سي أحمد صبري.. جوهرة متعددة الألوان وموهبة متفردة في الزمان والمكان

عبد الرحيم الراوي

من منا لا يتذكر الحاج سي أحمد صبري؟ ذلك القلم الرفيع الذي خط في قلوبنا وأذهاننا عبارات المحبة والإخاء، من منا لم يستمتع وهو يقرأ أشعاره ورواياته ومقالاته وتعليقاته الرياضية؟ من منا لا يتذكر ذلك الرجل الذي ألف بين اللحن والكلمة فأطربته، وأقام الصلاة فطهرته، وداعب الكرة المستديرة فأطاعته، وامتهن الصحافة والسياسة فغدرته ورمته؟

لكن حتى وإن اختفت الجبال ولم تعد آثارها تشهد على شموخها، فإن قيمة الرجال تظل راسخة ولن يجرؤ أحد على محوها من الذاكرة، وإن كان سي أحمد صبري غادر المكان “قسرا” الذي أفرغ فيه نصف قرن من الزمن، سيبقى اسمه خالدا في الأرشيف، وفي مؤلفاته الشعرية والروائية، وعلى صفحات المجلدات المرتبة بعناية تامة فوق رفوف جريدة “الاتحاد الاشتراكي”.

الأستاذ أحمد صبري يقبع في قلوبنا، وضعه الصحي اليوم يزعجنا، وإن اختفى عن الأنظار فظله يعيش بين ظهرانينا.. وابتعاده عن أعيننا ليس إلا قرارا شخصيا له مبررات إدارية صرفة، ألمتنا.. لكن كانت خارجة عن إرادتنا.. ربما لم تكن الغاية هو الإقصاء، إلا أن التاريخ لا يفسر النوايا، فقط يترك الحكم لمن يقرأ الثنايا.

 فالمكان يعرف أبناءه حق المعرفة، كيف لا وصاحب “أهداني خوخة فمات” واحد ممن وضعوا أول حجرة لبناء جريدة “الاتحاد الاشتراكي” بزنقة الأمير عبد القادر، وواحد من مؤسسي صحافة الاتحاد وأعمدتها منذ العدد الأول من جريدة “التحرير.”

تلك المؤسسة التي علمتنا كيف نحضن وكيف نمسح الدموع، وكيف نؤمن بالقيم والتضحيات، وكيف نحترم الإنسان ككيان بغض النظر عن صفته أو مركزه الاجتماعي، وبغض النظر عن انتمائه السياسي أو العرقي أو الديني.. تلك المؤسسة التي علمتنا أن الاختلاف رحمة والتسامح نعمة والسكوت حكمة، علمتنا أيضا كيف نحصن ذاكرتنا، وكيف نصير عبيدا لمن علمنا حرفا ولن ننساه.

هو الآن طريح الفراش لا يقوى على النهوض، ولم تعد ذاكرته تقوى على تمييز الأسماء والوجوه، يستعمل فقط كرسيه المتحرك عندما يحتاج إلى التخلص من الفراش ومن بؤس المرض وهو الذي عُرف بخفة الحركة داخل الميادين، وبقوته البدنية وتقنياته المتفردة طالما صفقت لها الجماهير الرياضية طويلا عندما كان يلعب وسط الميدان ضمن فريق “النجم البيضاوي” لكرة القدم وفي “الحياة البيضاوية” بدرب غلف، قبل أن يصبح مسؤولا في مكتبها المسير.

 مارس سي أحمد صبري كرة السلة في خمسينيات القرن العشرين، وكانت واحدة من الرياضات التي استهوته وهو مازال شابا يافعا متعدد المواهب.. تألق في كل أنواع الرياضات.. يبدع فيمتع، لهذا أطلق عليه جيله من أبناء درب غلف لقب “الجن”.

 وبعد أن راكم تجربة الكبار في الميادين، أصبح الحاج صبري مدربا على أعلى مستوى من الاحترافية، فدرب فرقا في القسم الوطني الأول، كنهضة سطات 1977 والمغرب التطواني 1979-1981،ثم مدرب للمنتخب الوطني للشبان، قبل أن يدخل عالم الاحتراف كأول مدرب مغربي محترف صحبة فريق الوحدة السعودي لموسمين.

 كما عمل مسؤولا بالإدارة التقنية لفريق الرجاء البيضاوي، واشتغل كمدير ديوان في وزارة الشباب والرياضة، وبالمناسبة هو من أشرف على الإعداد و التخطيط والبرمجة لألعاب البحر المتوسط بالدار البيضاء سنة 1983، كما تم توشيحه بملعب العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس من قبل الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” والعضو السابق في لجنة الأولمبياد جو هافلانج.

error: