وكيف للمواطن المغربي أن لايكتئب؟

    محمد رامي

قد يبدو الأمر غير معروف للكثيرين، ولكن هناك يوما عالميا للصحة النفسية، يتم تخليده  في 10 أكتوبر من كل سنة. وفي حين يتساءل كثيرون عن الهدف من هذا الموعد، نجد عند قراءة الأرقام التي تتعلق بالصحة النفسية بالمغرب أن الأمر يجب أن يتجاوز تخليد الموعد السنوي، بل القيام بمجهود أكبر للوقوف إلى جانب مغاربة من كل الأعمار وجدوا أنفسهم في دوامة مرض نفسي لسبب أو لآخر.. 

فقد كشف تقرير صادر مؤخرا عن منظمة “بارومتر” العربي، حول الصحة النفسية لمواطني دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، عن إصابة 20 في المائة من المغاربة بمرض الاكتئاب، يتوزعون بين 24 في المائة بالمدن، و17 في المائة في القرى والأرياف.

هذه النسبة من المصابين بالاكتئاب، التي تمثل زهاء ثلث المغاربة، تؤكدها أرقام وزارة الصحة كذلك، التي كشفت في  إحصاءات رسمية سابقة أن 40 في المائة من المغاربة الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاما يعانون إما من أضرار نفسية أو عقلية.

ففي دراسة وطنية أجرتها وزارة الصحة في مجال الصحة النفسية كانت قبل سنوات، وهمت 6 آلاف شخص تفوق أعمارهم 15 سنة، خلصت إلى أن 9 . 48 في المائة من هذه الشريحة عرفت على الأقل اضطرابا عقليا بسيطا كالأرق أو القلق أو التشنج اللاإرادي والاكتئاب وغيرها من الأعراض.

الدراسة التي أشرفت عليها الوزارة ، أشارت إلى أن هذه الأعراض تنتشر بنسبة 5 . 26 في المائة بالنسبة للاكتئاب، و3 . 9 في المائة بالنسبة لاضطرابات القلق، و6 . 5 بالنسبة لاضطرابات نفسية مختلفة أخرى كالإنفصام.

الدراسة ليست الأولى من نوعها في المغرب، فقد سبقتها دراسات من قبل كانت أكثر جرأة في التشخيص، وفي كشف النقاب عن واقع صحي لايحظى بالاهتمام الدولتي ولا المجتمعي، فقد أكدت دراسة أنجزتها وزارة الصحة قبل سنوات، أن نصف المغاربة مصابون بأمراض نفسية واضطرابات عقلية، وواحد من كل أربعة مواطنين مصاب بالاكتئاب، إلى جانب ذلك هناك ثلاثة ملايين مغربي يعانون من القلق المستمر، و300 ألف شخص مريض بانفصام الشخصية (الشيزوفرينيا ).

ألا يحق لنا إذن أن ندق ناقوس الخطر والتحذير من انتشار ظاهرة المرض النفسي بالمغرب؟

الآن على الحكومة و المسؤولين أن يقفوا وجها لوجه أمام الحجم الحقيقي للمشكلة التي تهدد مستقبل المغرب، فالأمر يستدعي إيجاد صيغة مثلى للتعامل مع هذا الوضع وتحقيق وعي جماعي بالظاهرة.

وبحسب مجموعة من المختصين في الطب النفسي، فإن المرض النفسي الأول الذي يعاني منه ربع المغاربة هو الاكتئاب و يحس معه المغاربة بفقدان الحيوية والنشاط، والذاكرة، ولذة الأشياء، وعدم القدرة على التركيز، والإحساس بالوهن، والبطء في الحركة والتفكير، وكذا النسيان والإعياء الشديد والاضطراب في النوم.

فلماذا يصاب المغاربة بالإكتئاب؟

يصنف الاكتئاب ضمن أخطر الأمراض النفسية، ليس باعتباره ذا آثار وعواقب صحية واجتماعية وخيمة فحسب، ولكن لأنه قابل للانتشار وسط الناس بسرعة، علما بأن كل الظروف المشجعة على انتشاره موجودة وتؤثر على الجميع هنا في المغرب.

فكيف للمواطن أن لايكتئب وهو يعيش وضعا معيشيا صعبا بسبب صعوبة الحصول على متطلبات العيش الكريم.

كيف له أن لايكتئب وهو المكبل بعقود الإذعان لمؤسسات الاقتراض التي تمتص أكثر من ثلثي أجرته الشهرية،

كيف له أن لايكتئب وهو يعيش معاناة يومية مع النقل الحضري للوصول إلى عمله ،

كيف له أن لايكتئب و هو يكتوي يوميا بلهيب الأسعار التي تجعله يتخلى عن الكثير من ضروريات متطلبات العيش.

كيف له أن لا يكتئب وهو لايعرف طعم الراحة فلا وجود لعطلة نهاية الأسبوع في قاموسه الشهري.

كيف له أن لايكتئب وهو يعيش أقصى درجات الاحباط في محيط مهني موبوء لا مكان فيه للكفاءة و لا للتكوين ، محيط تسود فيه لغة الولاءات والإكراميات والعلاقات المشبوهة.

كيف له أن لايكتئب وهو يرى حقوقه تضيع أمام أبواب المحاكم.

كيف له أن لايكتئب وهو يعيش وضع الانتظار للحصول على العلاج، أو عليه الرضوخ لمافيات المصحات الخاصة.

كيف له أن لايكتئب وهو يعيش قمة التناقض بين الخطاب الرسمي و الواقع المعيش.

خلاصة القول، كيف له أن لايكتئب وقد بلغ من اليأس درجات يعجز عن تحملها؟

error: