صفة “النظرية الإطار” théorie cadre (كما يسميها “برنار دي سبانيا)، أي النظرية الأساس التي يمكن اعتمادها لتفسير جميع الظواهر: المجهرية منها و الماكروسكوبية، الحية منها وغير الحية.

     لقد نتج عن هذه الفيزياء تفكيك لمقولتي “الهوية” و”الجوهر”: فالنسق الفيزيائي الكوانطي ليس خليطا من الجواهر والخصائص، فهذه الأخيرة، على الأقل بالنسبة للتأويل الارثدوكسي أو تأويل مدرسة “كوبنهاجن” المعمول به عالميا، هي نتاج تفاعل أجهزة قياس مع النسق، فالموضوع قبل هذا التفاعل لا هوية له؛ ذلك لان الحديث عن سرعته وموقعه، طاقته وزمنه هو حديث خال من أي معنى. فالمعنى ليس سابقا وحاضرا باستمرار في إنتظار “ذات منفعلة” تلتقطه، بل هو تفاعل ما بين ما أسميه “بالنص الكوانطي” texte quantique  وما أسميه أيضا “بالذات المؤولة”sujet interprétant .

     إن هذا الانزياح عن المعنى الواحد والأوحد، الذي يعتبر سمة من بين سمات الحداثة، هو ما تعكسه تعدد تأويلات نفس النظرية. فلأول مرة في تاريخ العلم ستحتاج نظرية لتأويل يمكنها من اكتساب دلالة ويمكنها من الكشف عن ما تريد إخبارنا به، وربما هذا ما يعكسه قول الفيزيائي “ريتشارد فينمان” حين قال: “في فيزياء الكوانطا لا نعلم عن ما نتحدث بالضبط”. فالتجربة الواحدة قابلة لقراءات متعددة، ولنماذج نظرية مختلفة، نماذج تصل حد التناقض والتضارب !  وهو ما يعرف لدى الابيستمولوجيين المعاصرين ب “التحديد الأدنى للنظريات من طرف التجربة”.

     يكفي هنا استحضار تجربة الشقين المسماة “بتجربة شقوق يونغ” fentes de Young، والتأويلات المتضاربة التي أفضت إليها. هذه المعطيات، وغيرها كثير، تفسر لنا ما كتبه الفيزيائي و الابيستمولوجي “هيرفي تزفيرن” Hervé Zwirn حين قال:” إن المسعى المتمثل في وضع معيار نهائي يمكن على الأقل من تحديد الخطاب العلمي بالنسبة لكل أنواع الخطابات الأخرى، الميتافيزيقية، واللاهوتية والسحرية، تعترضه عوائق لا يمكن تخطيها.”(5)

     فالخطاب العلمي هو على هذا الأساس خطاب من بين خطابات أخرى، حيث لم تعد الذات تحتل موقعا شبه “الاهي” ، موقعا “لابلاسيا” (نسبة للعالم “لابلاس”) خارج العالم، بقدر ما أضحت “ذاتا محايثة” لموضوعها، مما أفقد العلم سمته المتمثلة في “الموضوعية القوية” objectivité forte ، لتتحول بذلك إلى “موضوعية هشة” (أو بلغة  الفيلسوف والسوسيولوجي “زيجموند باومان” “موضوعية سائلة” ) objectivité forte مميزة لفكر ما بعد-الحداثة (6).

    لقد حل ما أسميه “بالملاحظ المحايث” observateur immanent مكان “الملاحظ الترنسندنتالي”، ملاحظ هو جزء لا يتجزأ من موضوعه، ملاحظ في تفاعل دائم مع الواقع منذ ملايير السنين من التطور البشري؛ إننا جميعا نسبح داخل “حقل كوانطي” champs quantique شبيه بفكرة “الواحد” الافلوطيني Un plotinien، نسيج يجمعنا كذوات-عالم sujets-monde حيث “المركز في كل مكان دون أن يكون في مكان بعينه” (7) كما قال “نيكولاي دو كيوز” Nicolas de Cues .

     مع هذا “الملاحظ المحايث” إذن، سيفقد العقل الحداثي طابعه الكوني ليصير “عقلا سياقيا” raison contextuel رهين شروط، منها يستمد مقولاته ومبادئه. وعليه، أضحى الحديث عن نمط واحد من العقلانية ضرب من الوهم وتكريس لمركزية “عقل غربي” صدر عن مقدمات تخص نشأته وسياقاته النظرية في مختلف أبعادها، تماما كما هو شأن العلم الما بعد-حداثي حيث شروط ومقتضيات التجربة هي ما يحدد شكل الواقع، وما ينتظر من ذاك الواقع.

    إن هذه الاعتبارات، وغيرها لم نشر إليها في هذه الورقة المختصرة، هي ما يجعلنا نقول بأنه إذا كان العلم الكلاسيكي، علم “جاليلي” و”نيوتن”، قد لعب دورا أساسيا في بناء فكرة الحداثة في تجلياتها المختلفة، فإن العلم الحديث، المتمثل في فيزياء الكوانطا، هو ما فعل فعله “السحري” في تفكيك مقولات الحداثة، والتأسيس لما بعد-الحداثة.

    لهذا أكرر ما كتبته في تمهيدي لترجمة كتاب الفيزيائي وفيلسوف العلم “إيتيان كلان” (رحلة قصيرة في عالم الكوانطا): “ما لم نفهم الثورة المفاهيمية التي واكبت حدث ظهور فيزياء الكوانطا، لن نتمكن من فهم عصرنا هذا بتحولاته القيمية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفلسفية و العلمية. إن لم يتم ذلك سنبقى سجناء مفاهيم حداثة منهارة…حداثة نشأت من داخل العلم الكلاسيكي وانهارت بانهياره !

 ـــــــــــــــــ

(°) باحث في فلسفة العلوم

الهوامش

1- نقصد بالعلم الحديث علم القرن 20 و21، في مقابل العلم الكلاسيكي، علم “جاليلي” و”نيوتن” وصولا إلى نسبية “أينشتاين”.

2-Lyotard Jean-François : Le postmoderne expliqué aux enfants, Editions Galilée, 1988.

3-Heisenberg Werner : La partie et le tout , Editions Flammarion, 2016, p,. 129

4-أخدنا هذه الاستعارة من أعمال الفيلسوف و السوسيولوجي “زيجموند باومان”.

5-Zwirn Hervé : Les limites de la connaissances, 2000, Editions Odile Jacob, p,. 46.   

6- أخدنا مفاهيم “الموضوعية القوية” و”الهشة” عن الفيزيائي والفيلسوف الفرنسي “بيرنار دي سبانيا” Bernard d’Espagnat.

7- De Cues Nicolas : La docte Ignorance, Editions Flammarion, Paris, 2013 , p,. 21

 

error: