“صيادلة الحافلات”.. ورعاية خطاب التجهيل

  • المصطفى فروقي (°)

تشكّل المحطّات الطّرقية في بلادنا فضاء حيّا لمشاهد وسلوكات وأنماط تعبيريّة، شاذّة ، متدفّقة على مدار ساعات العبور كصور مجتمعية تصبح جزءا من ذاكرة كل مسافر يتمتع ولو بنزر يسير من القدرة على التقاط التفاصيل وتخزينها …إنّها صور تبدو، للوهلة الأولى، وسط حركية وتموّج فضاءات المسافرين، باعتبارها دوائر تأهّب لوطأ اْرض الاستقبال أو أرض العودة، وكأنها بلا وقع على مخيّلة وإدراك ومناعة الجماعات التي تتلقّى، متفرقة، بشكل يومي ومتواصل هذا الّزخم من الإرساليات غير أن واقع الحال يؤكّد غير ذلك فأثرها حاصل ومتواصل في أذهان ومدارك الجماعات العابرة

في محطّاتنا الطّرقية تجد كل أصناف” المختبرات ” وقد تم تنزيلها للمراس، حيث بعضها منذور لتنمّية الكفايات في المعجم البذيء وفي السّلوك الوقح و أخرى منخرطة بحماس في تجريب أساليب السبّ الفاحش عبر إلقائها عنوة وجهرا على مسامع العابرين وصنف آخر يشتغل بطموح منقطع النّظير على تطوير صناعات الاحتيال والخداع عبر الترويج لمنتجات “طبية” على شكل مراهم وعقاقير تعالج كل الأمراض، عضوية كانت أو نفسية، ناهيك عن قدرة بعضها العجيبة للتصدّي لآثار أعمال السحر والشعوذة ولتبعات الآلام الغامضة التي تعكّر صفو حياة كثير من النّاس كما يعلن عن ذلك” برنامج عمل” هذا ” المختبر” الذي يعدّ الأكثر أهمية مقارنة ب”المختبرات” الأخرى اعتبارا لحجم آثاره المحتملة على صحة المواطنين .

يختار مروجو هاته “المصّنفات العلاجية”، المجهولة المصدر، وقتا دقيقا لتدخّلاتهم كما ينتقون خطابا واعيا ومدركا لمسالك التوغّل إلى منطقة المخاوف الدّفينة للزّبناء المحتملين، خطاب قد تتغير بعض تمظهراته الشّكلية حسب مستوى جودة الحافلات ومناطق توجّهها ونوعيّة شرائح المسافرين وأعمارهم وأصولهم الاجتماعية ومستواهم التّعليمي كمؤشرات يتمّ تقييمها ضمنيا من طرف المروجين بسرعة بحكم التجربة لتكييفها مع جوهر الخطاب المطبوع، على خلاف شكله، في الغالب بالثّبات . .

بخصوص العنصر الأول وهو المتعلّق بالإطار الّزمني لتدبير عملية إقناع الزّبون فالمتدخل أو البائع يختار الدقائق الأخيرة قبل إقلاع الحافلة، وهي لحظة مطبوعة بالتأهّب والترقّب والانتظار المشوب بأحاسيس غامضة نتيجة الشعور المتضارب الذي يكتنف تلك اللحظة المفصليّة الدّقيقة التي يكون فيها المسافر موزّعا بين عالمين وما قد يفرّقهما من مشاعر وانتظارات لا تسمح بالتّركيز والفحص الجيّد لما قد يقصف به كمتلقي عادي من عروض بقدر ما يكون سهلا للوقوع في فخ الدّعاية الملغومة، رغم الغباوة والهفوات التي تطبع خطاباتها كما يبدو ذلك للمتتبع بإمعان لمنهجية انبنائها.

أمّا العنصر الثاني فهو المتمّم لتصميم شرك الدّعاية والذي يستدرج المستهدفين المحتملين لفخ الاقتناع والمرور بسرعة لاتخاذ قرار الاقتناء للمادة موضوع الدعاية التي يتصورها الزّبون في تلك اللحظة مبعثا للخلاص من أسقامه أومن أحزانه كما يتصورها بديلا لا شعوريّا للحظة عدم الاستقرار التي يعيشها في حياته كما تمثّلها تلك اللحظة المفصلية الكامنة بين التأهب للإقلاع وتحقّقه .

و عموما، فمروجو هاته المواد “العلاجيةيبدون إما بمظهر مناديب تجاريين بما يتميّز به هؤلاء من أناقة للمظهر، وهم يرتدون بدلات عصرية وياقات بألوان مميزة، ومن غزارة للمعلومات وخبرة ميدانية في توظيفها في وقت وجيز حيث يعرفون جيّدا مصدر ما يروّجونه مّدعين أنهم يمثّلون شركة من الشّركات الإنتاجية الموجود مقرّها في مدينة بعيدة، داخل الوطن أو خارجه، وان المنتوج معروف في الصّيدليات وله ضوابطه وطرق استعماله التي تحدّدها الورقة التفصيليّة داخل علبته.

حيث يتم إشهار نموذج من المنتوج بل وتوزيع نظائر على الرّكّاب قصد الاطلاع ليتم تمرير ما بقي من خطّة الاستقطاب في لحظة يكون اهتمام المتلقي فيها موزّعا بين الاطلاع على الوصفة والاستماع لكلامه حيث يدّعي، مثلا، أن أشخاصا موجودين بالحافلة سبق لهم أن جّربوا منتوجه واعترفوا له بجودته ويعبّرون الآن عن استعدادهم لاقتنائه مرة أخرى بكميات مضاعفة وهي اللحظة التي تتم فيها الإشارة للثمن المنخفض للمنتوج مقارنة بثمنه المزعوم في الصيدليات بمبرّر اندراج عملية ترويجه في الفضاء العمومي الشعبيّ في سياق حملة إشهارية استثنائية لتبدأ المنافسة في اقتناء البضاعة المعروضة قبل مغادرة الحافلة وضياع فرصة العلاج .

أما الصّنف الثّاني ل”صيادلة” الحافلات فهم يختلفون في مظهرهم وخطابهم الدعائي عن الشّريحة الأولى كما يختلفون عنهم في وسائل الإقناع ومرجعياته . فأول شيء يميزهم هو لحاهم المنسدلة على صدورهم وشواربهم الحليقة ولباسهم الذي يحيل على مرجعية دينية غريبة ثم نوعية المواد التي يسعون لبيعها وهي في الغالب عقاقير تعالج كل الأمراض المستعصية أو مواد تقليدية للتجميل بإخراج جديد وبتعليب مبتكر، وهي مواد يزعمون في خطابهم أن الرسول والصحابة استعملوها، بل أنهم لا يتورعون عن الإتيان بأحاديث نبوية مزعومة تتحّدث عن عجائب هذا المنتوج.

كما أن بعضهم يشهر أمام ملأ الحافلات كتبا صفراء موضوعها الرئيس المواد المستهدفة مدّعين إنها تتناول بتفصيل معجزاتها وخوارقها الإشفائية، بل قد لا يتورع المتحدث عن دعوة متلقيه إلى البحث في شبكة الانترنيت عن ما كتب عن “منتوجه” القاهر للأمراض ليتأكدوا بأنفسهم أن خاصّيته العلاجية مثبتة بكل البراهين العلمية وكان الشبكة العنكبوتية، مثلها في ذلك مثل أي كتاب، لا يرقى إلى مقامها فضول المتشككين لأنها منزّهة عن الأخطاء والزّيف والادّعاء .

إن هذا النوع من الخطاب الذي يغرف أدواته من حقل القداسة ومن مجال المتخيل الديني لا يترك فرصة للمتلقي العادي للاحتكام لسلطة العقل والمساءلة قبل اتخاذ قرار اقتناء البضاعة المعروضة التي ينساق المتلقي العادي مع فضائلها المزعومة متذّرعا في لا شعوره باقتداء سيرة النّبي وبالسّير على نهج الصّحابة و معلنا بانخراطه ذاك لمناصرته للطبّ البديل كما تقترحه بعض التأويلات المغرضة للمنظومة الدينية،  ضدا على منظومة الكفار العلاجية التي تكلف الكثير، مادّيا ، بدون أن تترك على مستعمليها أثرا ايجابيا يذكر كما يروج لذلك دعاة هذا المنحى التأويلي الذي يجد امتداده لدى هؤلاء الباعة المتجولين   .

وبهذا وذاك تكون محطات المسافرين إحدى الفضاءات المفتوحة على الّدوام في بلادنا على تمجيد التخلّف ومسرحته لتبقى معالمه راسخة في السلوك والأذهان ضدّا على العلم وعلى مؤسساته وحفاظا على ما يميّزنا من مفارقات وتناقضات تكاد تكون عنوانا لنا.

(°) باحث في المجال السوسيوثقافي

error: