حقيقة وجود المرأة في كتاب “الجنس الآخر” لسيمون دي بوفوار

  • لطيفة زهرة المخلوفي

تميزت نافذة “مساواة” بحلقات لطيفة زهرة المخلوفي حول “الأدب النسوي، تجارب ورهانات”، وهي عبارة عن قراءات في أكثر الأعمال النسائية المثيرة للاهتمام والجدل في تناولها السوسيولوجي لقضايا المرأة والجنس والجسد والمجتمع والقيم الموروثة، وذلك بمواقف جريئة تحاول تخطي حواجز الطابوهات والمحرمات والمحظورات بغاية تعميق النقاش حول المفارقات والعوالم المظلمة التي تخفي حقيقة المجتمع وراء الطقوس والتقاليد والأعراف والتصورات والسلوكات السائدة.

ومن بين حلقات “الأدب النسوي” للمخلوفي، كنا قد اخترنا حلقتين تناولتا عملين مغربيين، هما كتاب “البغاء أو الجسد المستباح لمؤلفته الباحثة السوسيولوجية فاطمة الزهراء أزرويل، وكتاب “بلا حشومة، الجنسانية النسائية في المغرب” لمؤلفته الباحثة سمية نعمان جسوس، واليوم نختار حلقة أخرى تتعلق بكتاب “الجنس الآخر” للكاتبة العالمية سيمون دي بوفوار.

أحمد بيضي

شكل كتاب “الجنس الآخر”، الصادر أول مرة باللغة الفرنسية سنة 1949، نقلة نوعية في نقد المجتمع الأبوي، حيث راهنت مؤلفته سيمون دي بوفوار على وصف وتفسير الوضع الدوني للمرأة عبر تاريخ المجتمع البشري، وقد انطلقت من فكرة أن المرأة لا تولد امرأة ولكنها تصبح كذلك فيما بعد، وبنت على هذا التحليل وجهات نظرها وأطروحاتها.

ولتوضيح هذا الأساس أكدت دي بوفوار على أن المقصود به هو كون وجود المرأة ليس حقيقة طبيعية، بل هو افراز لتاريخ معين، ونفت فكرة المصير بيولوجي أو نفسي يعرف المرأة على هذا النحو، فالمرأة كما تراها منتج لتاريخ الحضارة الذي أدت لوضعها الحالي، كما أن لكل امرأة بشكل منفرد تاريخها الشخصي، وعلى وجه التحديد طفولتها التي تشكلها كامرأة فيخلق فيها شيئا هو ليس على الاطلاق فطري أو جوهري، هذا الشيء الذي يطلق عليه الطبيعة الأنثوية أو الأنوثة.

تشير سيمون الى أنه اذا درسنا سيكولوجية الاطفال بعمق أكثر سنلحظ أن الطفلة يتم تجهيزها منذ البدء لتصبح فيما بعد امرأة. وفي سياق تتبع سيمون لمسار صنع المرأة الدمية، وهي العملية التي تتم مباشرتها منذ الولادة، نجد من المفيد في هذا الصدد أن نشير الى كتاب الايطالية “إلين بيولتالمعنون ب : “من ماذا يصنعن الفتيات الصغيرات؟”، والذي استفادت منه سيمون في بلورة تحليلاتها، بحيث ألهمها بأن قبل فترة طويلة من وعي الطفل ترتبط بالطريقة التي يرضع بها ويحمل ويهز… الخ، تنقش في داخله لتكون فيما بعد شخصيته.

وفي معرض الانتقادات التي قوبلت بها اطروحات سيمون، والتي ركز أغلبها على القول بتهميشها للاختلافات البيولوجية القائمة بين الذكور الإناث، اعتبرت الكاتبة أن الاختلافات لها دورها، ولكن التركيز على الاختلافات لا يستقيم الا في ربطها بالسياق الاجتماعي المحيط بها، بحيث أن اضطلاع المرأة بمهام الانجاب والولادة هو احدى طبائع الاختلافات البيولوجية التابثة، غير أنها ليس مبرر للاختلاف في الوضع الاجتماعي (دونية النساء في مقابل هيمنة الرجال)، وليست مبررا للإستغلال والقمع الواقع على النساء، وأشارت سيمون بحزم الى ان هذا الاختلاف البيولوجي اعتمد دوما كذريعة لبناء حالة المؤنث وتسييد وضعية المسيطر عليهن.

وهذه السيطرة والتحكم ليسا عرضيان ، بل هو قديمان ويعودان الى مراحل شح الموارد بحيث لم تكن تكفي الجميع، فكانت في عصور ما قبل التاريخ القوة الفيزيائية مهمة للغاية وأولئك الذين هم اقوى من الاخرين امتلكوا كل الحقوق والسلطة والسيادة الاقتصادية، مثال الصين حيث أن الفقر حينها جعلهم يقتلون الفتيات الرضع، أو يتركن للموت، كما منعت النساء من العمل الفعال.

تؤكد سيمون على أن السيطرة على العمل والموارد مكنت الرجال السيطرة على كل شيء، وفي كل المراحل حاول الرجال الحصول على القوة، استدلت سيمون هنا باستحضارها للعصر الوسيط وعصر النهضة حيث لم تحضى النساء المعالجات الا بقوة قليلة، فرغم معرفتهن بالكثير من العلاجات والأعشاب التي كانت ذات قيمة مهمة تم أخذ هذه المعرفة منهن من قبل الرجال، فتمت مطاردة الساحرات ومعاقبتهن.

وقد تم مرارا إبعاد النساء عن الطب والقوة المتعلقة به في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالقوانين وضعت من طرف الرجال. ومنعت النساء من ممارسة الطب، حيث تم معاقبتهن بالسجن والغرامة، قوقعت النساء في مهام الممرضات، وفرض عليهن دوما العمل كمساعدات أو معاونات، فيما شددت سيمون على أن سعي الرجال المستمر الى ابعاد النساء، لم يقتصر على حظر ممارسة الطب، بل شمل كل مجالات العمل والقوة.

إن كل ما سبق تضعه سيمون كاستدلالات على أن الوضع الحالي للمرأة ليس عرضيا أو طبيعيا يغذي نسق وسيرورة التحكم، فمن خلال سيطرة الرجال على العمل والمواد تمكنوا من السيطرة على كل شيء .

في خضم ما دار حول اتهام الكتاب بالمغالاة، وكون النساء يشاركن في الحياة العامة أكدت سيمون دي بوفوار على أنه اليوم لم يعد ممكنا ابعاد النساء، ولكن توجد قوة تحاول بشدة منعهن في كل مكان، هناك قيود تحرم على النساء الوصول الى مؤهلات معينة أو سلطة محددة، وهناك المرأة الدمية التي يعاد انتاجها بأشكال وأنماط متعددة تدور في فلك معد يصطلحون عليه “الأنوثة“.

  • لطيفة زهرة المخلوفي
error: