تَجَلِّيَاتُ اَلْبَرَادِيغْمِ الْحُقُوقِيِّ فِي الشِّعْرِ الْأَمَازِيغِيِّ الْحَدِيثِ بِالْأَطْلَسِ الْمُتَوَسِّطِ

  • محمّد أمحدوك (°)

 دِيوَانُ “إِسْكْسِيوْنْ ݣْ يزْرْفَانْ نْ وفْـﯖانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس أُنْمُوذَجاً

 الْمُلَخَّص:

لمّا كانَ البحثُ السّوسيوأدبيّ معتاداً على دراسة العلاقة بين الشّعر والمجتمع في اتّجاهين متقابلين؛ أوّلهما انعكاس المجتمع في المرآة الشّعريّة، وثانيهما تأثير المجتمع في الإبداع الشّعريّ، فإنّ جانباً من هذا “الانعكاس” اقتضى نوعاً من “الالتزام” لدى الشّاعر الأطلسيّ، بحيث أصبح، مع التّطوّرات الأخيرة، لا يُطلَبُ منه أن يعكس أوضاع مجتمعه وعلاقاته المركّبة فحسب، بل أن يشارك في تكييفه، وأن يصبح جزءاً لا يتجزّأ من كلّ ما يجري فيه من مشاكل وقضايا ومعاركٍ، وأنْ يرصد في قصائده الموضوعات السّياسيّة والإنسانيّة والاجتماعيّة…

ومن ثمّ تأتي أهمّية البحث في هذا الموضوع من كونِه يمثّل جزءاً أصيلاً من الثّقافة الأمازيغيّة الّذي ما يزال يحتاج إلى توسّعٍ وتعمّقٍ على صعيد الدّراسة العلميّة. ولذلك يطمح هذا العمَلُ إلى الكشْف عن بعض المقوّمات الفنّيّة والتّعبيريّة والمصطلحيّة الّتي تميّز فنّ القول الشّعريّ الأمازيغيّ الحديث بمنطقة الأطلس المتوسّط، وفحص بعض الجوانب الّتي يحضرُ فيه البراديغم الحقوقيّ، بوصفه صورةً من هذا الالتزام والانعكاس، وذلك استناداً إلى قراءةٍ فاحصةٍ تستقصي المعاني الّتي اشتملت عليها منتخبات “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـﯖانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس، أي من خلال محيط هذا النّصّ ودواخله في آنٍ واحدٍ.

الكلمات المفاتيح: البراديغم الحقوقيّ – الشّعر الأمازيغيّ الحديث – الأطلس المتوسّط – حقوق الإنسان – ديوان “مُشَاهَدات فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ”.

تقديم:

لا مرية أنّ المتتبّع الحصيفَ للإبداع الأدبيّ الأمازيغيّ بالأطلس المتوسّط، في العقود الأخيرة، سيقف على ديناميّةٍ ملحوظةٍ تتجلّى ملامحُها الكبرى في تنامي الوعي بأهمّية الفعل الإبداعيّ الكتابيّ في الإقلاع باللّغة الأمازيغيّة، وتحقيق التّراكم في مجال النّشر والطّبع لتجاوُز وصمة الشّفويّة المرتبطة به؛ حيث ظهرت في السّنين الأخيرة نخبةٌ من الشّعراء ترى في الكتابة أداةً أساسيّةً لتحديث اللّغة والأدب الأمازيغيّين، باعتبار أنّ فعل الكتابة في الأمازيغيّة يتجاوز كونه مجرّد فعل تدوينٍ أو حفظٍ للموروث إلى كونه فعلاً إنشائيّاً وتثويريّاً لبنيات الثّقافة الأمازيغيّة برمّتها (عصيد، 1992، صفحة 135).

وفي ارتباط الشّعر الأمازيغيّ الأطلسيّ بالبعد الحقوقيّ، يمكن القولُ، على غرار عموم الشّعر، إنّهُ تعبيرٌ صارخٌ عن حقوق الإنسان، سواء من حيث كتابتُه أو قراءتُه، أو ما يعبّر عنه من مضامين فكريّةٍ واجتماعيّةٍ وأخلاقيّةٍ، أو ما يحمله من أساليب إبداعيّةٍ وقوالبَ فنّيّةٍ. حتّى إنّ جلّ التّطوّرات والمحطّات الّتي مرّ بها في المنطقة تمثّلُ تجسيداً ملموساً للتّقاطع السّاطع مع المشكلات والقضايا الحقوقيّة.

ومن هنا تستهدف هذه الدّراسة الوقوف على بعض التّحدّيات والرّهانات الحقوقيّة الكبرى الّتي تواجهها الشّخصيّة الأمازيغيّة الأطلسيّة المعاصرة بأبعادها الوجدانيّة والفكريّة والاجتماعيّة، كما رصدتها الذّائقة الشّعريّة المحليّة، وهي تسعى إلى تجذير إحساسها بالكرامة والحرّية والمساواة والعدالة والممارسة الدّيموقراطيّة، فضلاً عن تعزيز وعي الأمازيغ بحقوقهم، وتمكينهم من تحويل المبادئ العالميّة لحقوق الإنسان إلى وقائع اجتماعيّةٍ واقتصاديّةٍ وثقافيّةٍ… وذلك من خلال رصد بعض الملامح الحقوقيّة الّتي وشمت التّجربة الشّعريّة الأطلسيّة الحديثة، وجعلتها تنهضُ بدورٍ بارزٍ في بلورة براديغم “حُقُوقُ الْإِنْسَان” بالمنطقة، وعبر النّبش في التّجربة الشّعريّة والحقوقيّة للمبدع الأطلسيّ بلعيد بودريس، والإجابة عن الأسئلة الآتية:

  • كيف يتحدّدُ مفهوم الشّعر الأمازيغيّ الحديث بالأطلسِ المتوسّطِ؟

  • ما أبرزُ خصائص التّجربة الحداثيّة في الشّعرِ الأمازيغيِّ الأطلسيّ؟

  • كيف يتجَلّى البرَاديغْم الحقوقيّ في هذه التّجربة الشّعريّة مناصيّاً ونصّياً؟

  • اَلْمُوَجِّهَاتُ الْمَفهومِيَّةُ لِلدِّرَاسَةِ

لَمّا كانت “المُصطلحَات مَفاتيح العُلوم” (السّكاكي، 2000، صفحة 150)، وكانت المفاهيم فناراتٍ ترشدُ إلى المقاصد والغايات، سنحَاول تَحديد ثلاثة مفاهيم محوريّةٍ تتأسّس عليها بنية هذه الدّراسة. وترتبطُ أساساً بمجالها “الأطلس المتوسّط”، بتنوّعه الطّبيعيّ والسّكانيّ، وموضوعها “حُقُوق الإنسان” بامتداداته القانونيّة والأخلاقيّة والسّياسيّة…، وتيّارها الأدبيّ “الشّعر الأمازيغيّ الحديث”، بكلّ الغموضِ الّذي يلفّه، والّذي يعود، في جانبٍ كبيرٍ منه، إلى زمن ظهوره وإلى الخَلْط بين مصطلحاتٍ كثيرةٍ تحيل عموماً على القصيد الأمازيغيّ، باعتبارها دوالّ مدلولٍ واحدٍ، مثل: “أَمَارْڴ” و”أَوَالْ” و”تَامْدْيَازْتْ”… الأمر الّذي يفترض توضيحها وتحديدها دلاليّا ومُصطلحيًّا، واستيفاء جميع معالمِها وتفاصيلها. وسنقوم، بداية، باستكشاف ملامح من حقيقتهما الدّلاليّة، كما بسطتها بعض المعجمات والدّراسات المتخصّصة.

  • مَفْهُومُ الْأَطْلَسِ الْمُتَوَسِّطِ

الأطلس المتوسّط منطقةٌ جبليّةٌ وسط المغرب، سمّيت كذلك لارتفاعها وموقعها. تضمّ حواليْ خُمس المساحة الجبليّة بالبلد وخُمس ساكنة الجبال بكثافة سكّانيّة معدّلها 47 نسمة / كم2. وتشملُ عدداً كبيراً من الأقاليم والعمالات، منها خنيفرة، والحاجب، وصفرو، وإفران، وبولمان، وتازة… وتمتدّ من الشّمال الشّرقيّ إلى الجنوب الغربيّ على مسافة 250 كم، وعلى مساحة تقدّر ب 40000كم2. مناخها شبه رطبٍ، شتاؤه رطبٌ وباردٌ، وكثيراً ما تتساقط بها الثّلوج. تسود الأنشطةُ المرتبطةُ بالغابة وتربية الماشية المرتفعات، بينما توفّر المناطق السّهليّة ظروفاً مواتيةً للرّعي؛ إذ تنتشرُ فيها الشّجيراتُ والحشائش والأعشاب. وأمّا الزّراعات المسقيّة، فتمارس داخل المنخفضات وأودية سبو وأمّ الرّبيع، ومن ثمّ فالمنطقة فلاحيّةٌ نشيطةٌ، لكنّها تعرف أيضاً تحوّلاتٍ عميقةً (بريان و آخرون، 2006، الصفحات 203 – 204).

ويتميّز الأطلس المتوسّط عن الرّيف شمالاً بضعف كثافته السّكانيّة، ويختلفُ عن الأطلس الكبير بكون ساكنته لم تعرف الاستقرار إلّا حديثاً. ورغمّ أنّ طبيعته الجغرافيّة ليست مهمّةً من حيث عدد السّكّان، إلّا أنّها أصبحت اليوم فضاءً أساسيّاً بالنّسبة للاقتصاد الوطنيّ، لأنّها تتوفّر على العديد من الإمكانات الطّبيعيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة الّتي شُرع في توظيفها. لا سيّما أنّ بها مسالك عبورٍ أساسيّةٍ في اتّجاه واحات الجنوب، وكذا بسبب تزايد استثمارات ساكنة المدن. وهو ما جعل جبال الأطلس المتوسّط في السّنين من أكثر الجبال استغلالاً في المغرب (بريان و آخرون، 2006، الصفحات 203 – 204).

  • مَفْهُومُ حُقُوقِ الْإنْسَانِ

    يقع مفهومُ الحقِّ (Right) في اللّغة على عدّة أوجهٍ، منها الثّبوتُ، وصحّةُ القول، والصّدْق، والتّعبير عن المساواة والعدْلِ. وهو اسمٌ من أسماء الله الحسْنى، لما له من عظمةٍ وأهمّيةٍ كبيرةٍ في التّحقيق وتطبيق عدالة السّماء (أنيس، 2011، الصفحات 198 – 199)، قال تعَالى: (ليُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) (سورة يس، آية: 70).

ويطلق الحقُّ اصطلاحاً على مجموع القواعدِ الأساسيّة والمعياريّة الموضُوعة وفقاً للعادات الاجتماعيّة أو النّظريّات الأخلاقيّة أو الأنظمَة القانونيّة السّائدة في المجتمع. وهو بمعنىً آخر جملة المبادئ الاجتماعيّة، أو الأخلاقيّة، أو القانونيّة الّتي تحفظ كيان المجتمعات، وتستند أصولها النّظريّة والوظيفيّة إلى العديد من التّخصّصات العلميّة كالقانون، ونظريّات العدالة، وعلم الأخلاق…

ورغم أنّه يشقّ كثيراً تحديد تعريفٍ جامعٍ مانعٍ لمفهوم “حُقُوق الإنْسَان”، إلّا أنّه يمكن تأطيره من خلال اعتباره خلاصة المبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة الّتي تحدّد لكلّ إنسانٍ ما له وما عليه في المجتمع. وهذه الحقوق أنواعٌ مختلفةٌ كتلك الّتي يولدُ بها الإنسان، مثل: حرّية الاعتقاد والحياة والكرامة والتّفكير…، وكلّها حقوقٌ مكفولةٌ لجميع البشر، ويطلق عليها الحقوقُ الطّبيعيّة، ومجموع العادات والتّقاليد والأعراف الّتي يضعها كلّ مجتمعٍ حسب ثقافته، مثل الحقّ في الشّغل، والحقّ في التّعبير… ويطلق عليها الحقوق الوضعيّة. وتتولّى الحكومات سنّ القوانين الّتي تحدّدها في كلّ دولةٍ، فيما تساهمُ المنظّماتُ الدّوليّة الحقوقيّة، محلّياً ودوليّاً، في الدّفاع عن أوضاع المواطنين وسنّ التّشريعات الّتي تضمن سلامتهم وأمنهم وكرامتهم. 

  • فِي مَفْهُومِ اَلشِّعْرِ الْأَمَازِيغِيِّ الْحَدِيثِ

يُعرفُ الشّعرُ الأمازيغيُّ الحديثُ لدَى الباحثينَ الأمازيغ باصطلاحاتٍ كثيرةٍ، من بينها: “أَمَارْݣْ اتْرَارْ”، و”تَامْدْيَازْتْ تَامَايْنُوتْ”، و”إِزْلَانْ يتْرَارْنْ”، و”أَسْفْرُو اَتْرَارْ”… ويقصد به ذلك الصّنف من الشّعر الّذي ظهر مع الشّعراء الأمازيغ الّذين تأثّروا بالحداثة الشّعريّة العالميّة، بعد دراستهم للآداب والثّقافات الفرنسيّة والإسبانيّة والإنجليزيّة…، واطّلاعهم على قيمها الحضاريّة، ومذاهبها الفكريّة والفلسفيّة، ومدارسها الشّعريّة الواقعيّة والانطباعيّة والرّمزيّة… (أرجدال، 2011، الصفحات 53 – 55). ويمكن من خلال هذه التّجربة الإبداعيّة تلمّس بعض ملامح ظاهرة “المثاقفة الأمازيغيّة” (l’interculturalité amazighe).

ولمّا كانت علاقة الشّعر بالمجتمع علاقةً جدليّةً تفرضُها مقوّمات النّشأة والتّطوّر داخل الوسَط الّذي ينتمي إليه الشّاعر، فقد فرضت التّحوّلات المجتمعيّة المستجدّة ظهور نوعٍ جديدٍ من الالتزام بالأوضاع الاجتماعيّة والسّياسيّة وانصهار الشّاعر في مجتمعه وانشغاله بقضاياه الّتي تعدّ جزءاً من يوميّاته الطّبيعيّة. ولو أنّ هذا المفهوم البسيط للالتزام قديمٌ قدمَ الأدبِ ذاته. ولذلك، كان الشّاعرُ الأمازيغيّ، بحكم موقعه، مدعوّاً إلى متابعة هذه الصّيرورة ومعايشتها وتأريخها.

ولعلّ أبرز ما حرّكه، على الرّغم من وعيه بأهمّية الكتابة لحفظ الأدب الأمازيغيّ وتطويره، التّأكيد على إمكانيّة كتابة الأمازيغيّة، فضلاً عن تجاوُز التّقاليد الشّفويّة المتراكمة؛ إذ تشكّل كتابتها، في حدّ ذاتها، تحديثاً لها. ومن ثمّة يمكن أن يُعَدّ شعره في كثيرٍ من النّصوص تدويناً، بما هو نقلٌ للإبداع الشّفويّ وتسجيل ٌكتابيٌّ له، أكثر ممّا هو كتابةٌ، بوصفها نمطاً إنتاجيّاً أدبيّاً لا يعتمد العفويّة والارتجاليّة والتّلقّي المباشر، بل يستدعي التّوقّف والتّأمّل والقراءة.

وإذا كان “أَمْدْيَازْ الكلاسيكيّ”، الّذي كان يسمّى “بُوغَانِيم” (صاحب القصبة) بالأطلس المتوسّط، يجوب القبائلَ ناظماً الشّعر معرّفا به وبقبيلته، فإنّ “أَمْدْيَاز الحديث” أو “أَنْضَّام” أو “أَنْشَّاد” لم يعد ذلك الشّاعر الجوّال بين مختلف ربوع الوطن، بقدر ما بات ملازماً للمجال الجغرافيّ الّذي ينتمي إليه، مستقرّاً بين أهله ومتفاعلاً معهم. ومن ثمّ بات الشّعر الأمازيغيّ الحديث يحيل على كلّ ما أبدَعَهُ “أَمْدْيَازْ” من كلماتٍ ذات حمولاتٍ ومعانٍ رمزيّةٍ في لحظةٍ معيّنةٍ، ثمّ كتبه ليقرأه غيره، ويستفيد من تجربته الحياتيّة وخبرته الأدبيّة، ولعلّ أبرز ما تميّز به هو انتقاله من الشّفاهَة إلى الكتَابة. ويمكنُ التّأريخُ لبدايته الفعليّة بسنة 1976م، حين أصدر محمد مستاوي ديوانه الفرديّ الأوّل “إسْكْرَافْ” (القيود)، على الرّغم من بعض المبادرات المحتشمة الّتي سبقته، والمتمثّلة في ديواني “أَمَانَارْ” (النّجم السّاطع) الّذي جمعه أحمد العسري أمزال سنة 1968م، و”إيمُوزَّارْ” (الشّلّالات) الّذي أصدرته الجمعيّة المغربيّة للبحث والتّبادل الثّقافيّ سنة 1974م.

وقد شكّل هذا الانتقال نوعاً من التّراجع في اتّخاذ المبادرات من طرف الشّاعر الأمازيغيّ؛ حيث تحرّكت أغلبيّة النّصوص الحداثيّة الأولى ضمن أفق تقليد القديم ومحاكاته؛ ممّا ولّد نصوصاً واضحة الدّلالة، وقائمةً على اجترار موضوعاتٍ اجتماعيّةٍ وتصوّراتٍ “كليشيهاتيّةٍ” كونيّةٍ ترى في الماضي أنموذجاً أخلاقيّاً مفقودًا وفي الحاضر انحطاطاً وتردّياً كبيراً. وقد ترتّب عن ذلك جمود القارئ وعدم شعوره بالتّغيّر الجذريّ أو القطيعة بين ما كتب في بعض هذه القصائد، وما ألفته الأذن لدى الشّعراء الكلاسيكيّين. لا سيّما أنّ الاختلاف ليس واضحاً تماماً إلّا على مستوى المضامين والتّيمات الواقعيّة كمعالجة بعض القضايا الإنسانيّة والثّقافيّة والاجتماعيّة، وفي مقدّمتها القضيّة الأمازيغيّة الّتي بات الوعي المرتبط بها يندرج في إطار خطابٍ حقوقيٍّ ونسقٍ فكريٍّ حداثيٍّ (أوسوس، 2010، صفحة 42).

ولذلك اشتغلت القصيدة الأمازيغيّة الحديثة على توظيف العقل للحدّ من جموح الخيال، فانفتحت على ما تقدّمه القصيدةُ المعاصرةُ من مساحاتٍ أخرى للتّعبير والتّناول، وما تتيحه من تكسيرٍ للأوزان، ولكن ليس بطريقةٍ فجّةٍ مبتذلةٍ. وقد عالجت هذه القصائد بالأطلس المتوسّط موضوعاتٍ مختلفةٍ، مسّت قضايا الإنسان الأطلسيّ، وعبّرت عن التّناقضات الّتي يحفلُ بها واقعُه والأحلام الّتي تُراودُه.    

ويمكنُ تقسيم الشّعر الأمازيغيّ الأطلسيِّ، في هذا الإطار، إلى صنفين: شفويّ ومكتوب، يندرج ضمنهما تصنيفٌ آخر تقليديّ وحديث، غير أنّه يستعصي التّنقّل بين الصّنفين وتحديد زمن الانتقال بسلاسةٍ. وقد تكون فترة ظهور المنشورات الشّعريّة الأولى في المنطقةِ بداية تحديثِ هذا الشّعر، بيدَ أنّ الزّمن الّذي يمكن الاتّفاقُ عليه كإحداثيّةٍ للانتقال الفعليّ هو ظهور ديوان الشّاعر أحمد أوعتيق “أَسْكُّونْ وسَّانْ” سنة 2000م، لتتوالى بعد ذلك الإصدارات: “إِنُوزَارْ” (الْأَمْطَار) سنة 2007م للكبير الغازي، و”إِصْفْضَاوْنْ” (الْمَشَاعِل) سنة 2009م، و”إِسَافّْنْ نْ وكضْرُورْ” (أَنْهَارُ الغُبَارِ) سنة 2016م للمصطفى سرحان، و”إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (نَظَرَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) سنة 2015م لبلعيد بودريس، و”أَنْزكُومْ نْ ومَاتَا” (هَمُّ الْأَغْلَبْيَّةِ) سنة 2020م، و”يُولِي -دْ وَاسّْ” (طَلَعَ النَّهَارُ) سنة 2021م لمحمّد الغاوزلي، و”أَرْ مِي؟” (إِلَى مَتَى؟) سنة 2020م للحاج أمْدْياز…

وبانتقال الشّعر الأطلسيّ من الشّفاهة إلى الكتابة، ارتاد آفاقاً جديدةً، فعبّر بسحنةٍ قانونيّةٍ حقوقيّةٍ عن خصوصيّات البيئة المحليّة، وما تنفتح عليه من إشكالاتٍ سوسيواقتصاديّة وثقافيّةٍ وسياسيّة. وقد كان فيها موضوع حقوق الإنسان حجر الزّاوية ونقطةً مركزيّةً تحفّ بها التّيمات الموضوعاتيّة الأخرى الّتي طرقها الشّعراء الأطلسيّون الحداثيّون. فكيف إذن يتجلّى البراديغم الحقوقيّ في الإبداع الشّعريّ الأطلسيّ الحديث؟ وإلى أيّ حدٍّ استطاع الشّاعر الحداثيّ أن يكون، فعلاً، لسان حال الإنسان الأمازيغيّ المعاصر؟

  • تَجَلِّيَاتُ الْبَرَادِيغْمِ الْحُقُوقِيِّ فِي الشِّعْرِ الْأَمَازِيغِيِّ الْأَطْلَسِيِّ الْحَدِيثِ مِنْ خِلَالِ دِيوَانِ “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس أُنْمُوذَجاً

ندرُسُ في الفقرات الموالية ثلاثة ملامح أساسٍ وسمتْ التّجربة الشّعريّة للمبدع والحقوقيّ الأطلسيّ بلعيد بودريس، وجعلتها تنهض بدورٍ بارزٍ في مساندة الإنسان الأمازيغيّ بالأطلس المتوسّط. وقد وقع اختيارنا على ديوان هذا الشّاعر لما لمسناه فيه من طرائق جديدةٍ في كتابة القصيدة الأمازيغيّة، حيث تستعمل آليّاتٍ مغايرةٍ في إنتاج المعنى. على أنّ ترتيب التّيمات الموضوعاتيّة المعالجة، وصفاً وتحليلاً، خاضعٌ للأهم فالأهمّ، وفق كثافة توظيفها في الدّيوان. 

  • قراءةٌ مَنَاصّيةٌ لِديوَانِ “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣــانْ” (مُشَاهَدَاتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) لِبَلْعِيد بُودْرِيس

     ننطلقُ في تناولنا لهذا الدّيوان من النّص الموازي، أو ما يسمّيه جيرار جينيت (Gérard Genette) بالعَتبات، لأنّه يمثّلُ امتداداً للمضامين الدّاخليّة، ومنفذاً يتيح العبور إليها واقتحامها. لا سيّما أنّ أسئلة الضّفاف والتّخوم الدّاخليّة وفجواتها النّاطقة والصّامتة، ومعطياتها اللّغويّة وغير اللّغويّة الّتي تحيط بالمنتج النّصيّ، وتترابطُ معه بشكلٍ عضويٍّ، جوهريّةٌ ومحايثةٌ لإنتاج المعاني والدّلالات؛ ممّا يستدعي البحث في علاقاتها ووظائفها وقيمها الجماليّة والدّلاليّة والرّمزيّة.

وأوّل ما يستوقفنا من المناصّات العنوان، وقد كتب باللّغتين الأمازيغيّة والعربيّة بخطٍّ مضغوطٍ، وباللّون الأزرق. كما جاءت ترجمته على القياس نفسه والتّوازي ذاته بين صفحتي الغلاف الأماميّة والخلفيّة. وإذا كان اختيار العنوان في التّجربة الشّعريّة الأمازيغيّة الحديثة ليس أمراً بريئاً، بل يروم إلى إبلاغ رسائل معيّنةٍ إلى المتلقّي، فإنّنا نتساءل كيف يشتغل هذا المكوّن الميثانصّيّ بوصفه ميسماً دالّاً على المحتوى الجوهريّ لمتن بلعيد بودريس؟ وإلى أيّ حدٍّ يكثّف مضمونه ويختزل ما فصّله محتواهُ؟

    لعلّ الوظيفةَ الأولى للعنوان “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) هي وظيفة التّسمية، لأنّه يخصّ عموم المتن الّذي جمعه الشّاعر دون غيره. وإذا بحثنا عن سبب اختياره والدّلالات الّتي يتضمّنها، فلا مرية أنّه يشكّل نقطةً أوّليّةً للتّعريف بالنّص والإسهام في فكّ رُمُوزه وإثارة شهيّة القارئ، فهو يندرج في إطار التّشويق (بارث، 1996، صفحة 16)، وليس مجرّد إعلانٍ خارجيٍّ عن ديوانٍ شعريٍّ؛ إنّما هو الجسر المعلّق الّذي يربط القارئ بالنّصّ، أو لنقل إنّه عقدٌ وميثاقٌ غليظٌ يقدّمه الشّاعر للقارئ ويتواطأ معه عليه، بوصفه قيمةً دلاليّةً وشفرةً يستفتح بها الدّيوان، ومن ثمّ يفسّره بها، أو يسائله عنها (أزروال و الحمداوي، 1997، صفحة 50).

    وتأتي عناية بودريس بالعنوان من كونه مفتاحاً قرائيّاً يسهم في كشف مجاله المعرفيّ وطبيعة موضوعه ووسيلةً لإثارة الانتباه. وقد جاء “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـݣـانْ” (مُشَاهَداتٌ فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) في صيغة مركّبٍ إسناديٍّ (جملة اسميّة مبتدؤُها محذوفٌ تقديره هي، و”مُشَاهَدَاتٌ” خبرُها متعلّقٌ بالجار والمجرور “فِي حُقُوقِ”، و”الْإِنْسَانِ” مضافٌ إليه)، زادته التّرجمة الأمازيغيّة بخطّها الجميل البارز إثارةً وتشويقاً.

ولا يفصح العنوان عن دلالاته دفعةً واحدةً، حيث تضطلع عبارة “مُشَاهَدَاتٌ + حُقُوق الْإِنْسَانِ” بوظيفة التّجنيس الأدبيّ للعمل المعروض للقارئ، فترسم له إطاراً تقنيّاً لتلقّي المتن المقترح من الشّاعر، وهو “منتخباتٌ شعوريّةٌ” انتقاها بحسّه المرهف في صورةٍ أشبه ب”ألبوم صُورٍ” مرتبطةٍ بمناسبةٍ أو “تيمةٍ” واحدةٍ هي “حقوق الإنسان”. وليس مصادفة أن يأتي هذا العنوانُ موشّحاً باسم “بلعيد بودريس”، لأنّه يرمي إلى استثمار سلطته المعرفيّة والرّمزيّة لإقناع المتلقّي بجذوره وجدواه. كما يأتي اسمه، بوصفه محدّدا للنّصّ، معرّفاً بقيمته الأدبيّة و”رأسماله الرّمزيّ” حسب تعبير بيير بورديو (Bourdieu (P.)).  

    يقع هذا الدّيوان في واحدةٍ وسبعين (71) صفحةً من القطع المتوسّط، ويتألّف من اثنتين وأربعين (42) قصيدةً تختلف طولاً وقصراً. وقد نشر عن مطبعة المعارف الجديدة بالرّباط سنة 2015م. ويقدّم الشّاعر فيه عملاً متفرّداً، يختلف عمّا قدّمه شعراء الأطلس المتوسّط السّابقون؛ حيثُ كانت معظم التّجارب السّالفة تنزع إلى تقديم علاقة الشّاعر بالشّعر، وتطوّرات تفاعل الشّاعر مع شعره إدراكاً وإبداعاً ونقداً… بينما يستجمعُ ديوان بودريس خبرة الحياة والنّموّ والتّعرّف والاكتشاف، وهي الخبرة الّتي راكمها لعقودٍ طويلةٍ في درب النّضال والدّفاع عن حقوق الإنسانِ، وتحملُ في أحشائها إلماحاتٍ كثيرةٍ تشكّل ذات الشّاعر، فضلاً عن إرهاصاتٍ تخلقُ منه الفنّان والمبدع.

    وتأتي صُورة ظهر الغلَاف، باعتبارها إحدى العتبات الحداثيّة البارزة الّتي تشيرُ إلى الموضوع، وليست مجرّد زخرفةٍ وتنميقٍ أو حذلقةٍ زائدةٍ، بل تدعمُ أفق انتظار القارئ، وتتكاملُ مع بقيّة العتبات لإثارته واستجْلَاب اهتمامه، وهي بذلكَ تعرّفه به وتقرّبه منهُ. فيصيرُ حينها أمام نصٍّ بصريٍّ لا يعتمد على الكلمات والمفاهيم، بل يعتمدُ أشكالاً وألواناً تتناغم في إطار لوحةٍ فنّيةٍ تعبق إيحاءاتٍ ودلالاتٍ ورموزاً؛ فأرضيّةُ الغلاف صحراء قاحلةٌ ترتفعُ منها أيادٍ بألوانٍ مختلفةٍ تستغيثُ نجدةً وتصرخُ ألماً، وتطالبُ بالمساواة، والعدالة، والرّفاهيّة، والسّلام، والخير، والتّقدير… بتنوّعاتٍ خطّيّةٍ ثُلاثيّةِ الأبعَاد: عربيّةٍ ولاتينيّةٍ وتيفيناغ المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة.

وفي شموخٍ وكبرياءٍ، تتسامى وسطَ اللّوحة نخلةٌ رغم قُحُولة الأرض وجفاف التّربة، بما يوحي بوضعيّة اللّغة الأمازيغيّة عموماً، وواقع الإنسان الأمازيغيّ الأطلسيّ خصوصاً، وما يحاك ضدّهُما من مؤامراتٍ ودسائس، وما يعيشَانه من هشاشةٍ وإقصاءِ وتهميشٍ. وبذلك تدعو صورة الغلاف، بطريقةٍ غير مُشفّرةٍ، إلى الإنصات لهذا الإنسان المناضل بطبيعته، والمؤمن بالتّعدّد اللّغويّ والثّقافيّ والسّياسيّ، وهو يلهجُ بكلّ اللّغات الّتي يتواصل بها، وتبقى السَّمَاء الزّرقاء الصّافية وحدها الحارس الحفيظ والقادر على نجدته، وفي ذلك دعوةٌ مباشرةٌ إلى بناء المستقبل بالانفتاح على الماضي واستيعاب خصوصيّات الحاضر ومفارقاته. وقد يكونُ بلعيد بودريس أحسنَ الاختيار بتصديره للدّيوان بهذا المشهد، لأنّ الصّورة تعلق في ذاكرة المتلقّي ومخيّلته، فليس من رأى كمن سمع، وقد قيل في الخبر: يؤخذُ باللّحْظِ ما لا يؤخذُ باللّفْظِ.

وفي السّياق ذاته، تحضر العناوين الدّاخليّة للدّيوان، وهي من المداخل الّتي تجعل القارئ يمسك بالخيوط الأوليّة والأساسيّة لموضوع الإصدار؛ إذ تتضافر مع موادّ الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، باعتبارها موضوعاً غير مطروقٍ صراحةً في الشّعر الأمازيغيّ قديمه وحديثه، إضافةً إلى التّوزيع الطّباعي ونمط الكتابة واللّغة المستعملة، لتعلن في جوهرها عن المضامين الّتي تتضمنها كلّ قصيدةٍ على حدةٍ.

ولا شكّ أنّ نظرةً سريعةً على المتن تشير إلى أنّه حافلٌ بالقصائد الّتي تنهضُ على النّزعة القوميّة والخطاب الجمعيّ المندرج ضمن أبعاد “البراديغم الحقوقيّ”، مثل قصائد: “مَا يْرِيغْ؟” (مَاذَا أُرِيدُ؟)، و”أَيْدَّا نُو دْ تِيدِي” (نَصِيبِي وَالْعَرَق)، و”أَدْرَارْ دْ يزْدَارْ” (الْجَبَلُ وَالْسَّفْحُ)… وننتقي، في هذه الدّراسة، بعضَ الأسطر على شكل “إِزْلَانْ” لاستجلاء مدى حضور البُعد الحقوقيّ فيه، والوقوف على بعض مقوّمات التّجربة الشّعريّة الحداثيّة بمنطقة الأطلس المتوسّط، من حيث مميّزاتها وخصائصها الشّكليّة والمضمونيّة، مع اقتفاء آثار الكلمات والمصطلحات الّتي ترسُمُ الوقائع الحقوقيّة المستجدّة في هذا المنجز الشّعريّ. لأنّ شاعرنا قد يومئ بها في موضعٍ، وقد ينحو إلى التّصريح بها في موضعٍ آخر؛ ولو أنّ الشّعر، في المقام الأوّل، انزياحٌ وإيحاءٌ وإيماءٌ.

  • بَعْضُ مَلَامِحِ الْبَرَادِيغْمِ الْحُقُوقِيِّ فِي قَصَائِدِ “إِسْكْسِيوْنْ ڴ يزْرْفَانْ نْ وفْكانْ” لِبَلْعِيد بُودْرِيس

نقتفي في هذا المقام أثر ثلاثة ملامح كبرى يتجلّى من خلالها الْبَرَادِيغْم الحقوقيّ في الشّعر الأطلسيّ المتوسّطيّ الحديث، استناداً إلى المتن الشّعريّ الّذي يقدّمه بلعيد بودريس في هذا الدّيوان، وتتجسّد هذه الملامح في الحقوق الأوليّة والأساسيّة للإنسان، وهي: الحرّية، والكرامة، والعدالة الاجتماعيّة.

  • اَلْحَقُّ فِي الْحُرِّيَةِ

يعتبرُ الحقّ في الحرّيّة من أهمّ الأسس القضويّة الّتي قامت عليها حركَةُ الشّعر الأمازيغيّ الأطلسيّ عبر العصور. وقد تبوّأت هذه المكانة الرّئيسةَ من شواغل الشّعر الأمازيغيّ عامّةً، وشعر بلعيد بودريس خاصّةً، ليس فقط لأنّها أمّ الحقوقِ الإنسانيّة وباب الحياة الواسع، ولا لأنّ الشّاعر عضوٌ فاعلٌ في منظّمةٍ وطنيّةٍ للدّفاع عن حقوق الإنسان. ولكن لأنّها أيضاً تنهضُ على أكثر من معنىً، وتنفتح على اتّجاهاتٍ مختلفةٍ، وطنيّةٍ وسياسيّةٍ وجماعيّة وفرديّةٍ…

وتنصرف الحرّية بمعناها الوطنيّ في الدّيوان إلى حرّيّة البلاد من ربقة المفسدين والمغرضين، ومن جور الظّلًمة والمستبدّين، ولذلك ربطها الشّاعر بالكرامة، وجعلها لا تكتمل إلّا بوجودها، لأنّ الإنسان لا يستطيع، منطقيّاً، أن يكمّل نفسه، ويرقي أخلاقه، ويصل إلى غاياته إلّا إذا كان حرّاً طليقاً، ولذلك يستهلّ بلعيد منجزه الشّعريّ قائلاً:

تَارْ تِيلْلِّي أُورْ يلِّي ومْـﯖـانْ (لَا مَنْطِقَ دُونَ حُرِّيَة)

أَمْدَانْ، سْ يزْرْفَانْ دْ افْـﯖـانْ (اَلْإِنْسَانُ بِحُقُوقِهِ إِنْسَان) (بودريس، 2015، صفحة 03)

    وقد ساهمَ الشّاعرُ الأمازيغيّ الأطلسيّ، في هذا الإطار، في نَشْر الوعْي السّياسيّ الدّيموقراطيّ. ولمّا كان أوّلَ خيطٍ ينسج في بساط الدّيموقراطيّة هو التّفكير الجدّي في بناء المستقبل، فقد دعا إلى المشاركة الواعية في الفعل الانتخابيّ والوقوف أمام السّياسيّين غير الجدّيّين، لأنّهم سبب ضياع فرص التّقدّم واستمرار الهشاشة وسُوء الأحوال. ومن ثمّةَ تتتابعُ قصائد الدّيوان لتؤكّد على ضرورة أن يكون للإنسان الحقّ في المشَاركة السّياسيّة المسؤولة والموجّهة نحو خدمة المجتمع. يقولُ الشّاعِر:

تَاسْرْتِيتْ، تِيـﯖـاوْتْ نْ يْوْدَانْ (اَلسِّيَاسَةُ شَأْنٌ إِنْسَانِيٌّ)

أَدْ سْتِينْ أَيّنَّا يرَانْ (لِاخْتِيَارِ مَا يُرِيدُونَ)

تَامُونْتْ، تْسّْمْغُورْ أَدَّاڴ (اَلْوَحْدَةُ، تُنَمِّي الشَّجَرَةَ) (بودريس، 2015، صفحة 36)

كما تقتضي الحرية السّياسيّة محاربة مختلف أشكال الفساد الانتخابيّ الّتي تنخر الجسد الأطلسيّ، وتطفئ نور العدالة والكرامة بالمنطقة كالرّشوة والتّزوير وعدم تطبيق القانون… يقول الشّاعر:

أَرْغَانْ أُورِيلِّي ڴ وْسْتَايْ (اَلتَّزْوِيرْ… بَعِيدٌ عَنِ الْاِنْتِخَابَاتْ)

أَسْلْـﯖنْ غِيفْسْ دْ أَحْطَّايْ (اَلْقَانُونُ عَلَيْهَا حَارِسٌ وَرَقِيبٌ)

أَسْـﯖوفْسُو أَمّْ وْكْتْشَاوْ (اَلرَّشْوَةُ كَالدُّودِ)

إِتْشَا يْغْصّْ! إِسّْخْسِي افَاوْ! (نَخَرَ الْعَظْمَ! وَأَخْبَى النُّورَ) (بودريس، 2015، صفحة 36)

وتنصرفُ الحرّيةُ بمعناها الجمَاعيّ “السِّيَاسِيّ” إلى حرّية الانتمَاء العقَديّ والاختيار الإيديولوجيّ وحرّية الرّأي والتّنظيم، واختيار الحاكم ونظام الحكم. وقد تكون هذه الحرّية هي الّتي حظيت بالحضور الأعظم في نُصُوص هذا الدّيوان، نظراً لحساسيّتها بالنّسبة للإنسَان الأمازيغيّ بالأطلسِ المتوسّطِ، الّذي ما إنْ تحرّر وطنه من وطأة الاستعمار الفرنسيّ، حتّى دخل بعد ذلك في مرحلةٍ جديدةٍ كلّها ميزٌ وحرمانٌ واستبدادٌ وإقصاءٌ وتهميشٌ. وبذلكَ لم تكن الحرّيةُ لتتحقّق عنده الّا بالعلم والعمل والجدّ ومسيرةٍ طويلةٍ من الكفاح والنّضال. وانطلاقاً من كون الحقّ هو المحدّد الأوّل والمعادل الموضوعيّ للإنسان، يؤسّسُ بلعيد بودريس لكوجيطو ثقافيٍّ جديدٍ: “أنا لديّ حقوقٌ… إذَنْ أنا موجودٌ”:

أَبْرِيدْ نْ تِيدْتْ يْغزِّيفْ (دَرْبُ الْحَقِيقَةِ طَوِيلٌ)

دُّو-تْ أَسُوريفْ سْ وسُورِيفْ (مُرَّ بِهِ خُطْوَةً خُطْوَةً)

رْزْمْ أَنْلِي، أَدْ تَافْدْ تَاوْنْـﯖِـيمْتْ (أَطْلِقِ الْعِنَانَ لِعَقْلِكَ، تَجِدِ الْأَفْكَار)

دَا تزّو ڴ وَمَاضَالْ تُولُّوغْتْ دْ تَاغْدْمْتْ (تَغْرِسُ فِي الْعَالَمِ الْخَيْرِ وَالْحَقّ)

سْكِّيوْسْ سْ وَانْلِي ڴ يمَالْ نْ وفْـڴـانْ (أَبْصِرْ بِعَقْلِكَ مُسْتَقْبَلَ الْإِنْسَان)

أَدْ تَافْدْ: أُورْ يلِّي وفْـﯖَـانْ وَارْ يزْرْفَانْ (تَجِدُ: لَا وُجُودَ لِإِنْسَانٍ بِدُونِ حُقُوق) (بودريس، 2015، صفحة 08)

لقد تحرّر الوطنُ، لكنّ “حرّية الإنسان الأمازيغيّ الأطلسيّ” في الفكر والاعتقاد والإبداع والتّعبير بقيت حلماً معلّقاً يرفرف في سمائه. ولذلك انطلق يحتجّ وهو يستغيثُ ويصرُخُ بملء فيهِ قائلاً:

أَيَاغْنْ! أَيَاغْنْ! سْ وَاوَالْ كْسّْنْ اسْ الّْنْ (وَا مُصِيبَتَاهُ! وَا مُصِيبَتَاهُ! بِالْكَلَامِ فَقَأُوا لَهُ الْعَيْنَيْنِ) (بودريس، 2015، صفحة 38)

ومن ثمّةَ انخرط بودريس في الخطّ الشّعريّ الّذي ينشد الحرّية ويندّد بالسّجن والسّجّان، ويستشرفُ الغد المشرق، فدعا في قصيدة “إِوَالِيوْنْ دْ يفَادّْنْ” (الْكَلِمَاتُ وَالرُّكَبُ) لإعمال العقل والتّضحية من أجل حرّية التّعبير وكسرِ قيود الظّلم والاضطهاد:

سْ كْرَا نْ يوَالِيوْنْ قّْنّْ غِيفْسْ يبْرْدَانْ (ببضع كَلِمَاتٍ، قَطَعُوا عَنْهُ السُّبُل)

أَيَاتْبِيرْ نّا يُوسِينْ انْزْڴـومْ نْ تِيفَاوْتْ! (يَا حَمَامُ، يَا حَامِلاً همَّ النُّور)

أَدَّايْ تْرْزْضْ يسْكْرَافَ يْ تْنْكْلَاوْتْ (حِينَ تَكْسِرُ قُيُودَ النَّمَاءِ وَالْازْدِهَار)

سْ وَانْلِي، أُورْ سَارْ يُولِي ونْزكُومْ خْفْ تَادَاوْتْ (بِالْعَقْلِ، لَنْ تَنْكَضَ الْهُمُومُ ظَهْرَك) (بودريس، 2015، صفحة 38)

    كما رفض كلّ أشكال التّعسّف والقهر والميز، ورافع من أجل لغته وهويته الثّقافيّة والحضاريّة. فصرف جانباً مهمّاً من شعره إلى الحرّية اللّغويّة وأهمّيتها في التّشكيل الهوياتيّ للإنسان الأطلسيّ؛ طالما أنّها مبعث الشّعور بالوجود، وبها تتفتّح أزهار الحياة كالنّبع الرّقراق، وتتسامق كَشجرة الصّفصاف العالية، وبدونها تتجمّد الدّماء في عروق الحقيقة، ويولدُ المستقبل من رحمٍ مقطوعٍ، وهو أمرٌ محالٌ. يقول الشّاعر:

تُودْرْتْ تَارْ تِيلْلِّي (اَلْحَيَاةُ بِدُونِ حُرِّيَة)

أَمّْ ولْدُونْ خْفّْ وُولْ (كَالرَّصَاصِ عَلَى الْقَلْبِ)

تِيلْلِّي تَارْ تَامَاڴـيتْ (الْحَيَاةُ بِدُونِ هُوِيَّة)

أُورْ تْلِّي… أُورْ تْلُولْ (لَمْ تُوجَدْ… لَمْ تُولَدْ)

تَامَاڴــيتْ تَارْ تُوتْلَايْتْ (اَلْهُوِيّةُ بِدُونِ لُغَة)

أَمّْ وْمْيَا يْسُّولَايْنْ تِيرْسَالْ (كَالْبِنَاءِ بِلَا أُسُسٍ)

تُوتْلَايْتْ تَارْ افْـﯖانْ (اَللُّغَةُ بِدُونِ إِنْسَان)

أَمّْ وَاسْنّاطْ وَارْ انِيمَالْ (كَالْأَمْسِ بِدُونِ غَدٍ) (بودريس، 2015، صفحة 23)

    وتنصرفُ الحرّية بمعناها الفرديّ لدى بودريس إلى حرّية الإنسان في خياراته المعيشيّة والعمليّة والفكريّة. فحضر ضميرُ المتكلّم المفرد في هذه التّجربة الفنّيّة، في مقابل هيمنة ضمير “النّحن” على قصائد المدرسة الشّعريّة الكلاسيكيّة، وإن كان يتّخذُ طابعاً جماعيّاً حينما يتعلّق الأمرُ بموضوعات الهويّةِ والأرضِ واللّغةِ الّتي تعودُ جُذورُها الحقيقيّةُ إلى لحظة ميلاد الإنسان، وبها جميعاً يعي وجوده، ويحقّق سعادته:

أَسّْ نْ تْلَالِيتْ ينُو (يَوْمَ وِلَادَتِي)

ڴ وفُوسْ ڴـانْ ئِيِي تِيدْتْ (فِي يَدِي وَضَعُوا الْحَقِيقَة)

ڴ وَايَّاضْ ڴـانْ ئِيِي تَاغْدْمْتْ (فِي الْأُخْرَى وَضَعُوا الْعَدَالَة)

دْفِّيرْ ئِيِي، مّْغِينْ يزْرْفَانْ (خَلْفِي، نَبَتَتِ الْحُقُوق)

دَاتْ ئِيِي، تْجُوجّْـﯖ تُومْرْتْ (أَمَامِي، ازْدَهَرَتْ السَّعَادَةُ) (بودريس، 2015، الصفحات 3 – 4)

وقد استعمل الشّاعر رمزاً خاصّاً يحيل إلى الحرّية والمستقبل المزهر هو الشّمس، حتّى ينزع نحو الاستمرار في النّضال والمقاومةِ والتّشبّث بالغدِ، ويبلغنا أنّ هذا الغد المنتظر آتٍ أوّلاً وقريبٌ ثانياً، كمَا شروق الشّمس حتميٌّ، ومغيبُها مؤقّتٌ، على الرّغم من الظّلام المنتشر بعد الغروب:

تْجُّوجْـﯖ تِيدْتْ (تُزْهِرُ الْحَقِيقَةُ)

ڴكُو انْسَا أَكْلَالِيضْ (فِي كُلِّ مَكَانٍ مُظْلِمٍ وَكُلِّ الْعَتَمَات)

تْزّْنْزْرْ اسْ تَافُوكْتْ (فَتَشِعُّ شَمْسُهُ)

أُورْ تْكّْولْ ڴ يِيضْ! (غَيْرُ مُكْتَرِثَةٍ بِالْلَّيْلِ) (بودريس، 2015، صفحة 33)

 وتتتابع أسطر القصائد لتؤكّد أنّ الإنسان يجب أن يستشعر مسؤوليّته عن حرّيته، وأنّه لا يمكن أن يتمتّع بهذا النّوع من الحرّية إلّا في أمّةٍ تشبّثتْ بأرضها وعملت على صيانتها ورعايتها. لأنّ من سمات الأمم الرّاقية نماء هذين الشّعورين لدى أفرادها (الشّعور بالحرّية والمسؤوليّة). ولذلك عبّر الشّاعر عن عشقه “الرّهيف” للأرض من خلال تكرار صيغة “نِينِّي ايْلِّي” (نَامِي يَا ابْنَتِي)، الّتي تظهر مدى عمقِ مكانتها في فؤاده وكيانه، وما يحرّكه ذكرها في أعماقه من مشاعر عميقةٍ ومتناقضةٍ:

نِينِّي… نِينِّي ايْلِّي! نِينِّي… نِينِّي ايْلِّي! (نَامِي… نَامِي يَا ابْنَتِي! نَامِي… نَامِي يَا ابْنَتِي!)

إٍضَ ادْ، إِضْ ادْ، يْغْزِّيْفْنْ! يْسُولْ وَاسّْ أَدْ يَالِي (هَذَا الْلَّيْلُ، هَذَا الْلَّيْلُ مَهْمَا طَالَ، سَيَطْلُعُ النَّهَارُ) (بودريس، 2015، صفحة 17)

  • اَلْحَقُّ فِي الْكَرَامَةِ

 يتوقّف مفهوم الكرامة عند بلعيد بودريس على مفهوم الحرّية، ويعتبرها أصل كلّ الحقوق؛ إذ لا كرامةَ دون حرّيةٍ، ولا حرّيةَ دون كرامةٍ:

أَدُّورْ ادْ يْـﯖانْ افْكَانْ (اَلْإِنْسَانُ بِالْكَرَامَةِ إِنْسَانْ)

دِيكْسْنْ لَّانْ قَّاحْ يزْرْفَانْ (فِيهَا كُلُّ الْحُقُوق)

نْتَّا أَغْبَالُو نْ أَكّْ يْزْرْفَانْ (وَهيَ نَبْعُ الْحُقُوق)

     زِّيكْسْنْ فّْغْنْ قَّاحْ يْزْرْفَانْ (وَالْأَصْلُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ كُلُّ الْحُقُوقِ) (بودريس، 2015، صفحة 38)

كما أنّ رؤيته الثّوريّة ترفض جذريّاً الواقع بكلّ تمفصلاته الاجتماعيّة والثّقافيّة والاقتصاديّة، وتطلب إعادة بنائه من جديدٍ على أسسٍ مثاليّةٍ، جوهرها الكرامة الإنسانيّة، ومبادئ الشّفافيّة والصّدقَ والنّبل. ويظهر ذلك جليّاً في جلّ قصائد الدّيوان (“أَدْرَارْ دْ يزْدَارْ” (الْجَبَلُ وَالسَّفْحُ)، و”أَيْدَّا ينُو دْ تِيدِي” (نَصِيبِي وَالْعَرَقُ)، و”أَسِيطّنْ” (الْإِحْصَاء)، و”أَرَارَا” (الْجَوَابُ)، و”مَايْ غْيرِي؟” (مَاذَا لَدَيَّ؟)…). كما يبدو واضحاً أيضاً في عدّة مقاطع شعريّةٍ يتداخلُ فيها العمقُ التّاريخيّ والحقوقيُّ مع حالته الوجدانيّة، فيؤكّد أنّ الكرامة والحقّ في العيش الكريم من أهمّ حقوق الإنسان:

كُّو امْدَانْ يْلَا ادُّورْ (لِلْإِنْسَانِ الْحَقُّ فِي الْكَرَامَةِ)

ڴ وْطْرّْحْ، غُورْسْنْ أَمُورْ (فِي اْلعَيْشِ الْكَرِيمِ، لَهُمْ نَصِيب) (بودريس، 2015، صفحة 35)

ولا تكتملُ إنسانيّة الإنسان الأطلسيّ “النّبيل” (أَمَازِيغْ) إلّا بكرامته، فهي البداية عنده، وهي النّهاية، وهي السّليقةُ الطّاهرة الّتي جُبِل عليها، مهما عَلَا صوتُ الظّلم والقهر والاضطهاد. يقول بلعيد:

أَيْلِّيـڴ تْلُولْ يْمَّا (لَمّا وُلِدَتْ أُمِّي)

أَيْلِّيـڴ يْلُولْ بَابَا (لَمّا وُلِدَ أَبِي)

تِيلْلِّي أَيْ زِيكْسْنْ كُّوسَاخْ (اَلْحُرِّيَةُ هِيَ مَا وَرِثْتُهُ عَنْهُمَا)

أَدُّورْ أَيَاتْنْ يْتّْلْنْ (اَلْكَرَامَةُ هِيَ مَا يَحُفُّ بِهِمَا) (بودريس، 2015، صفحة 03)

كما أنّ الصّفات الّتي يتميّز بها “ابن الأطلس” مستمدّةٌ من الأطلس نفسه كالصّمود، والصّلابة، والحيويّة، والتّجذّر، والمواجهة… وكلّها صفاتٌ ارتضعها الإنسانُ الأطلسيّ من بيئته الطّبيعيّة والثّقافيّة، وهي الّتي مكّنتهُ تاريخيّاً من العيش الكريم والاستمرار في الحياة على الرّغم من القوّة التّدميريّة المستمرّة لأيدي الظّلم الممتدّة في كلّ مكانٍ. إذ إنّ انتماء الأطلس إلى حقبةٍ جيولوجيّةٍ سحيقةٍ، ووقوفه الشّامخ على الدّوام، جعلت الزّمن يجبُنُ على تكسيرِ شوكته، لأنّ جذوره ممتدّةٌ في باطن الأرض وعريقةٌ تعود إلى ملايين السّنين، ومن ثمّ لن يتمكّن الظّلم من زعزعتها لدى الإنسان الأطلسيّ أبداً، ما دام مصرّاً على الثّبات، ومؤمناً بقدرته على البقاء صلداً حيويّاً. يقول الشّاعر:

أَسّْ نْ تْلَالِيتْ ينُو (يَوْمَ وِلَادَتِي)

ڴ وفُوسْ ڴـانْ ئِيِي تِيدْتْ (فِي يَدِي وَضَعُوا الْحَقِيقَة)

ڴ وَايَّاضْ ڴـانْ ئِيِي تَاغْدْمْتْ (فِي الْأُخْرَى وَضَعُوا الْعَدَالَة)

دْفِّيرْ ئِيِي، مّْغِينْ يزْرْفَانْ (خَلْفِي، نَبَتَتِ الْحُقُوق)

دَاتْ ئِيِي، تْجُوجّْـﯖ تُومْرْتْ (أَمَامِي، ازْدَهَرَتْ السَّعَادَةُ) (بودريس، 2015، صفحة 03)

ومن الكلمات الّتي تكرّرت في أسطر وقصائد الدّيوان “تِيلَّاسْ” (الظُّلُمَات)، وهي في الثّقافة الأمازيغيّة من رموز الخطر الّتي ينبغي تلافيها والابتعاد عنها. ويتّضح أنّ الغاية من تكرارها إفراغها من “الرّعب” الّذي يكتنفها، وإقناع القارئ بأنّ التّحدّي والمقاومة وبذل النّفس هي السّبيلُ الموصلُ إلى الغاية المنشودة:

تُومُومْتْ -ادْ، يْتَّاوِينْ غْرْ تِيلَّاسْ (اَلنَّحَافَةُ الَّتِي تَقُودُ إِلَى الظُّلُمَاتِ)

تِيلَّاسْ يْزّْعْنْ أَسِيدّْ سْ وَاسّْ (اَلظُّلُمَاتُ الَّتِي طَرَدَتِ النُّورَ فِي النَّهَارِ) (بودريس، 2015، صفحة 28)

والنّضال هو الطّريق المعبّدة لتحقيق الكرامة:

إِسْفْلُولِّيْ وَاقَّايْ نْ تِيدِي، إِزّْعْ أَڴـضْرُورْ (سَقَطَتْ قَطْرَةُ الْعَرَقِ فَانْقَشَعَ الْغُبَارُ)

نْتَّا دْ اسَاكَا، أَبْرِيدْ غْرْ ادُّورْ (هُوَ الْمَمَرُّ وَالطَّرِيقُ إِلَى الْكَرَامَةِ) (بودريس، 2015، صفحة 27)

وبما أنّ العلاقة بين المحبّة والكرامة وثيقةٌ، دعا الشّاعر إلى إحلال العقل في الممارسات السّلوكيّة الاعتياديّة، ونبذ الكراهيّة والجدال:

سِ وَانْلِي أَيْ يُولِي وَانّْ (بِالْعَقْلِ ارْتَقَى هَذَا سُلَّمَ الْمَجْد)

سْ يْغْنَانْ يْتُوتّي وَانّْ (بِالْجِدَالِ انْتَكَصَ الْآخَر)

سْ وكْسَانْ يْمْرّْتْ وَانّْ (بِالْكَرَاهِيَّةِ يُعَانِي ذَاكَ)

سْ تَايْرِي يطْرّْحْ وفْـﯖـانْ (بِالْحُبِّ يَسْعَدُ الْإِنْسَان) (بودريس، 2015، صفحة 09)

لأنّ بمثل هذه المسلكيّات العقلانيّة يمكن ارتقاء سلّم المجد وتشييد صرح الحضارة وبناء المستقبل المزهر، وإشاعة روحِ المحبّة والإخاء بين كلّ أفراد المجتمع، يقول الشّاعر:

سْ وَانْلِي دْ وَاطَّاسْ نْ تَايْرِي (بِالْعَقْلِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحُبِّ)

زّعْنْ زّلْضْ دْ وَاطَّانْ (طَرَدُوا الْفَقْرَ وَالْمَرَضَ) (بودريس، 2015، صفحة 05)

  • الحقّ في الْعَدَالَةِ الْاِجْتِمَاعِيَّةِ

يعدُّ الحقُّ في العدالة الاجتماعيّة على غرار الحقّ في الحرّية والحقّ في الكرامة موضوعاً رئيساً وهمّاً أساساً عبّرت عنه التّجربةُ الشّعريّة الأمازيغيّة الأطلسيّة في السّنوات الأخيرة؛ حيث واكبت به بروز شعارات “المساواة” و”الحرّية” و”التّنمية”… الّتي ما انفكّت ترفعُها مختلف الحركات الاحتجاجيّة في المغرب منذ 2011م. وحيث إنّ العدالة الاجتماعيّة والحرّية السّياسيّة تشكّلان دوماً كفّتي ميزان الأنظمة السّياسيّة والاجتماعيّة، فإنّ غياب أحدهما أو تراجعه، يؤدّي إلى اختلال توازنه.

ولهذا ركّز الشّاعر على ضرورة أن تتوازن الكفّتان، حتّى يعمّ الأمن والأمان، وتشيع أنوار العدالة والرّخاء، ومن ثمّ عَلَا صوتُهُ في قصيدة “أَبْرِيدْ نْ يزْرْفَانْ” (طَرِيقُ الْحُقُوقِ) مندّداً باستفحال ظاهرة الميز العنصريّ الّتي تتهاوى بسببها بيارق الحرّية والعدالة، وتتسامى أعلام القهر والظّلم، وهو يقول: “أَسْنُوحْيُو، نْتَّا أَيْ يْـﯖانْ أَرْوَاسْ” (اَلْمَيْزُ الْعُنْصُرِيُّ أَصْلُ كلّ الْمَشَاكِلِ) (بودريس، 2015، صفحة 35)، لأنّ الحقوق، باختلاف أنماطها، امتدادٌ وجوديٌّ للإنسان. وهي كاليد بالنّسبة للأصابع، يحقّق بها ذاته، ويحصّن نفسهُ تحصين الأشواك للأزهار:

إِيْزْرْفَانْ أَمّْ أُوْلْدْجِيـﯖْ (اَلْحُقُوقُ كَالزُّهُورِ)

مّْغِينْ اسْنْ يْسْنَّانْ! (نَبَتَتْ لَهَا أَشْوَاكٌ كَوَاسِع)

يَانْ يْمّْشْكْشَامْ دْ يَانْ (فَتَدَاخَلَا)

أَمّْ وْفُوسْ دْ يْضُوضَانْ (كَالْيَدِ مَعَ الْأَصَابِع) (بودريس، 2015، صفحة 29)

ولا يقتصرُ غياب العدالة في تصوّر الشّاعر على ظلم السّلطة الحاكمة للمواطنين المحكومين، بل يمتدّ إلى ظلم النّاس بعضهم بعضاً، فيما يمكن تسميته “الظّلم الأهليّ”، ولَوْ أنّه في معظم حالاته وليد “الظّلم السّياسيّ”، وتابع من توابعه. وقد كان هذا المفهوم “الشّامل” للظّلم مفاجأةً لفكر النّخبة السّياسيّة في العقود الأخيرة، تلك الّتي لم يتجاوز مفهوما للظّلم الإطار الضّيّق المعتاد (سالم، 2000، صفحة 26). وبذلك ازدادت شوكة الظّلم إيلاماً، وعظم حجم القهر واليأس، يقول الشّاعر:

ڴــوتْنْ إِيسْنَّانْ يُوكْرْتْنْ أُوْنْزْڴـومْ (كَثِيرَةٌ هِيَ الْأَشْوَاكُ، لَكِنَّ الْهَمَّ أَكْبَرْ)

أَنْزْڴـومْ، يُويْزْرَانْ ڴ ونَامُومْ (اَلْهَمُّ الَّذِي يُؤْلِمُ النَّحِيفَ) (بودريس، 2015، صفحة 28)

وقد نتّفقُ مع الشّاعر في كون العالم يغصّ بالتّناحر والقهر الطّبقيّ، ونقولُ معه إنّ البنية المجتمعيّة تنهض على هيمنة طرف على آخر، والهوّة ما تنفكّ تتّسع بين الغنّيّ والفقير:

سْقْسَاغْ يْوْدَانْ خْفْ وفْـﯖانْ (سَأَلْتُ النَّاسَ عَنِ الْإِنْسَانِ)

إِسْ دْ أَمْزْلُوضْ مَادْ دْ أَبَاغُورْ (أَفَقِيرٌ أَمْ غَنِيٌّ)

نَّانْ يْسُولْ وْمْزَارَايْ أَدْ يْمْغُورْ (قَالُوا مَازَالَ الْفَرْقُ سَيَكْبُرُ)

أَمْزْلُوضْ، أُوْرْ تّْ يِيوِي دِيكْسْ يَانْ! (اَلْفَقِيرُ لَا يَكْتَرِثُ بِهِ أَحَدٌ) (بودريس، 2015، صفحة 10)

غيرَ أنّ هذه الّلّاعدالة السّوسيواقتصاديّة لا تقفُ عقبةً أمام نشدان التّغيير؛ ففي مواجهة قبح العالم و”وحشة اللّيل” وحلكته يبحث الشّاعر المقاوم عن أدوات الصّمود، فيجدها في ارتباط قضيّة الفرد بقضيّة المجتمع، واليوتوبيا، والعلم، والأمل… يقول الشّاعر:

أَسّْ ادْ، يْفُّو سْـﯖ يْضْلِّي، (أَصْبَحَ الْيَوْمُ مِنَ الْأَمْسِ)

سْ وَانْلِي، دَادْ يَاكِي، (وبالْعَقْلِ، سَيَصْحُو)

تْجُّوجْـﯖ تِيدْتْ (وَتُزْهِرُ الْحَقِيقَةُ) (بودريس، 2015، صفحة 33)

ولمّا كان أصل الإنسان واحداً ونهايته واحدة، فإنّ الحلّ الأمثلَ لوقف المآسي والكراهيّة والأحزان، وبناء مجتمعٍ كلّه سعادةٌ ورخاءٌ، يتمثّل في إشاعة المحبّة وإقرارِ الكرامة والمساواة بين الجنسين، يقول بلعيد بودريس:

أَمّْ نْكِّينْ أَمّْ كْمّْ (أَنَا… مِثْلُكِ أَنْتِ)

أَمّْ كْمِّينْ أَمّْ نْكّْ (أَنْتِ… مِثْلِي أَنَا)

أَفْـﯖـانْ – ادْ أَمّْ وَانّْ (هَذَا الْإِنْسَانُ مِثْلُ ذَلِكَ الْإِنْسَان)

سْ يْفَاسّْنْ دْ يضُوضَانْ (بِالْيَدَيْنِ وَالْأَصَابِع)

سْ وَادُّورْ دْ يزْرْفَانْ (بِالْكَرَامَةِ وَالْحُقُوقِ)

سْ تَايْرِي نْ وَادْ تِينّْ وَانّْ (بِحُبِّ هَذَا لِذَاك) (بودريس، 2015، صفحة 09)

وطالما أنّ الحقوقَ هي بحجم السّماء، وليس لها نهاياتٌ تحدُّ من فعاليّتها، فقد انتقد الشّاعر التّراجع الكبير الّذي باتت تعرفه جوانب كثيرة من العدالة الاجتماعيّة وسيادة أشكالٍ مختلفةٍ من القهر والاستبداد، فقال:

إِرْوْلْ سْكْ وْزْكّْرْ، تَاغْدْمْتْ أَيْ دَا يُورزُّو (هَرَبَ مِنَ الظُّلْمِ بَحْثاً عَنِ الْعَدَالَةِ)

إِيزْرْفَانْ دْ يْـﯖنْوَانْ أُوْرْ غُورْسْنْ أَوْتُّو (اَلْحُقُوقُ وَالسَّمَاوَاتَ لَا حَدُودَ لها) (بودريس، 2015، صفحة 13)

وانتقل الشّاعرُ في موضعٍ آخر ليصف حالة العزلة والاغتراب الّتي ما فتئ يعيشُها الإنسان الأطلسيّ بسبب قلّة حيلته واحتلاك واقعه واشتداد اضطهاد ظلّامه، حيث بات يعيش محنةً لا يُوازيها إلّا السّقوط في بئرٍ سحيقةٍ ما لها قرارٌ ولا نورٌ يبددّ ظلامها. لذلك يتمنّى أن يعمّ الضّوء حتّى تتبدّدَ حلكة المحنة، ومن ثمّ ميّز بين مفهوميْ “تِيفَاوْتْ” (النّور) و”أَسِيدّْ” (الضّوء) رغم أنّهما معاً يحيلان سيميائيّاً على الإنارة والخلاص؛ إذ تشكّل “تِيفَاوْتْ” المثال الأقصى بالمعنى الأفلاطونيّ ل”أَسِيدّْ” الّذي يبدّد الظّلام. يقول الشّاعر:

لِّيغْ جَاجْ نْ وَانُو مَايْ -دْ يسِّيلِينْ (أَنَا دَاخِلَ الْبِئْرِ مَنْ سَيَرْفَعُنِي)

أرّبِّي سْبَايْن أَسِيدّْ أَدْ يْـﯖ أَمْ تِيفَاوْتْ (يَا رَبُّ أَظْهِرْ لِي ضَوْءاً يَكُونُ لِي نُوراً)

فقد أضاع الظّالم على الأمازيغيّ طريقه، وأغرقه في الظّلام، لمّا رفض لغته، وصادر حقّها، وجعلها يتيمةً بين أخواتها. ولم يترك له إلّا البكاء والدّعاء، عسى اللّه يشمله بالرّعاية، ويمنحه الأمل في أن تسترجع لغته قيمتها ومجدها المغتصبين. وكلّما تذكّر اللّغة، تذكّر معها الأرض بكلّ رموزها ودلالاتها، بجبالها وسهولها ووديانها، وناسها وعاداتها وأحوالها وتاريخها وتراثها…، وكلّما تذكّر الأرض، تشدّد حديثُهُ في حبّها وموقعها من القلب ومعانيها في الفرح والحزن والحياة والموت، وفي الاستغراق المطلق في عشق ترابها وسمائها. فكانتْ اللّغة هي الأرض، والأرض هي اللّغة؛ ولو أنّ اللّغة الأمازيغيّة، كغيرها من اللّغات، خزّانٌ ثقافيٌّ ومحدّدٌ هوياتيٌّ وظيفتها التّواصلُ والانفتاح على الآخر، يقول بودريس:

تُوْتْلَايِينْ، مْقَادَّانْتْ أَوِينّْ (أَيُّهَا النَّاسُ، الْلُّغَاتُ سَيَّان)

ڴ وْمْسَاوَاضْ، دَاهَا أَمّْ وْرِينّْ (فِي التَّوَاصُلِ، هُنَا كَهُنَاكَ) (بودريس، 2015، صفحة 35)

  • خُلاصَات

يمثّلُ الشّعرُ الأمازيغيّ الأطلسيّ، بأغراضه واصطلاحاته المتعدّدة، تجسيداً لفسيفساء البيئة الأمازيغيّة بتنوّعها وخُصوبتها وعذوبتها، وتعبيراً مباشراً عن تفتّح ذهنيّة الأمازيغ الّتي تنبذُ الرّأي الّذي يحرّم على الفرد حرّيته ويصادر حقوقه. وقد عبّر الشّاعر، تاريخيّاً، عن ذلك بكلّ ما خالج وجدانه أو راود ذاكرته دون تكلّفٍ أو تصنّعٍ أو زيفٍ، وفاءً لرسالته الأدبيّة والفنّيّة، بوصفه ذاكرةً تغني التّراث، وتشكّلُ وعي الجماعة، وتناهض كلّ أشكال الإقصاء والتّهميش. وهو الخطّ التّحريريّ ذاته الّذي سار عليه بلعيد بودريس، ولو أنّه ينساق ضمن التّيار الحداثيّ. ومن بين الخلاصات الّتي توصّلت إليها هذه الدّراسة نذكر:

  • يمثّل هذا المنجز الشّعريّ تجربةً تجديديّةً نوعيّةً وضوءاً باهراً يمتدّ إلى عيوننا مخترقاً حلكة الظّلام الّذي تعيش فيه حركة الشّعر الأمازيغيّ في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخها؛ إذ ما تزال تحبو في خطواتها الحداثيّة الأولى. ويمكن تلمّس هذه الأبعاد التّجديديّة في والنّهل من الدّيناميّة الواسعة الّتي تعرفها الأمازيغيّة على المستوى الوطنيّ والمساهمة في توطين اللّغة المعيار عبر الانفتاح على مختلف اللّهجات، مع الاستفادة من تقنياتٍ تشكيليّةٍ وطبوغرافيّةٍ جديدةٍ في البناء الفنّيّ والإبداعيّ كتطعيم النّص الموزون بمقاطع نثريّةٍ، واستغلال طاقة الرّموز والأمثال الشّعبيّة، وإبراد “هوامش شعريّةٍ” على متن النّصوص وفي أسفلها، فضلاً عن الرّؤى والتّيمَات والموضوعات الّتي يطرحها للنّقاش.

ومن الأمثلة الدّالّة على ذلك مركزيّة “البراديغم الحقوقيّ” في البناء التّصوّري والفكريّ للدّيوان؛ حيث استند إلى فصول الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، ليحيك سجّاداً شعريّاً أمازيغيّاً مزركشاً، مرتكزاً فيه على “الحقوق الأساسيّة”: الحرّيّة والكرامة والعدالة الاجتماعيّة، باعتبارها الأسس الكبرى الّتي يقوم عليها نجاح الأنظمة الاجتماعيّة والسّياسيّة والثّقافيّة الكونيّة؛

  • طُفُوح البعد الحقوقيّ وهيمنته على قصائد الدّيوان. ويعود ذلك إلى جملة أسبابٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ ووجوديّةٍ ترتبطُ ببنية المجتمع الأمازيغيّ الأطلسيّ، كما قد تعود لشعور المبدع نفسه بالغُبن والقهر بسبب الكبت السّياسيّ والظّلم الاجتماعيّ، وما يتّصل بهما من انعدام التّحقّق الفرديّ أو الجماعيّ، وافتقاد الأمن والثّقة بالمستقبل. علماً أنّه عضوٌ نشيطٌ في مؤسّسةٍ حقوقيّةٍ وطنيّةٍ “المنظّمة المغربيّة لحقوق الإنسان” (OMDH) عَايَشَ من خلالها جانباً مهمّاً من التّحدّيات والصّراعات السّياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة الّتي عرفها المجتمع المغربيّ في العقود الثّلاثة الأخيرة.

وبذلك يمكن اعتبار هذا الشّعر وثيقة تمجيدٍ لقيم الحرّية والكرامة والعدالة والمساواة…، وتنديدٍ صريحٍ بأضدادها، لأنّ هذه القيم هي من قلبه وجرحه ومأساته، ما دام أنّ همّه الأوّل هو استغوار نصوص الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان لتجسير العلاقة بين الشّعر بمعناه الإبداعيّ الوجدانيّ والنّصوص القانونيّة بنزعتها الجافّة الجامدة. ولأنّ الحقوق كالسّماء ليس لها حدودٌ، كان الميز أصلَ أغلب المشكلات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثّقافيّة الّتي يشهدها المجتمع الأطلسيّ، وكانت قمّة الظّلم وغياب العدالة حين رفضت وأقصيت لغته.

ولذلك كانت الحرّية من أهمّ القضايا الّتي اشتغلَ عليها هذا الدّيوان، حيث تناولها بمضامينها السّياسيّة والوطنيّة والفرديّة والجماعيّة… فتقرّر لديه أنّها لا تُشترى ولا تباعُ، بلْ تُكتَسَبُ بالجدّ والنّضال، وهي أصيلةٌ في الإنسان الأمازيغيّ الأطلسيّ، وجذورها تعود إلى لحظة ميلاده. ويرتبط الحق في الحرّية لدى الشّاعر بالحقّ في الكرامة، لأنّ الإنسان لا تكتملُ إنسانيّته إلّا بكرامته؛ 

  • التّأكيد على أنّ براديغم حقوق الإنسان ثمرة تفاعل وتواصل بين الحضارات والثّقافات عبر التّاريخ، وحصاد كفاح كافّة الشّعوب، بما فيها الشّعب الأمازيغيّ الأطلسيّ، ضدّ كلّ أشكال الظّلم والاضطهاد، وأنّها ملكٌ للبشريّة جمعاء. ولذلك فإنّ الخصوصيّة الثّقافيّة الّتي ينبغي الاحتفاء بها، باعتبارها حقّاٌ من حقوق الإنسان، هي تلك الّتي ترسّخ شعور الإنسان بالكرامة والحرّية والعدالة الاجتماعيّة، وتعزّز مشاركته في إدارة شؤون بلاده، وتنمّي لديه الإحساس والوعي بوحدة المصير مع الإنسان في كلّ مكانٍ، ولا تتّخذ ذريعةً لتهميش المنطقة وتكريس وضعها المتدنّي، أو إقصائها لاعتباراتٍ ثقافيّةٍ أو عرقيّةٍ أو سياسيّةٍ…

  • تضافر العناصر الإيقاعيّة والفنّيّة مع الأبعاد الموضوعيّة لتزيد المتن الشّعريّ انسيابيّةً و”حُجيّةً” وجدانيّةً؛ حيث خرقت قصائد الدّيوان معايير الشّعر الكلاسيكيّ، وتبنّت معايير أخرى تنتمي لقصيدة “النّثر”، فقدّمت موضوعها في بنيةٍ رمزيّةٍ قائمةٍ على الصّور الذّهنيّة والموسيقيّة النّابعة من طبيعة اللّغة نفسها، وليس من الوزن والقافية فقط، وفي ذلك دعوةٌ ضمنيّةٌ إلى تكسير الرّؤى التّقليديّة المكرّسة للخنوع والخضوع والسّلبيّة وإقرار حرّية التّعبير والتّفكير والإبداع… فانسابت الجمل والكلمات وتوالت في المقاطع الشّعريّة دون فواصل ولا روابط، ممّا خلق لوحاتٍ فنّيّةً ماتعةً وموسيقى داخليّةً متميّزةً تحرّك نفس القارئ أكثر ما تطرب سمعه.

    • التّوْصِيَات

    تأسيساً على ما سبق، توصِي الدّراسة بما يلي:

  • العمل على تجذير قيم حقوق الإنسان في التّقاليد الثّقافيّة المغربيّة، وإزالة كافّة القيود على حرّيات الرّأي والتّعبير، بما يتّسق مع المبادئ الكونيّة لحقوق الإنسان، والعمل على دراسة مكوّنات الثّقافة الشّعبيّة، بما فيها الثّقافة الأمازيغيّة، بهدف التّوصّل إلى الخطاب المناسب لنشر الثّقافة الحقوقيّة، وإنشاء مؤسّساتٍ وطنيّةٍ لتعليمها ونشرها، وتنسيق جهود إنجاز الخطط الوطنيّة بالتّعاون مع منظّمات حقوق الإنسان المحلّيّة والجهويّة والدّوليّة؛

  • تعليم حقوق الإنسان لأنّه السّبيل الموصل لتمكين النّاس من الإلمام بالمعارف الأساسيّة اللّازمة لتحرّرهم من كافّة صور القمع والاضطهاد، وغرس الشّعور بالمسؤوليّة تجاه حقوق الأفراد والمصالح العامّة. لأنّ ثقافة حقوق الإنسان تشمل مجموعة القيم والبنيات الذّهنيّة والسّلوكيّة، والتّراث الثّقافيّ والتّقاليد والأعراف الّتي تنسجم مع المبادئ الحقوقيّة العامّة.

  • وضع خططٍ وطنيّةٍ لتعليم ونشر ثقافة حقوق الإنسان، باعتبار أنّ رفع مستوى وعي الأفراد والمجتمعات هو خطّ الدّفاع الأوّل عن حقوق الإنسان والأوطان، مع العمل على مراجعة وتخصيب مناهج التّعليم بالمضامين الحقوقيّة، وإدراج مادّة “حقوق الإنسان” في مختلف أسلاك التّعليم، وتشجيع القيام بالبحوث الأكاديميّة في هذا المجال؛

  • تضافر الجهود وتهيئة الأسباب الّتي تضع الثّروة الشّعريّة الأطلسيّة في المكانة المرموقة الّتي تستحقّها، وتحقيق نوعٍ من التّراكم لتثبيت أسُسها ومبادئها، وتجاوز وصمة الشّفويّة المرتبطة بها في المنطقة؛ إذ من خلالها يمكن فهم الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسّياسيّة والثّقافيّة لساكنة هذا المجال الجغرافيّ، في الوقت الّذي باتت تعرف فيه السّاحة الأدبيّة الأمازيغيّة ديناميّةً كبيرةً تنامى معها الوعي بأهمّية الفعل الإبداعيّ الشّعريّ الأمازيغيّ؛

  • دعوة الأدباء والمفكّرين والباحثين والسّاسة إلى التّرفّع عن إقحام المحدّدات الثّقافيّة والمجاليّة في علاقاتٍ صراعيّةٍ مع حقوق الإنسان، واعتبار الحقوق المنصوص عليها في الشّرعيّة العالميّة بمثابة الحدّ الأدنى الّذي لا يجوز الانتقاص منه بدعاوى الخصوصيّة الثّقافيّة أو أيّة دعاوى أخرى. والعمل على إبراز جذور حقوق الإنسان في الثّقافة المغربيّة، وإبراز مسَاهمة الثّقافة الأمازيغيّة في إرساء قيمها؛

  • فتح نقاشٍ حقوقيٍّ متعدّد التّخصّصات يواكب الدّيناميّة الواسعة الّتي تعرفها اللّغة الأمازيغيّة بالمغرب في السّنين الأخيرة؛ إذ لا يمكن تصوّر لغةٍ في خضمّ تناميها وتجدّدها دون أن يواكبها، من جهةٍ، أدبٌ متنوّع التّعابير والأجناس، ومن جهةٍ أخرى، احتفاءٌ بالدّارس والمبدع والفنّان وكلّ من يشتغل من أجل خلق نفسٍ جديدٍ يطوّر الذّوق الجماليّ والقول الشّعريّ الأمازيغيّ، لا سيّما أنّ الشّاعرَ الأطلسيَّ يشهدُ نوعاً من التّهميش والعزلة، ولا يلعب إلّا أدواراً فولكلوريّةً موسميّةً لا ترقى إلى مستوى الرّسالة الشّعريّة النّبيلة الّتي يضطلع بها؛

خاتمة

لا مريةَ أنّ العمل الّذي قدّمه بلعيد بودريس سيساهم في محو الصّورة السّلبيّة المرتبطة بفولكلوريّة الشّعر الأمازيغيّ، ويدحض فكرة تقسيم الأعمال الإبداعيّة إلى “مركزيّةٍ” يتعامل معها على أساس أنّها النّموذج والقدوة، وأخرى “هامشيّةٌ” تتناول للتّرفيه والاحتفال والفَلْكْلَرَةِ، ولا تستحضر، بسبب الإهمال الّذي طال الثّقافة الأمازيغيّة، إلّا في الاحتفالات الرّسميّة، والأغاني الشّعبيّة المحليّة، وأنماط الرّقص التّراثيّة؛ حيث يتمّ تغييب وإخفاء الكثير من مظاهرها مقابل عرض ما بقي مشوّهاً مزيّفاً، فتكون النّتيجة “استنزاف ما هو محلّيّ عبر محاصرته واحتوائه وإهماله، وعن طريق غيابه وتغييبه، ونفي ما تبقّى من جدّةٍ وفاعليّةٍ أحياناً، وأحياناً أخرى عن طريق الاستهزاء منه أو تشويهه أو تجريمه أو تحريمه” (جسوس، 1988، صفحة 33).

ويجب الإقرارُ بصعوبة الإحاطة بكلّ خصائص التّجربة الشّعريّة الأطلسيّة الحديثة وتقييمها في مقالٍ واحدٍ، لكن يمكن القول إنّ نتاجها يدخل في سياق التّجديد على مستوى المضمون والتّشكيل وتركيبة النّص. فإذا كانت بعض التّجارب الشّعريّة الأمازيغيّة الحديثة لا تعدو أن تكون نثراً شعريّاً أو شعراً منثوراً أو مجرّد خواطر تسعى إلى تكسير البنية الشّعريّة التّقليديّة، من خلال تغييب المقدّمة الدّينيّة وأبيات حسن التّخلّص والقفلة النّهائيّة، والاقتصار فقط على المتن، فإنّ بعضها قد شقّ طريقه في هذا المجال بثباتٍ.

ولعلّ في التّجربة الإبداعيّة لبلعيد بودريس في ديوان “إِسْكْسِيوْنْ ݣ يزْرْفَانْ نْ وفْـﯖانْ” (مُشَاهَدَات فِي حُقُوقِ الْإِنْسَانِ) مثالاً ساطعاً وأنموذجاً يحتذى في هذا الإطار؛ إذ عمل فيه على النّهل من الدّيناميّة الواسعة الّتي تعرفها الأمازيغيّة على المستوى الوطنيّ (دعم الإبداع والبحث العلميّ، والانفتاح على مختلف اللّهجات، والمساهمة في توطين اللّغة المعيار…)، وعرض تقنياتٍ فنّيّةٍ تشكيليّةٍ وطبوغرافيّةٍ جديدةٍ. كما يتّضح فيه النّفس التّجديديّ على مستوى التّيمات الّتي انكبّ على معالجتها، حيث تناولَ البراديغم الحقوقيّ بتفصيلٍ مجّد فيه قيم الحرّية والكرامة والعدالة الاجتماعيّة، باعتبارها حقوقاً كونيّةً وأصيلةً في الثّقافة الأمازيغيّة.

البيبليوغرافيا:

  • المراجع العربيّة:

  • إبراهيم أنيس وآخرون. (2011). المعجم الوسيط (المجلد 5). (مجمع اللغة العربية، المحرر) القاهرة-مصر: مكتبة الشروق الدّولية.

  • أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السّكاكي. (2000). مفاتيح العلوم. بيروت، لبنان: دار الكتب العلميّة.

  • أحمد عصيد. (1992). هاجس التحديث في النصّ الشّعريّ الأمازيغيّ الحديث. آفاق(1).

  • الحسين مجاهد. (1991). الأدب الأمازيغي بالمغرب. تاسكلا ن تمازيغت: مدخل للأدب الأمازيغي (الصفحات 15 – 85). أكادير: منشورات الجمعية المغربيّة للبحث والتّبادل الثّقافيّ.

  • الحسين مجاهد. (2004). تاريخ الأدب الأمازيغيّ: مدخل نظري. (منشورات المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر) الرّباط: المعارف الجديدة.

  • بلعيد بودريس. (2015). مشاهدات في حقوق الإنسان. الرباط: مطبعة المعارف الجديدة.

  • حلمي سالم. (2000). الحداثة أخت التّسامح: الشّعر العربيّ وحقوق الإنسان. القاهرة، مصر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.

  • رولان بارث. (1996). تحليل نصّي لحكاية القول الفصل في حالة السيد فالدمار لإدغار ألان بو. فضاءات مستقبلية، 2 – 3.

  • فؤاد أزروال، وجميل الحمداوي. (1997). قراءات في الشّعر الأمازيغي بالريف. وجدة: دار النشر الجسور.

  • فؤاد أزروال. (2015). الأدب الأمازيغي المعاصر بالمغرب: مظاهره وقضاياه. (منشورات المعهد الملكيّ للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر)، الرباط، المغرب: دار المعارف الجديدة.

  • فيليب سيرنج. (1992). الرّموز في الفنّ، الأديان، الحياة. (عبد الهادي عباس، المترجمون) دمشق، سوريا: دار دمشق.

  • محمد أرجدال. (21 – 22 دجنبر، 2011). تأمّلات في الشّعر الأمازيغي الحديث. أعمال الندوات، الصفحات 53 – 68.

  • محمّد المسعودي، وبوشتّى ذكيّ. (1999). الشّعر الغنائيّ الأمازيغيّ (الأطلس المتوسّط نموذجاً). طنجة: وكالة شراع لخدمات الإعلام والاتّصال.

  • محمّد أوسوس. (2010). بعض الملامح العامّة للتّجربة الشّعريّة الشّبابيّة الأمازيغيّة الحديثة بسوس. (المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، المحرر) أسيناك، 4 – 5، الصفحات 41 – 54.

  • محمد بريان، وآخرون. (2006). المغرب: مقاربة جديدة في الجغرافيّة الجهويّة. (علي أيت حماد وإدريس البوشاري، المترجمون) الدّار البيضاء: دار طارق للنّشر.

  • محمد جسوس. (1988). ملاحظات حول مكانة الثّقافة الشّعبيّة في تحوّلات المغرب المعاصر. الثّقافة الشّعبيّة بين المحلي والوطنيّ.3، الصفحات 30 – 44. أكادير: منشورات الجامعة الصيفيّة أكادير.

  • محمد شفيق. (1991). المعجم الأمازيغي العربي (المجلد 1). (منشورات أكاديميّة المملكة المغربيّة، المحرر) الرباط: الفن التاّسع.

  • مفتاحة عامر، وآخرون. (2017). المعجم العامّ للّغة الأمازيغيّة (أمازيغيّ – فرنسيّ – عربيّ) (المجلد 13). (منشورات المعهد الملكي للثّقافة الأمازيغيّة، مركز التّهيئة اللّغويّة، سلسلة قواميس ومعاجم، المحرر) الرّباط، المغرب: مطبعة المعارف الجديدة.

  • المراجع باللّغة الأجنبيّة

  • Taifi, M. (1990). Dictionnaire Amazighe du Moyen Atlas. Paris : L’Harmattan.

(°) محمد أمحدوك، أستاذ باحث في الدّراسات الأمازيغيّة، وفي اللّسانيّات وعلوم التربية، من أعماله: “معجم المعاني أمازيغي عربي”، “التواصل في المنظومة التربوية في المغرب”، “النظرية الحقلية والصناعة المعجمية الموضوعاتية”..

error: