رأي/ تنمية الرفاه المادي: أية آفاق؟

  • محمد باجي (°)
يجمع الكثير من الباحثين والمفكرين على كون التنمية الحقة هي تلك التي بمقدورها أن تتسم بالديمومة والاستمرارية التي تضمنها مداخل أساسية كالإرادة السياسية لدى الحكام والتعليم الجيد الباني لأجيال الراهن والمستقبل في أي مجتمع كيفما كان، وهما أي الإرادة السياسية والتعليم الحديث مدخلان متلازمان يضمنان كما أسلفنا ديمومة التنمية واستمراريتها.
إذا كان الطرح أعلاه عين الصواب، وهو ما نراه كذلك ونتفق بشأنه، فإنه بالمقابل تظهر عيوب تنمية الرفاه المادي جلية واضحة، هذه التنمية التي يعاب عنها ارتباطها باللحظة المعيشة فقط، في غياب أي تشخيص وتخطيط وتدبير عقلاني، حيث إن دعاة هذا الطرح يولون الاهتمام للرفاه المادي والبذخ الفاحش، الذي يكون مصدره الثروات الوطنية التي تستنزف عبر استقدام الشركات الأجنبية والعابرة للقارات ومعها يد عاملة أجنبية مكونة بطبيعة الحال، وهو أمر غاية في الخطورة كونه يغيب الطرف الأساسي في التنمية المحلية ألا وهو الإنسان المنتمي لتلك الرقعة الجغرافية، الذي يتم تدجينه وينمى فيه الكسل والخمول والاتكال على الغير، فيصير مجرد مستهلك، لا ينفع مجتمعه بأي شيء، بل إنه يضره وهو يساهم في الاستنزاف العشوائي والتبذير لخيرات وثروات الوطن التي ستحتاجها أجيال المستقبل.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتجاوزه إلى مسألة أخرى أكثر خطورة تتجلى في الجهل المركب الذي يعيشه أفراد هذا المجتمع الاستهلاكي والرفاهي والمادي، كونهم لا يولون أي اهتمام، وهي سياسة حكامهم، للتعليم الجيد والتكوين وامتلاك الخبرات والمهارات التي تغنيهم، لو كانوا نبهاء، عن أي اتكال على الأجانب وهم يستنزفون الخيرات ومصادر الثروة المحلية، ويعيدون تصنيعها ورسكلتها بفعل خبراتهم، ليعيدوا تسويقها بأثمنة جد مكلفة تشكل للأسف الشديد هدفا تنافسيا بين السكان المحليين بدلا من أن يكون التعليم والتكوين والخبرة والمهارة حقولا لذلك التنافس.
ويمكن أن نسوق في هذا الصدد أمثلة لبلدان عربية تبقى التنمية فيها تنمية رفاه مادي، وتنمية واجهات يغذيها البذخ الفاحش كالإمارات العربية المتحدة والسعودية، إن لم نقل معظم دول الخليج العربي، وهو وضع سبق للمفكر المغربي المرحوم المهدي المنجرة أن نبه إليه، وهو بصدد تفكيك مفهوم التنمية، حيث قدم بالمقابل نماذج تنموية استطاعت أن تبني تنميتها المحلية وفق خصوصياتها الإقليمية.
ذلك كما هو الحال مع اليابان، هذا البلد الذي استطاع أن ينمي الإنسان بدلا من بناء الجدران، فكان لنظام التعليم الذي تبناه تأثير وازن على ديمومة التنمية واستمراريتها، رغم أنه خرج من أزمة سياسية وإنسانية مكلفة عقب قصفه من طرف أمريكا بقنابل نووية، نظام بنى الإنسان المحلي وصقل مواهبه وحين ولا زال يحين معارفه ومهاراته وخبراته، حتى يكون قادرا على إيجاد حلول لمختلف الأزمات التي قد تعصف بالبلاد.
مما سبق نستنتج أن تنمية الرفاه المادي لا تخدم مصالح الشعوب التي تعيشها، وإن كانت ظاهريا تبدو شأنا لدى البعض، لأن هذا النوع من التنمية قاصر وبدون آفاق ومتسم بعيش اللحظة دون تخطيط، وذلك راجع لسبب وجيه يتجلى في تغييب طرف أساسي هو بناء الإنسان القادر على حل أزماته، وبالمقابل تبقى التنمية البانية للإنسان والمقترنة بالإرادة السياسية المتبنية لنظام تعليمي حديث ومنفتح على المستجدات تنمية حقة لتوفرها على شرط الديمومة والاستمرارية.
(°) أستاذ بسلك التعليم وفاعل مدني
error: