فيلم “ذاكرة للنسيان” للمخرج الهواري الغباري نبش في وضعية المرأة داخل مجتمع ذكوري

155٬822

رضوان أفندي

كنت أتوقع أن تحرز هذه التحفة السينمائية إحدى جوائز مهرجان سيدي عثمان للسينما المغربية، فكانت جائزة لجنة التحكيم من نصيبه.

تزويج قاصر . تفضيل الذكر على الأنثى منذ الولادة . تقدير قيمة طفلة بتعلمها الطبخ و العجن وخلافه لإعدادها لزواج مبكر . تحرش فقيه بصبايا و تغاضي أوليائهن عن تجاوزاته … تلك من تجليات ذاكرة تهوي بثقلها على نمط العلاقات و السلوكات ، وتكرس واقع الحيف و التخلف . ولا سبيل للإنعتاق من هذه القيود إلا بنسيان هذه الذاكرة والقطع معها، كشرط أولي للإنفتاح على آفاق أكثر رحابة و تحررا. يتم عرض كل هذا بلغة إيحاءات الكاميرا، دون حاجة إلى التقرير و المباشرة . و هذا ما تشير إليه شخصية المخرجة في الفيلم _ الممثلة نجاة الوافي _ ، عندما تثير انتباهنا إلى أن الكاميرا لا تكذب ، فهي تصور ما تراه كما هو بلا زيادة أو نقصان . وللمتفرج أن يستوحي ما يراه راجحا اعتمادا على قرائن الصورة . تتأطر مجريات الفيلم في فضاء بئيس ، يقع فيه جامع _ مسيد _ معزول ، يتسلطن فيه فقيه بيدوفيل _ الممثل جمال لعبابسي _ ، و تنحصر وظيفته التعليمية في شحن أدمغة المتعلمين بآيات قرآنية يحفظونها و يرددونها بشكل ببغائي _ دون فهم _ ، و يعاقبهم بالطرد في حالة العجز عن الإستظهار ، ليخلو له الجو للإنفراد بضحيته ، فينفرد بها و يغلق باب الجامع ..

و من أكثر ما أثار إعجابي في الفيلم ، ذلك الحقل شبه القاحل الذي يقابل الجامع ، والذي تتوسطه فزاعة بشكل دكتاتوري . و يبدو أن رمزية الفزاعة لا تختزل في وظيفة إبعاد الطيور و تخويفها ، و إنما تمتد إلى تخويف البشر أنفسهم ، و تحذيرهم من تجاوز خطوط حمراء ، هي موانع و محرمات مجتمع أبوي patriarcal ، يكبح التطلعات و يصادر الحريات بغير قليل من العنف . و شخصية المخرجة في الفيلم التي تبادر بكشف عورات هذا المجتمع ، هي نفسها لا تنجو من هذا القمع ، حيث يتبرأ منها والدها بسبب عملها هذا . لكن الجميل في الفيلم ، هو انحيازه الضمني لما هو إيجابي . ويتجلى ذلك في فرح المخرجة بمعية طاقم التصوير ، بالنجاح في إتمام عمل ينتصر لنور العقل ضدا على ظلام الجهل ومرارة التخلف عمل ممتع.

error: