عبد الحميد جماهري:”الأحزاب الإسبانية..الدولة والتاريخ لا تصنعهما الأيادي المرتعشة !”

  عبد الحميد جماهري

هناك في ‬حياة رجل السياسة‬، ‬يوم ما، ‬قد ‬يكون سعيدا، وقد يكون ‬بعيدا بهذا القدر أو ذاك، ‬تجبره فيه قناعاته على ‬أن ‬يقبل بأن ‬يكون رجل دولة، ‬ثم بعد ذلك رجل ‬تاريخ!

تلك كانت خيارات «بيدرو سانشيز» الأخيرة،عندما انحاز إلى صوت العقل والمصلحة…
رجل دولة لأنه فكَّر في المصلحة الحقيقية لإسبانيا، ورجل تاريخ لأنه أدرك من هو الشريك الفعلي في صناعة هذه المصلحة، والدور الذي عليه أن يلعبه لكي تتصالح ضفتان: في التاريخ والسياسة والجغرافيا والاقتصاد والتنمية والاستقرار…والثقافة.
كلنا في المغرب كنا ندرك بأن انزلاق القارتين، الإفريقية في شخص المغرب والأوروبية في شخص إسبانيا للاقتراب من بعضهما، لا يمكن أن يمر بدون زلزال في الطبقة السياسية لإسبانيا.
البعض خُسِفت به الأرض، فإذا هي تمور..
نحن نعرف بأن الطبقة السياسية في إسبانيا كلها، بِدايةً، ثم بعضها قليل، طور آليات مضادة لكل حق مغربي، لا يمكن فيها فصل الاستعلاء الايليزابيتي عن الرهبة المفتعلة من تفوق يكون سببه عودة ماض سحيق!
وأن جزءا من الارتعاش أمام خطوة الاشتراكيين العملاقة، والمحمودة سببها مخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تفوق المغرب، وسقوط مناهضيه في أدوار ثانوية وأزمات اقتصادية حتمية، وهو وهم تبخر بعد أن تبين للرئيس والكثير من نخبة الدولة أن الخطورة تكمن في إضعاف المغرب، بوابة المتوسط وبوابة الأطلسي في آن، ونموذح التعاون أمنيا واقتصاديا وسياسيا، على قاعدة الوضوح والشفافية والمصلحة المتبادلة والنضج الاستراتيجي…
‬لم يكن أحد يشك بأن المرحلة الحديثة قد تترك بعض الأيتام، وتصيب بالدوخة كل أولئك الذين يعتبرون أن حقيقة الوضع المعقد في غرب المتوسط، المتأرجح بين تحديات الحاضر ومخلفات الماضي، يمكن أن تعالج بجملة في بيان يعود إلى أدبيات القرن الماضي في قضية مصيرية مثل القضية الوطنية، أو أن الحل يوجد في استفتاء اعتبرته الأمم المتحدة طريقا مسدودا وهي من أعلنت فشله!
وفي الحقيقة، هذا الموقف هو الذي جاءت مبادرة «بيدرو سانشيز» لكي ترميه في سله المهملات، بعد أن كانت الحكومة تدعو إليه بعد الاعتراف الأمريكي التاريخي: إنهم في الحقيقة يدعون سانشيز إلى العودة إلى …ما فشل فيه!
الذين التقوا موضوعيا مع صنيعة الجزائر، هم أولئك الذين يريدون أن يحيوا التواطؤ المعروف بين الكولونيل الهواري بومدين والكولونيل فرانكو، في ما صار من أدبيات السبعينيات في رمال الصحراء، وهم أولئك الذين أرعبهم العلو الذي أخذته تطلعات قائدي بلدين من صناع المنعرجات الأساسية في منطقة تتلاطم فيها الحضارات والذاكرات الجريحة والطبقات الثقافية والمشتركات الروحية والأوديسات والميتات المأساوية لآلاف العابرين ..وتستوجب نقل الجغرافيا من زمن إلى آخر!
ففي ‬بلد مثقل بتاريخ سياسي ‬غير ‬يسير، لم يتخلص بعد من ورثة الإمبراطورية الاستعمارية، وورثة تراثه الحديث من الفرانكاوية الفاشستية، يلزم إيمان عميق بأن المستقبل يُصنع بطريقة مغايرة للحنينين معا، تغذيهما فوبيا الجار والنزعة القتالية …
يلزم وضوح كبير ‬في ‬فهم علاقات متشابكة بين تاريخ بلاده مع تاريخ الجار الجنوبي، ‬وهو إلى ‬ذلك رئيس حكومة في ‬دولة يتجاور فيها الحاضر والماضي والمستقبل، وجزء من حقيقتهم ‬يقع في ‬تدبير الجار التاريخي ‬والترابي ‬والسياسي ‬في ‬أفق مصالحة جيواستراتيجية، من أهم تجلياتها ما يجري في المتوسط، والإرادة المحسومة إفريقيا للمغرب وأدواره في الشرق الأوسط وفي شمال إفريقيا وفي القارة السمراء.
وقد امتلك بيدرو سانشيز الذكاء المناسب في اللحظة المناسبة لتحويل لحظة أزمة صنعها مع الجار الشرقي إلى فرصة مشتركة يصنعها مع الجار الجنوبي، عنوانها مسايرة ملك المغرب، ‬في ‬اندفاعة حضارية، ‬تتجاوز السياسي ‬المباشر إلى ‬أفق ‬غير مسبوق،تخرج منها إسبانيا بقناعة أنها رابحة بكشل كبير.
لقد تبين، للأسف، أن جزءا من الطبقة السياسية في إسبانيا لم ‬يستطع بعد أن ‬يفطم الدولة عن ثدي ‬الإديولوجيا، ‬وما زال يرعى ‬خيالات الماضي، ‬بنفحة لينينية مقنعة تارة، وبنزعة حقوقانية لم تنضجها عقود من الديموقراطية الناجحة في إسبانيا الشعوب المتعددة..للأسف!
ولهذا لا ‬يجد الكثير من أبناء “بوديموس”، ‬الذين ‬ورثوا لينينة إيبيرية كان لها مجدها الكبير ذات لحظة من لحظات إسبانيا المناضلة..أي ‬غضاضة في ‬الجلوس إلى ‬جوار اليمين الوارث لفرانكو!
نعرف أن العلو الشاهق قد ‬يصيب بالدوخة عندما ترفع الدول سقفها وعتبة ‬تاريخها، ونعرف أنه قد ‬يتشبث الغريق بالغريق في ‬الأبيض ‬المتوسط ‬، عندما يتبادل «إليتش لينين» والكولونيل فرانكو الأدوار، فيحصل عجز أخلاقي في مكان ما من عقل النخبة المتراصة ضد الجرأة التي أبداها بيدرو شانسيز وسانده فيها الاشتراكيون الإسبان، من قادة التأسيس والانتقال الديموقراطي إلى جيل الوعي الأوروبي والإنساني الجديد، والدعم اللامشروط من العاهل فيليبي السادس!
لا أحد يسأل زعماء “بوديموس” إلى أي حد يستوجب الوعي الحي البقاء في الحكومة في الوقت الذي يتهم قائدها ببيع البلاد في صفقة مخزية، ولا أحد يمكن أن يعفيه من الجواب عن سؤال الخزي السقراطي: كيف تتنكر لتقرير المصير في كاطالونيا وتعض عليه بالنواجد في الداخلة؟
نفس السوال من شرفة أخرى إلى الحزب الشعبي، الذي يقود حربا لا نهاية لها ضد الانفصاليين في كاطالونيا، ويقف في الزاوية نفسها مع الحزب الباسكي الذي يعد الوريث المقنع لمنظمة ايتا الانفصالية عندما يتعلق الأمر بالانفصال عند المورو؟
إن المهم ليس هو تبرير ‬الحنين بلغة تبدو طاعنة في الحقوقانية ،بل تدارك الخلل في ‬الواقعية السياسية، الذي يمنع أصحابه من النظر إلى المستقبل..‬ والتغيرات الحاصلة الآن، كمقدمة له!
كان بيدرو سانشيز في ‬مستوى اللحظة عندما عرض عليه ملك المغرب ورئيس الدولة، ‬مصالحة القرن والقرن الذي يليه..واختار الانحياز إليها.
يربح كثيرا، من ‬يعي ‬المستقبل ويطلع، بفعل السياسة والكياسة والفراسة، على بعض من مفاجآته الجميلة..‬
وحده المستقبل في ‬هذه الحالة، ‬يبدو قادرا على بناء فكرة ما عن الراهن وربما عن التاريخ الذي ‬يجمعنا..‬كله!
لقد كانت إسبانيا جزءا من حلم مغربي في الانتقال الديمقراطي وفي بناء القاعدة الحداثية له، وفي العدالة الاجتماعية والقدرة على عقد مصالحات مَأْسسها دستور عميق وقابل للتطوير بل قابل حتى للتصدير في حالات كثيرة.إسبانيا هاته، تدرك مع بيدرو سانشيز أن أحد طرقها إلى المستقبل يمر عبر .. المغرب!
بيد أن إسبانيا، التي كانت موضع إعجابنا، يمكن أن تستيقظ شياطينها في لحظة تاريخية قوية، ولا يمكنها أن تروضها إلا بقراءة ذكية للجرأة، ذلك أن الشجاعة هي أيضا قضية عقلانية ونضج جيواستراتيجي…
لم يجد المغرب في الشرق من يصافح اليدَ التي مُدت إليه، لأنه لم يجد رجل دولة يمكن أن يحمل التاريخ على أكتافه ويدعو إلى المستقبل بالوعي الذي يتطلبه ذلك وبالجرأة التي يتطلبها العمل المشترك.. والذين يريدون أن يعود مستقبل إسبانيا إلى مداعبة الجوار الشرقي، مخطئون في البديل، لأن ما يعرضه هؤلاء هو لحظة نزاع لا تنتهي، وتوتر يجعل المنطقة على صفيح ساخن، ودولة قزمية تحت حكمهم، برعاية إيرانية، وبجوار تتراقص فيه أطياف داعش والشباب الصومالي وبوكو حرام … والانقلابات!
والأكثر من ذلك، وكما اتضح مع بداية مسلسل العودة إلى ماضي الإرهاب الانفصالي،(انظر مادة في الموضوع في الصفحة 3) يتأكد بأن الرعاية الرسمية لإرهاب الانفصال من طرف الجزائر امتد إلى الإسبانيين أنفسهم.
واليوم عادت أسماء الضحايا إلى سطح الأحداث، دخلت إلى البرلمان وصار على إسبانيا أن تنظر بعينين مفتوحتين في وجه قتلاها، والجيل الذي انساق ربما بسبب البعد الزمني أمام شهادات ووثائق عن الإرهاب داخل إسبانيا والهجوم على الجيش الإسباني والعمال الإسبانيين واحتجازهم في تندوف..
ولن يتم إغلاق هذا الملف…
إن وجود الذي يوجد،لا يعفينا في المغرب من لعب الدور الذي علينا لعبه ككيانات سياسية، من اليمين الوطني إلى اليسارالتقدمي والراديكالي الوطني.
نحن مطالبون بأن نجتهد ونسائل شركاءنا الحزبيين، ونساعدهم على إنضاج الموقف الذي يشرفهم ويخدم المرحلة القادمة.
هذه مهمة التعددية الحزبية التي لها معنى..

[email protected]  

error: