جرادة مالحة.. إنسان العصر الحديث تحت ضغط التحول إلى سلعة…

في فيلمه “جرادة مالحة” الذي تم عرضه في إطار مسابقة الأفلام الروائية الطويلة ضمن الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم المقامة حاليا بطنجة، يطرح المخرج المغربي إدريس الروخ قضية إنسان العصر الحديث إذ يخسر تحت الضغط معركة الحفاظ على مقومات الذاكرة والهوية، ويتحول إلى منتوج وسلعة في يد الغير، ليصبح مجرد أداة يتم توظيفها حسب رغبة قوى “غامضة” تخضعه لإرادتها وتجعل منه ألعوبة تحركه كما تشاء.

الفيلم الذي يصنف ضمن فئة أفلام الإثارة النفسية، يحكي على مدى 125 دقيقة قصة شابة تدعى أمل (تشخص دورها منى الرميقي) تستهدفها منظمة غامضة ذات نفوذ تسعى إلى التحكم في الناس والسيطرة عليهم من خلال إخضاعهم لتجربة علمية تقوم على محو ذاكرتهم بشكل يسهل إعادة برمجتهم والسيطرة على شخصياتهم والتلاعب بهم في ما بعد.

ونتيجة لهذه التجربة تعيش أمل، أو رانيا كما اختارت المنظمة أن تسميها، سلسلة تقلبات نفسية وعقلية تحدث داخلها فوضى فلا تعود تعرف من هي ومن أين أتت وإلى أين تمضي. وفي خضم ذلك تأبى ذاكرتها النسيان فتعرض لها بين الفينة والأخرى ومضات تعود بها إلى ماضيها فتعمل الأدوية التي تمنح لها عملها فيها لمحو ذلك في معركة مستمرة يعمل خلالها أعضاء المنظمة على إقناعها بأنها مريضة نفسية.

تتطور أحداث الفيلم إذ تعرض للمقاومة التي تبديها الشابة رانيا، والتي تنتهي باكتشافها للمؤامرة التي تتعرض لها بسبب بعض الأخطاء التي وقع فيها القائمون على التجربة العلمية التي تخضع لها، حيث تحصل على ملف يضم معطياتها الشخصية الحقيقية وصورها وغير ذلك، فتفر به باعتباره “حامل هويتها الحقيقية” دون أن تتمكن من الإفلات.

ينتهي الفيلم بمشهد للشابة رانيا في هيئة شخصية سياسية صنعتها المنظمة التي أشرفت على عملية تسليعها وهي تستعد لإلقاء كلمة في حضرة الجمهور وفقا للدور الذي أريد لها أداؤه، قبل أن يحضرها مشهد من ذاكرتها يمكن من خلاله تمييز صوت يقول “أمل، استيقظي”، لتجد نفسها بين نداء التحرر والعودة إلى الذات في مواجهة ضغط التحكم والسيطرة والتسليع.

قضية التسليع هذه تحدث عنها المخرج ادريس الروخ بصراحة خلال النقاش الذي تلا عرض الفيلم، وهو يستحضر تأملاته في ما يقع للإنسان في العصر الحديث، والقضايا التي باتت تشغل باله وتؤثر على حياته من قبيل الحروب والأوبئة، والأحداث المتوالية الكبرى التي ما إن ينتهي أحدها حتى يبرز آخر، ليدخل الإنسان في دوامة يقول الروخ إنه يؤمن بأن قوى ما تحركها من وراء الستار، وتسعى للتأثير في مساره.

لا يتعلق الأمر بنظرية المؤامرة، حسب الروخ، لكن الفيلم في نظره يشكل دعوة مفتوحة للتفكير في مآل الإنسان، وكيف يمكن أن يتحول إلى “منتوج” و”بضاعة” تضعها قوى ذات نفوذ في خدمة أجنداتها السياسية والاقتصادية عبر العالم.

ليس في الفيلم أدنى إشارة إلى المكان الذي تم تصويره فيه، يقول الروخ، وباستثناء اللغة التي يتحدث بها ممثلوه، فلا شيء يمكن أن يحيل على جنسيتهم أو هويتهم أو الفضاء الذي تجري فيه أحداث الفيلم، وهو أمر مقصود باعتبار أن القضية التي يعالجها هي قضية إنسان العصر الحديث في كل مكان.

وعن عنوان الفيلم “جرادة مالحة” الذي يحيل بداهة على أرجوزة شعبية كان الناس يتداولونها في المغرب أيام القحط في الزمن البعيد، قال الروخ إن للأمر علاقة أكبر بما عاشه في طفولته حين كان يعمد رفقة أصحابه إلى التسلي بالجراد عبر نزع أرجله أو جناحيه ليرى كيف يمكن أن يتكيف مع الوضع الجديد. أكثر من ذلك، يقول الروخ، “كنا نضع الجرادة في قارورة نحكم إغلاقها حتى يقل الأوكسيجين ثم نفتحها بعد ذلك لنرى ما تفعل عند خروجها مختنقة”. فأمل، أو رانيا، في الفيلم، هي تلك الجرادة التي تتسلى المنظمة الخفية بكينونتها وتتفنن في تجريدها من ذاكرتها والتحكم فيها.

وإضافة إلى الممثلة منى الرميقي، شارك في بطوله الفيلم الذي كتب السيناريو الخاص به كل من إدريس الروخ وعدنان موحاجة، عدد من الوجوه الفنية من بينها عبد الرحيم المنياري، وكريم بولمال، وفاطمة الزهراء بناصر والخنساء باطما، وكذا إدريس الروخ الذي شارك أيضا كممثل.

وحصل فيلم “جرادة مالحة” على عدة جوائز من ضمنها جائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم روائي من مهرجان “تورونتو فيلم تشانل”، وجائزة أفضل مخرج في مهرجان “الإسكندرية لسينما البحر الأبيض المتوسط”، بالإضافة لجولة عروض مميزة في مهرجانات عالمية منها، “بافالو” بالولايات المتحدة الأميركية، و “أمستردام “، و “الرباط لسينما المؤلف”، و “دوربان ” بجنوب إفريقيا، و “مونتريال”، و “أبوجا السينمائي” في نيجيريا والعديد من المهرجانات العربية والدولية.

ويتضمن برنامج هذه الدورة ثلاث مسابقات تخصص أولاها للأفلام الروائية الطويلة، والمسابقة الثانية للأفلام الروائية القصيرة، والمسابقة الثالثة للأفلام الوثائقية الطويلة. وتشارك في مختلف هذه المسابقات الأفلام المنتجة منذ الدورة الأخيرة للمهرجان التي انعقدت من 28 فبراير إلى 7 مارس 2020.

وتضم لجنة تحكيم مسابقة الفيلم الروائي الطويل، التي يرأسها خبير القطاع السمعي البصري، إدريس أنور، كلا من المخرج لحسن زينون، والكاتبة والشاعرة ثريا ماجدولين، والناقد السينمائي، محمد طروس، والإعلامي والناقد السينمائي، بلال مرميد، إضافة إلى الملحن والموسيقار بلعيد العكاف، والكاتبة بشرى بولويز.

ويعد المهرجان الوطني للفيلم الذي ينظمها المركز السينمائي المغربي تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى غاية 24 شتنبر الجاري، تظاهرة سينمائية وطنية تكتسي طابعا فنيا وثقافيا وترويجيا تستهدف تعزيز تطوير السينما المغربية وتشجيع عمل المهنيين في القطاع وتوفير فضاء للقاء والتفاعل والتبادل.

error: