المرجعيات الإنسانية في المجموعة القصصية “حديث الدكان 145” لخالد العياشي

  • محمد العمراني (°)
القاص خالد العياشي، سليل بيت الثقافة والشعر والإنسان، مبدع يخطو بثبات نحو عوالم السرد، غواية امتثل لها فرقص مع هذه القصيرة وغنى أنغاما بأوتار من أحشاء، إنه يشبه هرمس الذي التقى تلك السلحفاة الغاوية فأخذ منها ذرعها؛ ليزرع فيها من تفاصيل الأنغام أوتارا، ذلك الوعاء هو نوع القصة القصيرة، وليمنحها للقارئ على شكل نصوص خمسة عشر، نصوص تنهل من الهامش يتجادل فيها الواقعي بالفني، السياسي بالاجتماعي بالإنساني، الإبداعي بالمحكي، الذاتي بالمتخيل، الحلم بالواقع، السخرية باللغة، الفنطاستيك بالكلاسيك.
هذه المجموعة تعد باكورة إنتاج القاص، صدرت سنة 2020 عن دار نشر مقاربات، من تقديم الناقد حسام الدين نوالي، تمت كتابتها على مدار أربع سنوات تقريبا منذ 27 شتنبر 2016 حتى 10 أبريل 2020، إلى ذلك فإنه يحق لنا الفخر بهذه المجموعة وبوعي صاحبها الأولي، ورقتي ستنصب على المرجعيات الإنسانية في المجموعة.
خلفية النزعة الإنسانية.
لا بد من التفريق بين النزعة الإنسانية التي تعتبر اتجاها أدبيا وفلسفيا قديما يهتم بالفرد بما هو إنسانٌ غايةً وقيمةً، والمرجعية الإنسانية التي نقصد بها هنا أن يكون الاتجاه الإنساني خلفية للقاص ليؤسس نصوصه، الإنسانية تحضر في المواقف الذاتية والقصصية، فتصبح طعما يقتات عليه السارد، ليكتب نصوصا تحمل هذه المبادئ الإجمالية التي تتعلق بالإنسان وكرامته وحقوقه، تنقل تجارب شخصيات بهدف جلب التعاطف معها، إنها تهدف إلى أنسنة القصة القصيرة وحمل هموم الإنسان في كونيته.
تعود خلفيات الكتابة الإنسانية إلى صراع أرسطو وأفلاطون، حول الخلق والفعل الإبداعي، ذلك أن أرسطو مجد العقل البشري وانتصر للإنسان ضد الآلهة فكانت فلسفته مادية ضد المثالية الفاضلة، وعلى الرغم من أن الجمهورية تمجد الفلسفة لكن غطاء المحاكاة ظل يمنع التفكير على غير الأنماط  العليا، هذه الجمهورية ستقابل بمدينة فاضلة عند الفارابي وبفلسفة تمجد العقل عند حلقة المشائين، وعند كتّاب العقل – حي بن يقظان- ، لابن طفيل وإخوان الصفا  وكذا عند المتصوفة في الإنسان الكامل والأول يقول سارتر:
” إذا كان من المستحيل أن نجد لدى كل إنسان ماهية كونية ستكون هي الطبيعة الإنسانية” (1)، يستمر قائلا:” لا وجود لعوالم غير عالم الذاتية الإنسانية” (2)، لكن أول من طور هذا الاتجاه هو طوماس مور في يوتوبيا وإيرازموس في “مدح الجنون”، امتزاجا مع النزعة العقلانية التي تمجد الشخص بما هو ذات عاقلة حرة، ثم مع كُتَّاب الأدب مونتاني ورابليه ومع الوجودية السارترية ذات النزعة الإنسانية ولا شيء غير الإنسان، يقول هايدغر: “نحن نفكر باللغة في توافق مع ماهية الإنسان” (3)، إن الأدب الإنساني كل نص يحمل معان خالدة بعيدة عن التحيز الإيديولوجي المتقوقع، إنها الكونية في تجلياتها الأدبية، لكنها تحمل تلك الرسائل الهامة التي تلتقي حولها الشرائع والقوانين والتنظيمات والديانات السماوية والأرضية والفلسفات كلها.
إنها تتمحور حول الإنسان ولا شيء دونه، يقول عبد الرحمان بدوي: ” النزعة الإنسانية أولا ضرورية الوجود في كل حضارة عالية تبلغ نضوجها وثانيا أن الفاعل في إيجادها هو الأصول الروحية التي نشأت هذه الحضارة في أحضانها” (4)، يعتقد هذا المفكر أن النزعة الإنسانية ليست رهينة بالإغريق أو أوربا فيما بعد، لكنها متجذرة في كل الحضارات واسما النزعة الصوفية بالوجودية الأولى والديانة المحمدية وصورة هرمس والشعر الوجودي العربي الإسلامي بأنها كلها ذات منزع إنساني (5). إن الإنسانية صوت خالد مثل هذا المسمى خالد العياشي.
 القارئ لحديث الدكان يحس أنه أمام مجموعة قصص تنتظم بخيط الإنسان والاهتمام بأحواله، كأننا أمام شجرة الكون التي قوامها الإنسان عند ابن عربي وغيره من الصوفيين الذين تحدثوا عن الإنسان الكامل، لقد حضر الحس الإنساني وكان عاملا بل مرجعية في تشكيل متخيل القصص وشخصياتها التي تعاني، تنتظم القصص في قوالب فنية داخل موضوعات متنوعة، هاجسها الإحساس بالآخر ومحاولة فهمه؛ ما جعل السارد يمضي بشخصياته نحو أفق تضامني مع إمكانية التأشير على تغيير الشرط الهيوماني؛ ما جعل النزعة الإنسانية سمة جينية في تشكيل القصص ودلالاتها. “إن هذا الحس الإنساني يتخذ تلوينات متنوعة في ثنايا النصوص” (6).
الوعي بالعتبات وإنسانيتها.
تشكلت لوحة الغلاف من لوحة الفنانة السورية المقيمة بكندا نوال الحلبي، لوحة مفخخة بالألوان واعية باتجاه يتموقع بين التقليد والحداثة، لوحة تصور نساء يطللن بوجوههن المتحررة من أسوار الحلم والعين، لوحة تبدو ثيوصوفية إنسانية مشحونة بالدلالات والأحاديث عن المرأة، عن العقل المدبر للبحث وتحريك أحاديث الدكان، كأن تلك النظرات أحاديث من خلف الذاكرة، كأنها استرجاعات لتاريخ المرأة القاسي والمظلم مع الإنسان.
عتبة الشكر
لم ينس القاص هذه الكلمة على الرغم من المآخذ التي قد تجلبها مثل هذه العتبة في سياق الإبداع، إنه يخص مجموعة من المبدعين بالشكر في بادرة إنسانية قل ما نجدها، أولئك الذين أغنوا تجربته القصصية وكانوا سببا في إنسانيته وجمالية أسلوبه.
عتبة الإهداء
هذا الإهداء ملغوم جدا يشبه شذرة ألم، بل سيمفونية حزن عميق، هو رسالة اعتذار لامرأة تركها القاص ذات عشية، لكنه يندم كثيرا على ذلك، فقد فقدها ولم يف بوعده مثل أورفيوس في ليل كتابة الفاجعة، نعم هذا الإهداء مشوب بمسحة غريبة من فسيفساء  المرأة يوريديس، هل يعدنا القاص بكتابة مفجعة منطلقة من حدث موت للإنسان، للآخر يهدد الكتابة (7)؟
 كذلك يقدم السارد شكرا خاصا لجل الأساتذة الذين علموه معنى نقش الحرف، يخص الأستاذة نعيمة الكرمتي، تلك التي علمته الإنسانية تماما مثل بلانشو المدين لنيتشه.
إنسانية العنوان: الحياة رواية على حد تعبير ميسيو غيوم، والحياة التي يعيشها الفرد هي قصة قصيرة أو قصيرة جدا، حديث الدكان هو السرد حيث البقال يغدو عارفا ممسكا زمام الحكي، يتحول متجر البقال إلى دكان سياسي ودكان أدبي محض، يذكر بمجالس الأدباء وأسمارهم، لكنه يغطي جانبا إنسانيا قويا إذ يصبح هنا رهينا بتجمع أبناء الدرب، إنه منقذ من الضلال والانحراف، هذا الدكان يغدو مرتعا خصبا لتناسل سردي إنساني، يحمل أحلام العائلة، أحلام الحي، أما الحديث عن العدد 145 فهو مسألة شخصية لا نجد لها إشارة في النص سوى كونه عددا مخصوصا برقم الدكان، ما يذكرنا بالأوليبو الذين مزجوا الرياضيات بالأدب.
ولاشك أن الأرقام تحمل دلالتها من علوم مختلفة كعلم الأوفاق؛ ما جعل السرد يمضي في هذا الاتجاه، أذكر مثلا: بجورج أورويل الغرفة 1984 حيث غرفة التعذيب 101/، و هاروكي موراكامي 19q8 كما هو الحال في الزنزانة عشرة لأحمد المرزوقي وغير ذلك من النزعات الرقمية الأدبية، خاصة، عند أدباء مصر الجدد. إن الدكان يصبح بأحاديثه الهامشية مركزا وبؤرة سردية لا يقل عن المقهى أو المكتبة أو الحلقة أو المسرح أو حكايات ألف ليلة وليلة التي “بدأت منغلقة وانتهت كذلك مع الجدات اللواتي يطوقن الحكاية بالإغلاق، أو مع المخطوطات التي كتبت في منعزل الأديار” (8) .
الاحتفال بالإنسان
الإنسان جوهر المجموعة القصصية، حتى لتجد وأنت تقرأ أن السارد إنسان مفرط في إنسانيته على غرار ما كتبه نيتشه (9)، في نزوعه للذات النابغة المتحضرة والفضيلة، بل أكمل ذلك في سيرته هذا هو الإنسان (10) الذي يحطم كل الأصنام بعقله وحكمته. 
الإنسان جوهري في قصة الوجه اللعين ص 23،عن ذلك المهندس اللقيط الذي تعب من وجهه الشبيه بوالده القرصان الذي تخلى عنه، وجه متيبس شبيه بوجه الحطيئة؛ ما جعله يطلب وجه قرد من شركة زراعة الوجوه، لكن السؤال يطرح عن علاقة الإنسان بالحيوان، من زاوية الثقافة، على اعتبار أن السارد لا يفرق في شق الإنسانية بين بشر وحيوان، هنا أمكننا اعتبار الإنسان حيوان أدبي بتعبير داروين، لكن القرد الذي أراد المهندس أن يكونه أسمى ربما من علاقات الإنسان الممسوخة، فهل نحتاج إلى كوكب القردة لبيير بول، حين يسود عالم القردة الأرض ويحكمها؟ ربما آن لنا أن نفهم أن لكل صنف لغة وحضارة خاصة به، ربما في كوكب آخر كان القرد إنسان والإنسان قردا بدائيا.
تثير القصة هذه العلاقة مع الطبيعة محيلة على نظرة قوامها علاقة الإنسان مع غيره، لتحتفل بالإنسان المتحضر بروحه ومبادئه، ولا أقول قيمه لأن القيم متغيرة ومعيارية سوقية لا أصل لها، أو ربما ذات جينيالوجيا مواربة منفعية كما نظر لذلك نيتشه في جينيالوجيا الأخلاق.
المرأة وسؤال الإنسانية.
 الإنسان مركز المجموعة، والمرأة بما هي المقصية في التاريخ، فقد نحت النصوص إلى الاحتفاء بها: في قصة “حَاوْ”، التي تقال بالأمازيغية لزجر البقر، يسرد القاص قصة الفتاة صباح ورحلتها مع الجامعة، حيث التزلف والتملق الطلابي، وحيث إن صباح كان بإمكانها مغادرة الوطن فهي طالبة في ماستر الإنجليزية ” الأخلاق والقيم الأخلاقية”، لكنها انصاعت للأسرة المغربية الفاقدة لمبدأ حرية المرأة، تقدم رسالة غضب جراء واقع التدريس الجامعي ثم تغادر الجامعة، لكنها تمنع على إثرها من كل الجامعات في مفارقة ساخرة لاسم هذا الماستر، ثم يراها السارد ذات يوم بعد مرور سنوات وهي تهش على البقر وقد أضحت امرأة بدوية، مصير قاس هذا الذي يحكم على المرأة أن تظل حريما، ذهنية قديمة حسب فاطمة المرنيسي حيث التاريخ سوسيولوجيًا وحفريا لم يتعامل مع المرأة إنسانا (11)، إلى ذلك فالقاص يطرح هذا السؤال العريض هل المرأة إنسان؟ 
إنسانية الحب( قصة ساعة ونصف)
قصة الطفل مستقيم الذي منعته أمه من عالم الأنترنيت بعد تبدل القيم؛ ما جعله يغرز النصل فيها، أم تحب ابنها لدرجة أنها قررت أن تعيد له الانترنيت والهاتف، لكنها تُقْتَل، في آخر المطاف من طرفه بعد أن غرز النصل في بطنها، يسائل السارد قيمة هذه الأرضة الرقمية التي عوضت الثقافة بخطابها المنحط، ويرفع من قيمة الحب الأمومي الإنساني تناصا مع رواية الأم لمكسيم غورغي، ومفارقة لعقدة أوديب وكل مبادئ العالم حول حب الأم، وتغير القيم. هذا الحب الأمومي يعاود الظهور في قصة “سر الكوكوت” متناصا مع قصة عمر بن الخطاب وأم الأيتام. هذه القصة جميلة الفكرة، تذكر ببناء زكريا تامر في قصصه القصيرة، وهي بقدر ما تمجد الأم تنبذ علاقات الناس وتقلب مفهوم الرفق والعطف على الجياع إلى سخرية سوداء حيث عوض التعاطف جرت السخرية من سر الكوكوت وانقسم بشأنها الناس متجاهلين أبناء المرأة الجياع. إيه يا عمرُ هل كنت لتسخر من الكوكوت في زمننا؟
هذه الإنسانية تجسدت في قصة “448” قصة الحلم والمحاكمة من داخله، عبد الرحمان بكرسيه المتحرك الباحث عن استقرار زوجته الحامل كريمة، تأخذه الأحلام ليلتقي بعبد الرحمان الآخر مذكرا بقصة بورخيس “الآخر”، هو حلم المقعد ذوي الهمة العالية في منزل وقعت فيه كارثة ربما يرتبط بها ذهن السارد وإهداؤه حين تركها مع هذا الشخص ولم يف بوعده، فأين كريمة من المنزل 448؟ وأي مشاعر حب يحملها عبد الرحمان بين جوانجه لزوجته؟
الطفل موضوعا للإنسان
في قصة “البيتان” ص 39 نشهد ذلك الاحتفاء باللعب الطفولي كمظهر إنساني، حق يضمنه الإنسان لكنه يضحى هنا إزعاجا وشيئا غير مرخص به مع المخزني الذي يُفترضُ فيه حماية هذا الحق، فإذا به يضرب الصغار في خرق لحق إنساني. 
الاحتفال بالآخر
في قصة “حذاء أسود”، يحتفل الكاتب بالصخرة، يعطيها لسانا إنسانيا ليحنو عليها، من قسوة البشر، قسوة عجوز فقدت فردة حذائها منذ الشباب ( تناصا مع سندريلا)، فظلت تبحث عنها في الصخور والجبال حتى آخر غار، وجدتها بحوزة أفعى حيث طاب لها السكن، لتحدث المواجهة وتنتصر العجوز، لنقل لم تقم اعتبارا لعش الأفعى أو الصخور، هذا النص مضمخ بالعلاقات بين الطبيعة والإنسان يذكر بنص الشيخ والبحر لهمنغواي وموبي ديك لهيرمان ميلفيل.
 لكن ألا يحق لهذا المخلوق العيش بسلام بيننا؟ هل كل ما تنسجه الأساطير والمحكيات الخرافية يقصي الآخر؟ الأفعى سامّة طبعا والجبل قوي عاصم لكن كلاهما يبتعد عنا، ولا يريد حتى استخدامه في المجازات الصفيقة للغة البشرية التي تخلت عن إنسانيتها.
هذه النظرة غير الإنسانية للآخر تجسدت في قصة ” الساتور ” عمود الإنارة، حيث أضحى عدوا مفترضا لجندي متقاعد يسبب له القهر والوساوس، فيضطر للتبول عليه وسبه بل إطلاق الرصاص عليه، مذكرا ب”حفلة التفاهة” لميلان كونديرا، إنها سخرية أخرى من هذا الإنسان بتعبير نيتشه، هل يمكن أن نتصور لغة العمود الصامتة الذي يضيء دائما، ألا يستحق وساما كونيا جزاء حراسته الليلية من دون كلل؟
في قصة “المدار” يستثار الخنزير في الطريق مدافعا عن حقه في الغابة. أما في قصة “التحول” ص 69 يبدو التناص فيها واضحا مع المسخ الكافكاوي، لكن هنا يطرح السؤال عريضا أي ذنب ارتكبه الفأر ليستيقظ صباحا وقد صار بشريا، بروح بطل القصة خالد وهو اسم الكاتب فس منطق سير ذاتي، نعم القصة بتناصها تشير لمسخ العلاقات الإنسانية، والضرب بيد من حديد على ما دون البشر، ما ذنب الفأر ليضربَ ويطرد ويكون غذاء للقط بالقوة؟ أليس حريا بنا أن نفهم منطق الفئران والجرذان في الحقيقة؟ أليست لغيرنا لغات وربما حضارات؟
 هذا المسخ في العلاقات والنظرة للآخر كيفما كان نوعه تجسده قصة “صدمة” ص 11 حيث استمتاع “با عروب” الحارس الليلي بفيديو الكاميرا الذي يضم قتالا بين القط الأسود وثلاثة كلاب، قط وديع لم يؤذ يوما أحدا يتحول في الفيديو لمفترس قاتل بعد الاعتداء عليه، هل هي نزعة الطبيعة نحو قانون الغاب، أم السير على نهج ألان بو؟ على كل فالحدث الذي أخاف المدينة كان ينوي الحارس بعثه لقناة ناسيونال جيوغرافي في سبق صحفي يتبارى في تصويره المحترفون فيما الطبيعة تنزف دماء، لولا أن ظهر القط وخطف القرص، هل هي دعوة من الكاتب لفهم القطط؟  بورخيس كان يعتقد أن القطط هي نمور الحلم، وأن أرواحها قمرية سماوية.
إن العلاقات الإنسانية كثيرة بين الكتابة والقطط من ذلك بودلير في السونيتا ونيرودا وباوند ودافينيشي وبيكاسو ودالي… ما يجعل علاقتنا بالقطط ملتبسة ليلية فهي دعوة للفهم والحوار، بعيدا عن الأسطرة والكره الذي تجسده قصة “ضربة القطط “في ص 81، حين يهاجم القط حلمَ رجل ويغزو تفكيرَه جراء الإساءة إليه.
تستمر في المجموعة قيم الإنسانية هذه المرة في قصة “على شرف الأتان” ص 92، مدينة ديستوبية مرعبة يمنع فيها الإنسان من التقرب للحمير نهارا مع استغلال حليبها ليلا من عصابات مختلفة يتجند فيها عمال النظافة لذلك، فتنقلب الأدوار بما يشبه وزارات أورويل، أو رجال الإطفاء في رواية ‘فهرنهايت’، هنا علّال عامل النظافة يسقط ضحيةً وكبش فداء وينتصر شرف الأتان.
على سبيل الختم
كانت هذه بعض المبادئ التي نحت بالنصوص إلى النزعة الإنسانية العالمة بعيدا عن المنهج الإنسانى الديداكتيكي، كما تحضر مبادئ أخرى من قبيل الرفق بالحيوان، الدعوة إلى فتح حوار للفهم مع الجماد والحيوان والإنسان، كما حفلَ النص بالثقافة والكتابة  والفن والحياة ونبذ العنف والدعوة للحرية والعدل والمساواة والنبل والتضحية والإيثار والسمو والانتصار للهامش والحضارات المختلفة مرئية وغير مرئية.     
      هذا المدخل الإنساني لم يكن لينسي الكاتب الاحتفال بالتقنيات الفنية والجمالية كالحلم والمسخ والتناص والتشذير والميتاسرد والحكائية القوية، كل ذلك لفهم منطق الآخر فكان مثل سليمان كما جاء في تقديم المجموعة أوتي قوة ومنطقا لفهم الأشياء وترتيبها.
هوامش:
 (1) جان بول سارتر: الوجودية منزع إنساني، تر: محمد نجيب عبد المولى، ط1 2012، دار محمد علي، تونس ص 64
 (2) نفسه ص 82
(3)  مارتن هايدغر: رسالة في النزعة الإنسانية، تر: مينة جلال، مجلة مدارات فلسفية المغربية، ع 6، صيف 2001، ص 59
(4)  عبد الرحمان بدوي: الإنسانية والوجودية في الفكر العربي، مكتبة النهضة المصرية 1947 ص 61 – 62
(5)  النزعة الإنسانية: مذهب فكري ظهر في إيطاليا، ولا نقصد بها العلوم الإنسانية ذات الصبغة الأدبية الفنية والتاريخية أو الفلسفية والسوسيولوجية والنفسية، على أن إدوارد سعيد قد ناقش ذلك كثيرا موجها نقده للاتجاه الأنسني بأمريكا واسما إياه بتقليد النموذج الأوربي، يمكن العودة لكتاب: الأنسنية والنقد الديمقراطي لإدوارد سعيد، تر: فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت ط1، 2005.
(6) محمد المسعودي: في بلاغة القصة المغربية القصيرة- اتجاهات وحساسيات- سيلكي أخوين، طنجة 2020 ص 104
(7)  موريس بلانشو: كتابة الفاجعة: تر: عز الدين الشنتوف، دار توبقال، ط1، 2018، ص 52 – 57
(8) من نص مداخلة حسام الدين نوالي حول مجموعة حديث الدكان 145 بتاريخ  الخميس 28 أكتوبر 2021 بمعرض الكتاب الجهوي بخنيفرة.
(9)  فريدريك نيتشه: إنسان مفرط في إنسانيته، تر: محمد الناجي، أفريقيا الشرق2001.
(10) فريدريك نيتشه: هذا هو الإنسان، تر: علي مصباح، منشورات الجمل بدون تاريخ ولا طبعة.
(11) فاطمة مرنيسي: نساء على أجنحة الحلم، تر: فاطمة الزهراء ازريول، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ط1، 1998.
(°) باحث وناقد، وفاعل تربوي 
error: