السيدا فيروس ذكي لكنه ضعيف !…

حقائق تجعل داء فقدان المناعة أقل خطورة من أمراض أخرى ...

21٬442

السيدا فيروس ذكي لكنه ضعيف ! هكذا عرف الدكتور محمد الخماس داءَ فقدان المناعة المُكتسب، ففي ورشة تحسيسية لفائدة الصحفيات والصحفيين بجهة الدار البيضاء، حول موضوع “السيدا وحقوق الإنسان”، والتي عُقدت بشراكة مع  المجلس الوطني للصحافة وجمعية محاربة السيدا، حاولت هذه الأخيرة توضيح الغموض الذي يلف هذا المرض مما جعل منه مرتعاً للمُغالطات والشائعات التي تساهم في وصم وتَمييز المتعايشين مع هذا المرض الذي كشفت الأرقام الرسمية أنه يسير وفق منحى تصاعدي في المغرب. 

طريقة عمل فيروس “VIH” وتعريفه..

قبل الحديث عن أي موضوع يجب أولا وضع تعرف واضح حوله خاصة وإن كانت تحوم حوله العديد من المغالطات، وبداية فإن داء فقدان المناعة المكتسب يعمل في خفاء ودوره الوحيد هو تدمير الجهاز الأمني “المناعة”، يأتي بدون أعراض وعند دخوله للجسم يبحث عن خلية معينة ليُصبح نشيطا، وبتعرضه للأمراض الإنتهازية نصبح في مرحلة “السيدا”، وهنا قد تختلط الأمور على الكثيرين ما يجعل من توضيح الأمور شيئا ضروريا، عبر إعطاء التعريفات الصحيحة والتي تتمثل في كون فيروس فقدان المناعة المكتسب هو تعايش شخص مع الإصابة بفيروس فقدان المناعة البشري المكتسب دون حدوث أعراض، بينما السيدا هو حصول أعراض مرضية ملازمة للإصابة بفيروس فقدان المناعة المكتسب، ولماذا هو ذكي لأن علاج داء فقدان المناعة المكتسب لا يشفي صاحبه تماما كأي مرض مزمن آخر وإنما يتحكم فيه فعند التوقف عن تناول الدواء يتبنى الفيروس طريقة دفاع جديدة عند العودة لتناول الدواء مجددا.

حقائق تستند على معطيات علمية..

خلافا لما يروج فإن طُرق انتقال الفيروس هي ثلاثة فقط تتمثل في الإتصال الجنسي الغير محمي، ومن الأم إلى الطفل، ثم عن طريق الدم المُلَوَّث بالفيروس، والفيروس يوجد عند حامله في هذه السوائل “المني والودي والحليب والإفرازات المهبلية للمرأة والمخاط الذكوري إضافة إلى الدم”، ما يعني أن كل ما يُقال عن احتمالية انتقاله عبر لسعات الحشرات والقبلات أو العناق وحتى الشرب أو الأكل من نفس الطبق، لا يمُت للحقيقة بصلة، لأن العلم أثبت أن الفيروس يكون ضعيفا خارج الجسم عكس بعض الفيروسات الأخرى كالإلتهابات الكبدية.

ومن هنا يمكننا التأكيد على أن التمثلات التي رافقَت داء فقدان المناعة المُكتسب، قد وضعته في خانة الأمراض الأكثر خطورة، وجعلت من صاحبه مركزَ عدوى وجبَ الإبتعادُ عنه، وهو الأمر الذي تُكذبه الحقائق العلمية، فبعكس ما هو متداول فإن “فيروس فقدان المناعة المكتسب” داء قد يتعايش معه المريض كما أنه أقلُّ خطورة من أمراض أخرى، فاحتمالية انتقاله من شخص إلى آخر تبقى ضعيفة ورهينة بظروف معينة بل يُمِكن الشفاء منه تماما إذا ما تم الكشف عنه قبل 72 ساعة من الإصابة كما أن متوسط عمر الشخص المتعايش لا يختلف عن غيره، لكن رغم أن هذا المرض لم يعد يُشكل خطورة إلا أن الخوف من الوصم هو الأكثر خطورة.

المرض لا يقتل لكن الوصم هو الذي يقتل.. كيف ذلك ؟

ببساطة لأن العالم العربي يربطُ “السيدا” بالأفعال التي ترفضها القيم والعادات وحتى القوانين، مما يجعل الأشخاص الحاملين لهذا الفيروس غير قادرين على مواجهة الآخر ونقصد بالآخر تحديدا محيطَه الصغير وأيضا القائمين على الرعاية الصحية الذين يفتقرون عادة إلى آليات التعامل مع هذه الفئة، فبحسب معطيات مُتعلقة بالوصم والتمييز، فإن تجنب خدمات الرعاية الصحية بسبب الخوف من الوصم والتمييز يشكل 23,4 بالمائة لدى العاملات في الجنس، و7,6 بالمائة بالنسبة للرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال، و29,9 بالمائة عند متعاطى المخدرات عبر الحقن، والأخطر من ذلكَ أن التقارير الرسمية كشفت عن رفض تقديم خدمات الرعاية الصحية لحوالي 41,2 بالمائة من الأشخاص المتعايشين مع فيروس داء نقص المناعة الكتسب، وأن نسبة إفشاء سر إصابتهم من طرف مهنيي الصحة بلغت 15.5 بالمائة.

طرق الوقاية الكلاسيكية والتطورات العلمية..

إستعمال العازل الطبي، تتبع الحمل عند النساء، الأدوات الحادة، مُعقمة أو ذات الإستخدام الفردي”، إلا أن هذه الأساليب التقليدية للوقاية من فيروس نقص المناعة البشري، قد أظهرت محدوديتها في الخفض من الوثيرة الوبائية وتقليص عدد الإصابات الجديدة بالفيروس، الشيء الذي دفع التطورات العلمية في مجال الوقاية من الفيروس والتكفل بالمتعايشين معه للنظر في نهاية محتملة لهذا الوباء في أفق عام 2030، عبر مجموعة متزايدة من أدوات الوقاية تُمكن الأشخاص الذين تعرضوا له من اختيار الحلول التي تناسبهم وتلائم اختياراتهم ومحيطهم، هذه الأساليب التي تتجلى في الكشف المبكر لأن معرفة المرء بإصابته بفيروس “VIH” يمكن من الوصول في الوقت المناسب إلى العلاج والدعم النفسي والاجتماعي، واعتماد سلوك أكثر أمنا اتجاه الفيروس تجنبا لنقله للآخرين، كما أن فائدة الوقاية من تنقيل العدوى من الأم إلى جنينها عبر علاج النساء الحوامل المصابات به بشكل صحيح ووصولهن إلى مرحلة اضمحلال كمية الفيروس في الدم (كمية غير قابلة للرصد المخبري) يمكن معها إنجاب طفل غير مصاب في 99% من الحالات .

وهناك أيضا وقاية مركبة تعتمد على الجانب الهيكلي المبني على تعزيز المساواة وحقوق الإنسان محاربة الوصم والتمييز ، والإنتاج الاجتماعي والاقتصادي، ثم الجانب البيوطبي الذي يتمثل في الواقي الذكري الهلام أو المرطب، وأيضا التشخيص العلاج القبلي ( العلاج الاستعمالي العلاج كوفاية / الوقاية العمودية الأم الطفل، الصحة الجنسية والإنجابية ورعاية التعقنات المنقولة جنسيا وعلاج أمراض الدبر، والجانب السلوكي الذي يجب الحرص فيه

على التربية الجنسية، المشورة والدعم النفسي المجتمعاتي والمتخصص والرعاية النفسية.

وعن التشخيص والخوف من الإقدام على هذه الخطوة فإن التطور الحاصل فس المجال الطبي جعل من عملية الإختبار أسرع من ذي قبل بحيث يمكن التوصل بنتائج التحليل بعد 15 دقيقة فقط على إجرائه ، إضافة إلى السرية التي تؤطر هذه العملية ومجانيتها، أما العلاج فهو أيضا بالمجان ومتوفر بشكل كبير، ليصبح معه هذا الداء مرضا مزمنا يمكن التعايش معه ويتماشى مع حياة طبيعية.

معطيات عالمية حول داء فقدان المناعة المكتسب – نهاية سنة 2022..

هناك ما يقرب من 39 مليون شخص يتعايشون مع فيروس نقص المناعة، وحوالي 86% منهم على علم باصابتهم و 76% منهم تحت العلاج الثلاثي أي ما يعادل (29.8) مليون شخص، وهذا العدد لدى حوالي 71% منهم حمولة فيروسية ضئيلة، وقد تجاوز عدد والوفيات بالسيدا 40 مليون حالة وفاة ناجمة منذ بداية الجائحة، كما تراجع عدد الحالات الجديدة ب 38% مقارنة مع سنة 2010 بالنسبة للبالغين و9658 بالنسبة للأطفال، والفئات الأكثر عرضة للإصابة بداء فقدان المناعة المكتسب، تصل إلى ما يقرب 28 مرة بين الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال و35 مرة بين الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن و30 مرة العاملات في مجال الجنس و14 مرة بالنسبة للنساء المغايرات جنسيا.

الحالة الوبائية لداء فقدان المناعة المكتسب بالمغرب سنة 2022..

معدل الاصابة لدى عموم السكان منخفضة بنسبة (0.08%) مع دينامية مختلفة حسب الجهات، وينتشر بين فئة العاملات في الجنس بنسبة 1,7 %، والرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال بنسبة 4.9%،  وبين متعاطي المخدرات عبر الحقن، بنسبة 7.1 في المائة، وعن تقديرات حاملي الفيروس في المغرب متم سنة 2022 حسب وزارة الصحة، فإن مجموع حاملي الفيروس في المغرب متم سنة 2022، يقدر بحوالي 22.600 شخص من بينهم 850 شخص أعمارهم دون 15 سنة، ويتوزع هذا العدد حسب الجنس ف49 بالمائة هن نساء بينما 51 بالمائة من الرجال، وحوالي 22 في المائة من هؤلاء الأشخاص ليسوا على علم بأنهم حاملين للفيروس.

تطور الحالة الوبائية بالمغرب 2010 – 2021..

انخفاض معدل الإصابات الجُدد سنويا بما يناهز 48 بالمائة بين سنتي 2010 و 2021 (850) حالة جديدة، وانخفض معدل الوفيات بنسبة 57 في المائة بين سنتي 2010 و2021 (390) حالة وفاة، أما الحالات المشخَّصة فقد سجل المغرب 20.631 حالة منذ سنة 1986 إلى متم سنة 2022، 47 % منهم نساء و 70 % منين أصبن بالعدوى من أزواجهن، وعن الفئة العمرية فإن 76 % منهم تتراوح أعمارهم بين 20 و 44 سنة، بينما %3 منهم لا تتجاوز أعمارهم 15 سنة، وقد تسجيل ثلتي هذه الحالات سجلت في ثلاث جهات سوس ماسة ، الدار البيضاء سطات ، مراكش آسفي.

مُتتالية الوقاية والعلاج الخاصة بفيروس السيدا في المغرب لسنة 2022…

22.600 حاملين للفيروس و 78 بالمائة منهم اي ما يعادل 16.833 هم أشخاص يعلمون بإصابتهم، و71 بالمائة من هؤلاء أي 16.031، يتلقون العلاج، بينما حوالي 14.909 من حاملي الفيروس تحت العلاج ذوي حمولة فيروسية ضئيلة، أي حوالي 66 بالمائة، ما يعني 34 في المائة من حاملي الفيروس هم أشخاص يتوزعون بين خالي فيروس غير مدركين بإصابتهم، وبين من يحملون الفيروس ولا يتلقون العلاج أو لا يداومون عليه.

إن استراتيجية محاربة الوباء على مستوى العالم اعتمدت على خطة إنهاء عدم المساواة إنهاء الإيدز في أفق سنة 2026، والتي تعمل على دمج هذه الفئة داخل المجتمع ومحاربة الوصم وتغيير التمثلات التي تعطي فهما خاطئا للواقع، ومن هنا يجب الإنطلاق على مستوى المغرب لمجابهة الوصم والتمييز من أجل مغرب بدون سيدا وبدون تمييز اتجاه المتعايشين والحرص على أقدس حق من حقوق الإنسان وهو الحق في الحياة، لأن المرض لم يعد يدمر الجسد بل يمس بالهوية والكرامة الشيء الذي يمنع حاملي الفيروس من محاولة علاجه خوفا من الوصم والقوانين، وهنا تقع المسؤولية على مختلف الأطراف من مسؤولين ومجتمع مدني وإعلام وكوادر طبية من أجل العمل على رفع الوصم عن فئة المتعايشين وتكريس احترام الكرامة ورفض مختلف أنواع التنمر والالتزام بمعايير أخلاقية لضمان حق هذه الفئة في الحياة عبر تلقي العلاج ضمن ظروف ملائمة لأن السيدا هو المرض الذي أماط اللِّثام عن حق الإنسان في العلاج.

error: