نقاد ومبدعون يلتئمون بخنيفرة في جلسة نقدية حول رواية “حين يزهر اللوز” لكاتبها محمد أبوالعلا

  • أنوار بريس (أعدها للنشر أحمد بيضي)
بعد غياب قسري فرضته تداعيات جائحة كورونا، دشن “منتدى الأطلس للثقافة والفنون”، بخنيفرة، برنامجه الثقافي والفني، لهذه السنة، بفقرة “كاتب ونصه”، خصصت مائدتها لتسليط الضوء على  رواية “حين يزهر اللوز” لكاتبها د. محمد أبوالعلا من خلال جلسة نقدية شارك فيها لفيف من النقاد من خارج الجهة ومن داخلها، وذلك بتنسيق مع مديرية الثقافة لجهة بني ملال خنيفرة وبحضور جمهور وازن من مثقفين وفنانين ومجتمع مدني ومهتمين بالشأن الثقافي المحلي.
اللقاء الثقافي الذي احتضنه “المركز الثقافي أبو القاسم الزياني”، مساء السبت 18 يونيو 2022، واختير لتنشيطه الفاعل المدني ذ. محمد كونبر، افتتح بآيات بينات من الذكر الحكيم للمقرئ سليمان بوستة، وبكلمة لرئيس المنتدى، د. محمد أبوالعلا، الذي ذكٌر من خلالها ب “أيام كوفيد العجاف التي رانت على النفوس والأبدان وأحالت التواصل عن قرب إلى افتراض، بل وأزهقت روحا عزيزة، ويتعلق الأمر بعضو منتدى الأطلس للثقافة والفنون، الباحث السيميائي مصطفى الدهابي، الذي لم يمهله الأجل المحتوم لإكمال مشروعه الأكاديمي الطموح.
وبعد قراءة الفاتحة على روح “فقيد المنتدى”، لم يفت رئيس المنتدى التقدم بعبارات الشكر لمن تجشم القراءة وبعد المسافة لحضور الندوة إلى جانب الأسماء النقدية الفاعلة بالمدينة، بينهم ذ. عبدالله لغزار ومصطفى هاشمي، في إطار مواكبة الجلسة النقدية وتمثيل دار فالية، بعدها أعطيت الكلمة لرئيس الجلسة الناقد والباحث ذ. مصطفى داد الذي أدار أطوارها بكفاءته الإبداعية والنقدية، قبل الدخول في صميم الجلسة التي تميزت بمشاركة النقاد والباحثين، د. الحبيب الدايم ربي، د. محمد بوعزة، ذ. مصطفى فروقي، ذ. حميد ركاطة، ذ. حسام الدين نوالي، ذ. المحجوب العرفاوي.
من جهته، انطلق الناقد والروائي د. الحبيب الدايم ربي في مداخلته، المعنونة ب “حين يزهر اللوز أو الإقامة بين قيامتين” من الإشارة إلى “الإحداثيات المجالية والتاريخية التي أطر من خلالها الكاتب محمد أبو العلا تخييله الروائي الذي دارت وقائعه في منطقة الأطلس خلال فترة الاستعمار الفرنسي وبدايات الاستقلال”، ليتوقف الناقد عند “فعل التحبيك في رواية “حين يزهر اللوز” إن على صعيد اختيار الشخصيات والفواعل الحكائية وإدارة البرنامج السردي، أو عبر التوظيفات المتنوعة للإحالات والمرجعيات العالمة والشعبية، وخاصة ما له صلة بالموروث الثقافي لمنطقة الأطلس”، ما “منح النص تضريسا، تصادت فيه حقول معرفية وإبداعية، كان للمسرح فيها حظ وافر، سيما وأن الدكتور محمد أبو العلا أتى إلى الرواية  من  جهة المسرح، تنظيرا وممارسة”.
ولعل هذا الزخم في كتابة رواية” حين يزهر اللوز” بأدوات، هي في العادة “غير روائية”، يضيف د. الدايم ربي، أكسبها عمقا فنيا وجماليا، بل “جعل منها مرافعة إبداعية تنتصر لسردية الأعالي ، ومساهمة لافتة في إغناء  المحكي الريفي ببلادنا، خاصة في ظل هيمنة السرود التي ظلت في غالبيتها تدور في فضاءات مدينية، ليختتم المتدخل  ورقته منوها بعمل الأستاذ أبو العلا، ومشيرا إلى كون “روايات القرب”، ومنها رواية “حين يزهر اللوز”، أي الروايات التي تعطي أهمية لإبراز الخصوصيات المحلية، ضمن المشترك الإنساني، هي  الأفق الممكن لخروج المتخيلات الروائية من التنميط والتشابه اللذين بات يتهدد الروايات التي تدور وقائعها بالمدن”.
أما الناقد الروائي د. محمد بوعزة، (أستاذ بالمدرسة العليا  للأساتذة بمكناس)الذي أجبرته بعض الظروف الطارئة عن عدم الحضور، أبى إلا المشاركة بورقة تلاها نيابة عنه ذ. محمد كونبر، حيث اقترح لها “تمثيل الهامش في رواية حين يزهر اللوز”، مؤكدا على “أننا حين نقرأ نص “حين يزهر اللوز” لا نشعر أنه النص الأول، أو نص البداية الذي يعلن دخول الكاتب والناقد محمد أبو العلا إلى محفل الكتابة الروائية، بعد أن جرب الكتابة في حقل النقد والكتابة المسرحية، نكتشف أن الكاتب متمرس بالكتابة الروائية، وبعناصرها الأدبية والفنية.
ومن خلال شكل الكتابة وطريقة السرد واللغة التي كتبت بها هذه الرواية، يضيف د. محمد بوعزة، “نستطيع القول بأن نص “حين يزهر اللوز” كتب بوعي جمالي وأدبي رفيع، يستلهم جماليات الرواية الحداثية سواء على صعيد الرواية العربية أو الرواية العالمية، معللا الإبدالات الثاوية في البنية النصية والميتانصية للرواية”، و”تشكل هذه المعرفة المتعددة مدخلا للخطاب الميتا سردي في الرواية، كما يتجسد مثلا، في فصل “محكي المنجم”، ومن خلال تمثيلها لهذا الهامش البعيد والعميق تستكشف رواية “حين يزهر اللوز” جانبا مجهولا من كينونتنا المغربية وثقافتنا، وتلقي عليه الضوء لتعيد موضعته في الذاكرة الجماعية والثقافية”.
و”بهذا التمثيل السردي الكاشف لجانب غير مرئي من ذاكرتنا الجماعية وهويتنا الثقافية على مستوى التمثيل الثقافي، يقول د. بوعزة، تتبوأ رواية “حين يزهر اللوز” اليوم منزلة الرواية المعرفية، فالرواية التي لا تستكشف جانبا ما يزال مجهول الوجود ليست رواية، كما يقول ميلان كونديرا، ” إن أخلاقيات الرواية هي المعرفة”. 
في حين رأى الناقد والباحث ذ. المصطفى فروقي، في ورقته المعنونة ب “سرديّة الجبل وسؤال الهويّة في رواية حين يزهر اللّوز” أن الرواية “أوّل عمل روائي في السجلّ الإبداعي للنّاقد المسرحيّ المغربي محمد أبو العلا الذي دأبت مؤسسة الأدب على تصنيفه ضمن قائمة الباحثين والنقّاد، وأن المتأمل لعوالمها يجدها عبارة عن فرجة معرفية تتمظهر من خلال محكيات موزّعة بين السّارد (ادريس الفاكتور) وشخوص تخييليّة أخرى (الجبلي، العالية، العربي ستيام، موحى الدرامي، السهلي، المقدم علي، استاتي الجبل، رحال، القائد،…).
والشخوص تشارك السارد نفس الفضاء الذي تجري فيه الوقائع، وهو فضاء الجبل الذي سيصبح في الرّواية “منبعا سرديّا” مركزيّا منه ستنبثق كلّ “المجاري” الحكائية الأخرى التي جعلت من تاريخ الأعالي تاريخا قابلا للمعاينة والتّحديد وذلك من خلال تشخيص مفصّل ودقيق للتحوّلات والحالات التي مرّت منها قرية منجميّة هي بمثابة عنوان هذا الجبل القاسي، جبل الرواية، وذلك في سعي للإمساك بما لا تمسك به الكتابة التّاريخيّة وهي تحلّق فوق هذا الفضاء المنيع.
وبدوره اختار الناقد والروائي ذ. حميد ركاطة المشاركة بورقة تحت عنوان “تجاذبات المسرحي والروائي في حين يزهر اللوز”، للحديث عن “التقاطعات المختلفة بين المسرح والرواية في إطار التحول الذي عرفته الرواية العربية على مستوى عوالمها التخيلية، وانفتاحها على ممكنات كتابة جديدة”، وبالتالي “علاقتها بباقي الأشكال الفنية والتعبيرية التي مكنتها من تشييد أكثر من لبنة ملفتة للانتباه”، ومن هذا المنطلق تشكل رواية “حين يزهر اللوز” للدكتور محمد أبو العلا، يقول ذ. ركاطة، ورشا إبداعيا وجماليا مفتوحا، يتداخل فيه السرد الروائي بالكتابة المسرحية  الدرامية. 
ورأى ذ. ركاطة أن الرواية “وظفت خطابات مغايرة، منها الخطاب السردي الذي انتقل من طابعه الكتابي نحو تلفظ شفوي محض، معززا بتوجيهات مسرحية، وتضمين الإرشادات المسرحية، وإيقاع الجسد، وحركة الممثلين،. وهو ما يدفعنا للتساؤل عما هي  حدود وممكنات وطبيعة هذا التحول من النص السردي الخالص إلى نص مثقوب، وقد تمت المقارنة بين بلدة تيبة وبلدة المنجم:”تيبة حل بها الطاعون، وبلدة المنجم أصابها الكساد، فتفرق الناس، حين أذن المؤذن بالرحيل”.
وبعده، تناول الناقد والسارد ذ. حسام الدين نوالي في مداخلته “الرواية ضد المدينة” علاقة الرواية بالمدينة في رواية “حين يزهر اللوز” من خلال “اشتغالها وتوظيفها للمكان، وأثره على الشخصيات وأحوالها ومواقفها…”، إذ الرواية من منظوره “اتخذت من الجبل مركزا أساسا لفضاءاتها وأحداثها وصراعاتها وتجاذبات السلطة فيها بين المخزن والساكنة، وأحوال الارتباط بالمكان”، حيث “التخلّص من كل ارتباط بالسهل وببلدة المنجم، والسعي للتشبّث بأعلى الجبل والتماهي مع البدو لم يتحققا في الرواية باكرا، بل تم بالتدريج على مساحة حكائية تداخلت فيها أحداث عديدة، أي أن التشبث بالجبل والتخلص من السهل ومن بلدة المنجم قد احتاجا إلى مساحة زمنية لإنتاج الأثر. 
والكتابة – التي تمثلها رسائل السكان في الرواية -، يضيف ذ. نوالي، “لا تنخرط في قضاياها بشكل آني، ولكنها تحتاج لإنضاج خطابها إلى مدّة مثلما يحتاج الرّحّل إلى مدة لإنضاج ثمارهم”، وهكذا فإن القارئ “سيكتشف أن الرواية لا تعنى في الحقيقة بـ “الكتابة عن الجبل” مثلما يبدو ظاهريا، ولكنها تعنى أكثر بـ “الكتابة من الجبل”، إذ تطمح الرواية إلى توجيه أهل الأعالي وتحفيزهم على التفكير في ذواتهم، وعلى اختراق صمتهم، مثلما تنتصر للمكتوب بدل الشفهي، إذ يعلن السارد في خاتمتها : “وددتُ أن أطل من النافذة المشرعة و(أصرخ)، إلا أني آثرت أن (أكتب)، فكتبت آخر السرد أو أوّله: المجد لك أيها الهامش”.
فكأنما الرواية تتخذ من الكتابة (السردية تحديدا) معادلا رمزيا للتنقّل والترحال وفتح آفاق وأمداء جديدة، ثم تدعو الجبل وأهلَه في الأعالي وقضاياهم التي ظلت مجهولة وعلاقاتهم- إلى الإقامة في الرواية  بعد أن أقامت فيها المدينةُ مدّة من الزمن.
أما الناقد والباحث ذ. المحجوب العرفاوي فقد سارت مداخلته في اتجاه “الكشف عن تعدد الخطابات المؤثثة لمتخيل الرواية، مبرزا كذلك الجانب الفني والجمالي، إذ تزخر الرواية من منظوره باللغة الشعرية وبالسرد المشهدي، حيث يحتاج هذا البعد إلى دراسة مستفيضة”، لقد قدم لنا الروائي محمد أبوالعلا، يقول العرفاوي، “رواية مبهرة نبشت في ذاكرة المكان بلغة الروائي وليس المؤرخ، رواية ذات منسوب هائل من الإدهاش على مستوى اللغة والشخوص والقوى الفاعلة والأحداث المتسارعة الموصولة بفضاء الجبل”،
فيما جاءت المداخلة النقدية للعرفاوي مدخولة بنقد نقد روائي منحاز إلى أسماء بعينها، منبها إلى أنه “آن الأوان إلى ضرورة التفات النقد للنصوص وليس للشخوص”، مقترحا “إدراج الرواية ضمن مادة دراسة المؤلفات الخاصة بالجهة”.
ذلك قبل تتويج الجلسة النقدية بكلمة لمؤلف الرواية، د. محمد أبوالعلا، الذي اعتبر روايته “مرافعة تخييلية للهامش بشخوصه وفضائه وتيماته”، مشيرا إلى أنه، وبعيدا عن أي تسرع، “كتب روايته كلمة كلمة على امتداد سنوات، لأن رهان الكتابة لديه هو الكتابة للتاريخ وليس لغرض آخر”، فيما رأى “ضرورة محاسبة الذات الكاتبة  قبل أن يحاسبها الأخر”، من خلال قوله: “لقد كنت واعيا بتحدي الانتقال من المسرح إلى الرواية، على الرغم  من تماس الخطابين وتقاطعهما على مستوى الفروع والأصول”.
ولم يفت د. أبوالعلا إبراز ما يفيد “أن جواز المرور إلى نفوذ قبيلة ممانعة، حتم عليه مراجعة أوراق جواز سفره قبل العبور، معتبرا أن مصداقية الكاتب هي التزام الصدق في كتابة تخييلية موصولة بالواقع القريب وليس المفارق، حيث شكل الجبل أعلاه وأسفله ـ المنجم ـ ثنائية تخييله الروائي الأثير”، شاكرا في الأخير النقاد المتدخلين على إضاءتهم له مسارب مضمرة، يعول عليها إن في طبعة ملحقة أو رواية لاحقة.
error: