المونديال …بيان نساء المغرب

عبد السلام المساوي

يمكن أن تلمس التحول المجتمعي الذي يعرفه المغرب في حضور المرأة أو غيابها ؛ فلا أحد يجادل بالأمس واليوم وغدا ، أن المرأة هي المؤشر القوي والدال على التحول المجتمعي والتغير الفكري والأخلاقي والسلوكي ، فالمرأة هي عنوان الحداثة وقاطرة التنمية ومقياس تغير العقليات …ويظهر أن المرأة بالمغرب بدأت تنتفض على دونية الحريم وخسة الولايا لتعانق سمو الإنسان ورفعة المواطنة ، وهذا ما يمكن للسوسيولوجي أن يلاحظه من خلال معاينة الكثير من السلوكات التي كانت بالأمس القريب تدخل في لائحة ” الممنوعات والمحرمات ” !
زائر المغرب من أمكنة أخرى وأزمنة مختلفة ، في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وحتى في التسعينيات ، كان يعتقد أن المغرب دولة بدون نساء ؛ لا إمرأة تجوب الشوارع ، لا إمرأة في المقاهي ، لا إمرأة في الفضاءات العامة …مجتمع الذكور بعنترية ذكورية وموروث استبدادي ؛
هنا المغرب ، هنا الرجل …المرأة غائبة بالمطلق ، بل هي مغيبة قسرا وجهلوتا ، بل المرأة نفسها استبطنت الغياب والإنسحاب ، استبطنت الطاعة والسجن .
لا إمرأة تخرج من دار والديها أو دار زوجها ، لها خرجتان فقط وفقط ( خرجة إلى دار زوجها وخرجة إلى القبر )، وآمنا وعلى المرأة السلام ؛
المغرب بنسائه ، لم ولن نستسلم ونقوا نريد أن نصبح مواطنات مغربيات ، نريد مغربا بنسائه .
نحن النساء المغربيات الموقعات أسفله ، نخبر الرأي العام ، والسلطات المعنية ، أننا قررنا أن نصبح مواطنات ، وأن قرارنا هذا لا رجعة فيه .
فبعد تفكير عميق في وضعنا كنساء ، وبعد معاناة كبيرة ، وبعد صبر طويل ، خلصنا إلى أن العيش كامرأة في المغرب لم يعد مستحيلا .
وبعد سنوات من النضال ، وبعد تضحيات كثيرة ، اكتشفنا أن الأمور تغيرت ، وأن كل مجهودات القوى الحداثية والتقدمية في هذا البلد لم تذهب سدى …
المرأة المغربية في زمن مونديال قطر ، أثبتت أنها مواطنة أصلية وأصيلة ، عاشقة للراية ، فخورة بالانتماء إلى هذا البلد الأمين …جميلات المغرب ورود مزهرة ؛ شابات ، أمهات ، جدات …في الأماكن كلها ، في الملعب هناك في قطر ، وفي المقاهي والشوارع هنا في كل المغرب من أبعد قرية إلى أكبر مدينة : يرقصن ، يغنين ، يزغردن …فخورات بانتصارات المنتخب الوطني ، يصرخن بحب البلاد ( عاش المغرب …عاش الملك ) …
في كل وسائل التواصل الاجتماعي نقرأ ” شكرا للمرأة المغربية ” ، ونقرأ ( من نهار ولاو نسا اتفرجوا ويشجعو الفريق الوطني ، المغرب يربح …الربح من المرأة والخسارة من المرأة ) ، وبالمرأة المغربية سنرفع التحديات ونكسب الرهانات …
لا خوف على المرأة المغربية من الرجل المغربي ، فبعد كل انتصار خرجن إلى الشوارع فرحات ، يعبرن عن الفرحة بكل عفوية وتلقائية ؛ لا رجل مغربي يتحرش ، لا رجل مغربي يغتصب ، لا رجل مغربي يعتدي …إنه الوطن يحتاج إلى رجاله ونسائه بعناوين بارزة : الاحترام ، الحب ، التعاون …إنه مغرب المساواة والمناصفة…
من كان يعتقد يوما أن كرة القدم ستشغل جميلات المغرب ، وأن مدرجات الملاعب ستختنق بالمشجعات ؟
من كان يظن يوما أن الأمهات سيشجعن بناتهن على عشق ولعب الكرة ، بدل التنقيب على عريس ” يسترهن ” من عوادي العنوسة ؟
من كان يصدق يوما أن حسناوات سيرثن مهنة تشجيع ” المنتخب الوطني ” ، ويخلفن ” ظلمي ” المدرجات ؟
أين اختفى أولئك الذين صاحوا في وجه البنات مكانكن المطبخ ” ?
المغربيات اللاتي يشجعن أسود الأطلس ، تحركهن محبة هذا البلد ، والرغبة في رؤيته منتصرا فقط ، فائزا وكفى ، مرفوع الرأس لا غير ، قادر على منح المنتسبين إليه المكتوين بلوعة عشقه القدرة على التلويح بالأيدي في كل مكان إعلانا للجميع أننا من هاته الأرض ، وأننا فخورات بهذا الإنتماء ، بل إننا مكتفيات به ، وغير راغبات في غيره على الإطلاق .
كل مرة نقولها ، وسنرددها مجددا : على الذين لا يحبون المغرب إلا عندما تكون مصلحتهم مؤَمَّنة سالمة غانمة أن يتأملوا فرح المغربيات الجميلات، الفاتنات لوجه المغرب ، بكل صدق وبكل إيمان .
أتذكر ، وأنا إبن الناظور ، أنه في السبعينيات لا إمرة في الفضاء العام ، وكل من سولت لها نفسها التمرد على الأعراف والتقاليد فمصيرها أقسى العقوبات المعنوية والمادية ( أن تشاهد امرأة في الشارع العام فتلك الفضيحة وذلك هو العار ) ؛
في الموسم الدراسي 73 – 1974 وبثانوية عبد الكريم الخطابي كانت هناك تلميذتان وتلميذتان فقط من إقليم الناظور كله قبل أن يستقل إقليم دريوش ، تحضران لاجتياز امتحان الباكالوريا ؛ واحدة علمية والثانية أدبية !!!
زرت الناظور في الأسبوع الأخير ؛
تحول جذري ، ثقافة جديدة وسلوكات جديدة ؛ لاحظت أن المرأة الناظورية حاضرة بقوة وأخلاق ، إنسانة مواطنة ، في الشارع العام حاضرة ، في المؤسسات فاعلة ، في المجتمع رائدة …لاحظت جدات وأمهات وشابات أنيقات ومحترمات في المقاهي والمطاعم ، خصوصا مقاهي ومطاعم الكورنيش corniche ، واثقات الخطوة ومنتصبات القامة …نساء الناظور شامخات ، مواطنات ، زمن الحجر ولى !
زرت ثانويتي الكندي وعبد الكريم الخطابي ” مؤسستان عشت في أحضانهما في السبعينيات ” فسجلت أن نسبة التلميذات تعلو نسبة التلاميذ عددا وتفوقا ؛
المغرب بنسائه ….

error: