القداسة في الشعر القديم: من المكان إلى المكانة

  • الحسين والمداني (حسام الدين نوالي) (°)
حين انبرى (غاستون باشلار) – بعد عقود من الاشتغال على فلسفة العلوم- للحفر في حقل الشعر والجمال، فإنما كان يقرّ أن المفهوم الرياضي والفلسفي يظلان ناقصين، وأن الشعر والفن قد يجيبان عن أسئلة ما، أو يطرحانها (كما الفلسفة تماما)؛ إذ حتى التعابير الأكثر استنادا إلى “الانتهاك المقولي المعتبر انزياحا”، فإنها تظل منفتحة على الحقيقة، كما يردد بول ريكور”.
لهذا فإن النص الشعري – في ارتكازه على اختراق اللغة التواصلية المحضة وعلى التكسير والانزياح – لابد أن يُشغّل المكان وفق منطقه الخاص سواء في الأحياز والمساحات التي تكون موضوعه -أو وعاءَ موضوعه- أم في ما يثيره من استحضار الأمكنة الخاصة والمقدّسة والشخصية وغيرها.
ففي أقدم الأدبيات المدونة في التاريخ، أنتج الشرق الأدنى القديم النصَّ الشهير (ملحمة جلجامش)، وجلجامش هذا ربّما كان أول فرد يخترق الجماعة، و”يؤثر في منحى تطورها بدل أن يكون انعكاسا لحركتها”، على النحو الذي آلَ إليه مبدعو التشكيل والعمارة والنحت في المراحل المتأخرة كما سبق أن حللناه في مقال سابق.
تنطلق قصيدة جلجاميش الملحمية من مقطع بالغ الدلالة:
“هو الذي رأى كل شيء [إلى تخوم] الدنيا”
وهو مقطع يجعل المكان محورا له، ففعل “رأى” يفترض مرئيا يشغل حيزا، ويمدّ النصُّ مساحةَ هذا الحيز إلى أقصاها، سواء من خلال رؤية “كل شيء” أو “تخوم الدنيا” مما يمنح انطباعا أننا إزاء فعل شامل عام ينطوي على تكديس كلِّ ما رآه كلُّ الناس وكلَّ الأمكنة في عين جلجامش وتجربته، كما لو أننا إزاء تجربة (المشترك الإنساني) ممثّلة في جلجامش، وهذا الفعل المضاعف يقدّمه اللوح الرابع من القصيدة في وصف رحلته نحو الخلود -رفقة أنكيدو- وهما يقطعان أمكنة  وأزمنة عديدة ليس بشكل أفقي وتعاقبي فقط، ولكن بشكل مضاعف مثير، إذ نقرأ:
“بعد عشر ساعات مضاعفة، توقفا لبعض الزاد
وبعد ثلاثين ساعة مضاعفة أخرى توقفا لقضاء الليل
خمسين ساعة مضاعفة قَطَعا في كل نهار
فاجتازا مسيرة شهر ونصف في ثلاثة أيام
ثم حفرا بئرا قربانا لشمس”
الزمن هنا موصوف مرارا داخل المقطع بكلمة “مضاعف”التي تفضي إلى اجتياز “مسيرة شهر ونصف في ثلاثة أيام”، ويقابلها –على مستوى المكان- حفرُ البئر، إذ بعد السير أفقيا يبدآن في السير عموديا بشكل يجعل البقعة الصغيرة التي يقفان عليها مضاعَفَة بمدى عمق البئر، كما لو أنهما يجتازان مسافة ما في البقعة نفسها. وهذا الاجتياز بهذا الشكل الشبيه بـ (طي المكان) عند الصوفية، يأتي في القصيدة تقربا من الآلهة (شمس).
إن المكان في ملحمة جلجامش يأتي موزعا بين المدينة والغابة والطريق والغرف والممرات والمحيط والأرض، لكن القارئ يشعر كما لو أن المكان يحاط بالقداسة ويُربط بالآلهة كثيرا، إذ السور الذي بناه جلجامش حول مدينة أورك العظيمة والذي هو تحديد للمكان وإغلاق له يتم وصفه ممنوحا من الحكماء وبالغ الرهبة، فيما الغابة بالمقابل تمثل المكان الذي تقيم فيه الآلهة، وفيها خَلَقت “أرورو” الرجلَ المتوحشَ “أنكيدو” الذي يمثل مقابلا للمتمدّن “جلجامش”.
وإذا كان أقدم نص شعري يربط المكان بالمقدّس ويرتبط به، فإن التقاليد الشعرية اللاحقة في الحضارات القديمة الأخرى لم تخرج عن الإطار نفسه بشكل متشابه، إذ الأشعار الإغريقية ارتبطت بمعبد الأولمب حيث كانت تقدّم القرابين على مذبح زيوس وهو مكان مقدّس، مثلما ارتبط الشعر العربي القديم بسوق عكاظ، وهو مكانٌ كان معبدا أنشِئت فيه أنصاب وقُدِّمت فيه قرابين –كما جاء في كثير من المصادر-
ونتيجة لهذه الصلة للشعر مع المكان المقدّس، فإن النصوص التي عُدّت جيّدة في هذه الحضارات الثلاث كانت تُعنى برعاية خاصة تتقاطع كلها في التعليق بالأماكن الأكثر احتراما وهيبة. ألواح (جلجامش) عُثر عليها ضمن مكتبة الملك (آشور بانيبال) الذي توفي سنة 626 ق.م، وهي “معلّقة بتمام ما يدلّ عليه معنى المعلّقة”، على النحو نفسه الذي يذكره غير واحد من القدماء-في حديثهم عن المعلقات وكتابتها بماء الذهب وتعليقها على الكعبة- مِن أن “الملك إذا استجيدت قصيدةٌ الشاعر يقول علقوا لنا هذه لتكون في خزانته”، ويكاد الخبر ذاته يتطابق مع ما أورده نجيب محمد البهبيتي –نقلا عن ماكس إيجر- في حديثه عن الشاعر الغنائي الإغريقي “بندار” الذي ترك من بين أشعاره الباقية “مجموعتَه (الأولمبيات)، والقصيدة السابعة منها قالها في مدح (دياجوراس الروديسي)، وقد اُخذت فحُفرت بحروف من ذهب وعُلّقت في معبد الآلهة أثينا”.
ومن البيّن أن التعليق يتضمّن معنى الارتفاع، أو الوضع في مكان يتجاوز سطح الأرض، وهذا الارتفاع والعلو هو تقدير للعمل بمنحه “المكان” و “المكانة” معا؛ ولعل هذا التقدير للنص الشعري وارتباطه بالتقديس في المكان الذي ارتبط به قد ترسّب منه شيء في التقليد الجاهلي المرتبط بالوقوف على الأطلال.  والمكان –طبعا-  يسهم في تشكيل الوجدان على نحو ما، إذ كلّما استشعر المرء معاني الأمن والاطمئنان فيه اشتد التصاقه به؛ هذا الأمن والاطمئنان نلمسهما بشكل كبير في بيوت الطفولة، ولهذا فإننا نكرر عيشها في ذكريات تلازمنا، ونتذكرها باستمرار، فتكون هذه البيوت معنا طيلة حياتنا، بانطباع جميل وألفة، حتى لو كانت بئيسة، وألفتها وهناؤها يخلقان معا شعريتها..
ذلك أن “شعرية الفضاء هي شعرية المساكن السعيدة، والفضاء السعيد هو الفضاء الذي نرتاح فيه” –كما قال باشلار في حوار إذاعي، لهذا فكل الصور الأليفة المرتبطة بالبيت في خيالنا تتصل ببيت الطفولة اتصالا وثيقا، فهو أصل وأساسُ المكان الذي تشكل فيه خيالنا ومارسنا فيه أحلام اليقظة التي “تتداخل فيها كل البيوت التي سكنّاها، ونحتفظ بكنوز الأيام الماضية فيها”، تماما كما يفعل الشاعر الجاهلي وهو يقف على الطلل البائد الذي سكنه بجسده (هو نفسُه) أو بروحه وأحاسيسه (في شخص محبوبته).
والطلل باعتبار أنه مكان متصل بالماضي، لا تتعلّق قيمته بأبعاده المادية وشساعته وأبعاده الجغرافية، بل  بما يوقظه في الذات من “قيَم المأوى الأكثر بساطة والأعمق تجذّرا في اللاوعي، تلك القيم التي تستعاد بمجرّد التذكّر أكثر مما تستعاد من خلال وصفٍ دقيق”.
وهذه الاستعادة للمكان عبر التخيّل أوعبر أحلام اليقظة توازيها وتلزمها في الآن نفسه استعادة للذات، ويمتزج فيها الواقعي والتخييلي، وبالتالي يحضر فيها إيقاظ المعرفة الثقافية والتاريخية والأثر النفسي بمكوّنيْه: (الإشباع والحرمان). ولهذا فإن الشاعر في وقوفه على الطلل فإنه يكرر وجوده فيه؛ وإعادة الوجود لا بدّ أن يطالها  تعديل صورة المكان الحقيقي، كما لو أن الشاعر يخلق المكان من جديد، ذلك المكان النفسي المتّصل بماضي الحي والقبيلة وثقافتها وعاداتها هو مكان أليف- وإن انتابته وحشة وهجره أهله الآن-، فلم يكن سوى بيت تكتنفه ألفة الطفولة وأيامها ونشوة الشباب وعواطفها، قبل أن يدرس ويضمحل، ثم ها هو سيعاود احتلال الوجود عبر القصيدة.
المكان بهذا الشكل يصير صورة للذات وإرثها الثقافي والاجتماعي، فيغدو صورة من صور الهوية (الفردية والجماعية) –أو جزءاً منها على الأقل-، تلك الهوية التي يستضمرها الشاعر في تمثّله للمكان والوقوف عليه.
النقاد القدماء يُجمعون على أهمية المقدمة الطللية، وعلى اعتبارها –بالكاد- واجبة الحضور، إذ القصيدة التي تخلو منها هي قصيدة “بتراء كالخطبة البتراء والقطعاء”. فهذا ابن قتيبة يقول: “سمعت بعض أهل العلم يقول إن مقصد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار، فشكا وبكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق..” ، والعبارة الأخيرة يحضر معناها عند ابن رشيق بلفظ آخر هو: “وقف واستوقف“.
والشاعر في وقوفه على الأطلال، للتعبير عن الحنين أو عن الاغتراب، فإنه كان يقف للأطلال أيضا –وليس عليها فقط- وبالتالي يقف لقداسة تراثه الثقافي وأثر المأوى القديم على نفسيته، أي أنه كان يقف لهويته ولقدسية المكان الذي يحتضنها. ولهذا فإن أبا نواس -سواء في إطار الشعوبية الفارسية أو في إطار تقويضه للبداوة والدعوة للمدنية – يهاجم رمزية الوقوف لهذه الهوية ككل وليس للطلل فقط إذ يقول:
                      قُل لِمَنْ يَبكي عَلى رَسْم دَرَسْ       وَاقِفاً، مَا ضَرَّ لَوْ كَان جَلَسْ
أي إن ما يهاجمه أبو نواس في هذا البيت، ليس المقدمة التقليدية للقصيدة، ولكن فِعلَ التقدير المتصل بالوقوف لهذا المكان الذي يثير أحاسيس التقديس والاحترام للتاريخ وماضي القبيلة وهويتها؛ تلك الهوية التي ظلت تستأثر باهتمام الشاعر الجاهلي الذي تحتفي القبيلة بميلاده، ويحتفي هو بأصولها وأمجادها وثقافتها، وينخرط فيها وفي قيمها، ولعلّ تجليات الأمكنة في قصائد المعلقات يعكس هذا الانخراط، فهي أمكنة عامة تتوزع بين المكان الطللي وأماكن سير الظعائن المرتحلة والأرض المقفرة أو الخصبة، فتكتسب في النص معاني الوفاء والحب والاغتراب والحنين والهوية والموت..
ولهذا فقد كان الشاعر يضخّ فيها الحياة فيُحادثها ويسألها، كما لو أنه كان يسعى لمنحها البقاء والخلود، وعَبْرَها يمنح الاستمرار والخلود لهويته، فيغدو في هذا الفعل مازِجا بين المكان من جهة، والمكانة التي تأسست بالتاريخ والأسلاف من جهة ثانية، وهي التي تتضخّم في نهاية المطاف فتغدو قداسة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
قاص وناقد، من أعماله “العقل الحكائي: دراسات في القصة القصيرة بالمغرب” ومجموعتي “الطيف لا يشبه أحدا” و”احتمال ممكن جدا”
error: