ذاكرة الحفظ وعصا التوكؤ

  • رشيد أمديون

سئل موسى: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ»1؟ ففصل الإجابة. محددا ملكيته للعصا ووظيفتها وفوائدها بالنسبة إليه: «قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ »2. فياء المتكلم تضمر ما يفيد رغبةَ موسى في تحديد ملكية العصا، بإضافتها إليه «هي عصاي». بمعنى أن التخلي عنها محال، لأنها من خصوصياته. وما كان يعلم وهو يجيب على سؤال من «يعلم السّر وأخفى»، أن عصاه ستتعدد وظائفها بعد ذلك وتتجاوز سقف توقعه. تصبح آية، معجزة يعرضها أمام فرعون وقومه؛ عصاه التي كان يتوكَّأ عليها ويهشُّ بها على غنمه، تتحول إلى طبيعة أخرى؛ يتوكأ عليها في دعوته (كآية وبرهان على صدق رسالته)، ويهش بها على قومه (لعلهم يؤمنون ويهتدون).

تأخذ العصا رمزية القائد للمكفوف. تهديه السبيل والطريق. يتكئ على وظيفتها القيادية. والاتكاء يعني الاعتماد، يعتمد عليها ليتبين طريقه. وأبو العلاء المعري يعتبر العصا في يد الأعمى أفضل من القائد المصاحب، يقول في لزومياته:

عَصا في يَدِ الأَعمى يَرومُ بِها الهُدى * أَبَرُّ مِن كُلِّ خِدنٍ وَصاحِبِ3

لم يكن المعري مبصرا، لكنه كان يعتبر نفسه صاحب بصيرة قوية تقود الناس نحو الصواب:

لَو اِتَّبَعوني –وَيحَهُم- لَهَدَيتُهُم * إِلى الحَقِّ أَو نَهجٍ لِذاكَ مُقارِبِ4

يخبرنا “ابن عديم” في “الإنصاف والتحري” أن للمعري ذاكرة عجيبة تسمح له بحفظ كل شيء يُعرض عليه5. لعل العمى أحوجه إلى عصا يتوكأ عليها. ذاكرته الحافظة هي عصاه. أيهش بها على تلاميذه؟ سئل مرة: «بم بلغت هذه الرتبة من العلم؟ قال: ما سمعت شيئا إلا وحفظته، وما حفظت شيئا فنسيته»6. لمّا شب عن الطَّوْق استغنى عن أخذ العلم من أفواه الرجال، قال: «منذ فارقتُ العشرين من العمر، ما حدثت نفسي باجتداء علم من عراقي ولا شآم»7.

صار مرجعا يؤخذ منه العلم. كان الناس يلجأون إليه إذا تعذر عليهم الحصول على نسخة من كتاب مفقود أو مبتور. يقول ابن عديم: «أن رجلا من طلبة العلم باليمن، وقع إليه كتاب في اللغة سقط أوله، […] فخرج إلى معرة النعمان، واجتمع بأبي العلاء بن سليمان، وعرّفه ما حمله على الرحلة إليه، وأحضر إليه ذلك الكتاب، وهو مقطوع الأول. فقال له أبو العلاء: اقرأ منه شيئا، فقرأه عليه. فقال له أبو العلاء: هذا الكتاب اسمه كذا، ومُصَنِّفه فلان بن فلان. ثم ابتدأ أبو العلاء فقرأ له أوّل الكتاب، إلى أن انتهى إلى ما هو عند ذلك الرجل»8.

لنا الحق أن نتصور المعري (الأعمى) يقود الباحثين عن الكتب. بماذا يقودهم؟ بذاكرة حفظه.  كل من أراد أن ينهل من علمه وأدبه، يقوده بعصا ذاكرته التي يتوكأ عليها.

إن ذاكرة الحفظ كانت قديما ملاذا وملجأ إذا فُقد كتاب بسبب الضياع أو الحرق. إنها (مجازا) عصا تدل الناس على ضالتهم وتهديهم إلى بغيتهم. فالكل يتوكأ على عصا الحافظ، إلى أن يُدوَّن عنه ما حفظ. بالحفظ نقلت إلينا أغلب العلوم والأشعار وغيرها. التراث العربي كان في الأصل محفوظات، كالشعر الجاهلي، وكالحديث النبوي… قبل حركة التدوين.

إذا اطلعنا على التاريخ المغربي نجد أن كتبا أعدمت حرقا. كتاب “الإحياء” على سبيل الذكر؟ ورد في المصادر التاريخية أنه «اتفق فقهاء قرطبة على إغراء علي بن يوسف بإحراق كتاب إحياء علوم الدين للغزالي. […] تزعم حركة الفقهاء المضادة، القاضي ابن حمدين، فكفر كل من قرأ الكتاب المذكور، واستصدر “علي” فتوى من الفقهاء بإحراق الكتاب في الأندلس والمغرب»9. لعل هذا الأمر نتج عن الهوة التي اتسعت ما بين الفقهاء والصوفية، «فخشي الفقهاء على سطوتهم في الأندلس، بدخول كتاب الإحياء الذي جمع بين أحكام الورع والاقتداء وآداب المتصوفة واصطلاحاتهم»10.

القاضي محمد بن حمدين تزعم الحملة من قرطبة. فقام الاجماع من علماء الأندلس على أن الكتاب يضر بالمسلمين. من الفقهاء من عارضوا هذه الحملة، إلا أن نفوذ فقهاء السلطان في عهد علي بن يوسف بلغ أشده، إذ كان لا يقطع أمرا إلا بمحضر أربعة منهم11.

الناظر إلى طبيعة العلاقة من جهة المرابطين نحو الغزالي يجد أنها كانت علاقة قائمة على التقدير لمكانته العلمية. تجلى ذلك في المراسلات التي كانت بين يوسف ابن تاشفين والغزَّالي. نتذكر موضوع الفتوى! الغزالي من الذين أفتوا لابن تاشفين غزو الأندلس للقضاء على ملوك الطوائف. فهل اختلف الأمر في عهد خليفته علي بن يوسف؟ الأمر اختلف. لأن التعصب المذهبي في هذه المرحلة بلغ مبلغا (والتعصب يعني العمى). فتجلت مظاهر التوتر في علاقة الفقهاء بالصوفية، رغم أن الغزَّالي يجمع بين التيارين معا. لكن الاحتراز من طرف فقهاء المالكية جعلهم يقدمون على إحراق كتابه. بعد قيام الدولة الموحدية، عاد الكتاب إلى الساحة الثقافية والعلمية. مؤلفات الغزَّالي كلها انتشرت بين المهتمين. نتساءل لماذا اعتنى الموحدون بكتب الغزالي رغم أن المرابطين أحرقوا الإحياء؟

تحدث ابن خلدون عن مؤسس دولة الموحدين محمد بن تومرت فقال: «ولقي فيما زعموا أبا حامد الغزالي [..] وانطوى هذا الإمام راجعا إلى المغرب بحرا متفجرا من العلم»12. ابن تومرت «خريج المدرسة الغزالية وناشر تعاليمها في المغرب»13. أليس هذا سببا في عودة “الإحياء”، مع بداية حكم الموحدين، إلى الساحة العلمية والثقافية، واعتماد تدريسه في بعض المساجد. بل وُضعت له الشروح.

هناك كتب أخرى تمت مصادرتها وإحراقها. هذه المرة على يد من أنقذوا الإحياء. اتَّبعوا نفس نهج المرابطين أو –لنقل- نهج علي بن يوسف، حتى لا نعمم الفعل على كل أمراء هذه الدولة. عبد الواحد المراكشي الذي عاصر الموحدين، يقول في كتابه المعجب في تلخيص أخبار المغرب: أن أبا يوسف يعقوب المنصور «أمر بإحراق كتب المذهب بعد أن يجرد ما فيها من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن، ففعل ذلك، فأحرق منها جملة في سائر البلاد»14. عن أي مذهب يتحدث؟ إن دولة المرابطين التي سبقت الموحدين في حكم المغرب، دولة فقهاء، تأسست على الفقه المالكي ودعوة عبد الله بن ياسين المالكي.

نقرأ للمراكشي في موضع آخر: «وكان قصده في الجملة محو مذهب مالك وإزالته من المغرب مرة واحدة، وحمل الناس على الظاهر من القرآن والحديث، وهذا المقصد بعينه كان مقصد أبيه وجده، إلا أنهما لم يظهراه وأظهره يعقوب هذا»15. هل كان الدافع إلى محو مذهب مالك من المغرب هو محو أثر دولة المرابطين البائدة، أم أنه التجديد الفقهي الذي اقتضته تلك المرحلة؟

أعلن المنصور أوامره بمنع كل الفقهاء والطلبة من الاشتغال بالفقه المالكي وفروعه، بعدما أمر بإحراق الكتب التي تخص هذا المذهب، ومنها: «مدونة سحنون، وكتاب ابن يونس، ونوادر ابن أبي زيد ومختصره، وكتاب التهذيب للبراذعي، وواضحة ابن حبيب، وما جانس هذه الكتب ونحا نحوها..»16. لم تؤثر تلك الحادثة في الحركة العلمية في عهد المنصور، بل على العكس، ساهمت -حسب المؤرخين- في فتح باب الاجتهاد. نشطت الحركة العلمية. عرف المذهب الظاهري نشاطا كبيرا في ذلك العصر. وظهر في أيام يعقوب ما كان خفيا قبله. نال عنده طلبة علم الحديث ما لم ينالوه في أيام أبيه وجده. ولكن هل استطاع القضاء على المذهب المالكي؟ هل استطاع أن يمحو كل أثره بعد حادثة الإحراق؟

رغم تلك الحملة المنظمة من رجال الدولة للقضاء على هذا المذهب، كُتب المالكية عادت إلى الساحة العلمية والثقافية بعد زمن قصير من حرقها. لعل ذلك راجع إلى تعلق الفقهاء والناس بالمذهب الذي درَسوه ودرّسوه، وتعبدوا به زمنا طويلا، منذ أن ساهم المرابطون في نشره في كل بقاع المغرب الكبير والأندلس.

على كل حال، يرجع فشل الدولتين في مسعاهما إلى سياسة العنف التي انتهجت لفرض الرأي بالقوة. وعلى هذا نقرأ أن كتاب الإحياء عاد للتداول بعدما أحرق في عهد علي بن يوسف. وأمهات كتب الفقه المالكي عادت أيضا إلى الظهور والانتشار. فكيف تم ذلك؟

كان المعري مرجعا، يلجأ إليه الناس إذا تعذر عليهم العثور على كتاب مفقود. ماذا إذن؟ الكتب التي أحرقت، حفظتها ذاكرة الفقهاء والحفاظ. لم يصعب على الناس أن يجدوا من يستظهر ما حوته. ورد في كتاب “نيل الابتهاج في تطريز الديباج” أن عبد الله بن عيسى بن محمد التادلي الفاسي كان حافظا محصلا وفقيها، «كتبت المدونة من حفظه بعد أن أمر الموحدون بحرقها»17. أما صاحب النبوغ المغربي فيقول: «وهذا الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن عيسى التادلي الفاسي الفقيه الحافظ المحصل المتوفي سنة 623 يذكر المؤرخون في ترجمته أن المدونة كتبت من حفظه بعد أن أحرقها الموحدون أي نفس الوقت تقريبا. ومما لا شك فيه أن غيره كثيرون ممن كتبت الكتب الأخرى المحروقة من لفظهم وحفظهم»18. هكذا توكأ المغاربة على عصا ذاكرة حُفاظهم لاستعادة ما ضاع من الكتب.

يأتي إلى الذهن تصور ما، فنتساءل: أحقا ترتبط العصا بالحفظ؟ نقرأ مثلا في مذكرات محمد عابد الجابري “حفريات في الذاكرة”. يتحدث عن المسيد (الكُتَّاب)، يقول: «كل طفل يكرر جهارا الآيات المكتوبة على لوحته، [..] والفقيه ينصت للجميع يصحح الخطأ ويراقب النطق ويشهر بعصاه القصيرة أو المتوسطة أو الطويلة، حسب الحالة»19، مهمة العصا هنا القيادة، تقود الأطفال إلى الحفظ، وذاكرتهم تستمد من العصا المرفوعة صرامتها واستقامتها. والعلم بعد استقامته في الذاكرة، يحتاج إلى الإلقاء، والإلقاء يُسنَدُ بالرهان والحجة لهذا قال تعالى: «فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ»20. هنا نلاحظ أن ما كان يُتوكأ عليه، صار يُستدل به. فكل ما حفظ هو زاد للحافظ، يتوكأ عليه متى احتاجه.

المراجع والمصادر

  1. طه، الآية: 17

  2. طه، الآية: 18

  3. أبو العلاء المعري: شرح اللزوميات، إشراف ومراجعة: حسين نصار، الهيئة المصرية العالمة للكتاب-مصر، 1992، ج1، ص: 167

  4. أبو العلاء المعري: شرح اللزوميات، السابق، ص: 168

  5. ابن عديم: الإنصاف والتحري، ضمن تعريف القدماء بأبي العلاء، الدار القومية للطباعة-القاهرة 1965، إشراف طه حسين، ص: 544

  6. ابن عديم: الإنصاف والتحري، المرجع السابق: ص: 551

  7. علي كنجيان خناري: مصادر ثقافة أبي العلاء المعري، الدار الثقافية للنشر-القاهرة، 2001، ص: 37

  8. ابن عديم: الإنصاف والتحري، السابق، ص: 560

  9. إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ، دار الرشاد الحديثة-الدار البيضاء، 2000، ج1، ص: 169

  10. إبراهيم حركات: المغرب عبر التاريخ، السابق، ج1، ص: 180

  11. نفسه، ص: 180

  12. ع الرحمان بن خلدون: تاريخ ابن خلدون، دار الفكر-بيروت، 2000، ج6، ص: 302

  13. عبد الله كنون: النبوغ المغربي، ط2، 1960، ج1، ص: 122

  14. عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، تحق. محمد سعيد العريان، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي- القاهرة، 1963، ج ص: 354

  15. عبد الواحد المراكشي: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، السابق، ص: 355

  16. نفسه ص: 354

  17. أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، منشورات كلية الدعوة الإسلامية-طرابلس، ج1-2، ص: 214

  18. النبوغ المغربي، السابق، ص: 122/123

  19. محمد عابد الجابري: حفريات في الذاكرة من بعيد، مركز دراسات الوحدة العربية-بيروت، 1997، ص: 47

  20. الأعراف، الآية: 107

error: