ضرورة إعادة النظر في آليات تمويل الأحزاب السياسية

4٬564

عبد السلام المساوي
دعا جلالة الملك ، محمد السادس في افتتاح الدورة الاولى من السنة التشريعية ( اكتوبر 2018 ) , الى الرفع من الدعم العمومي المخصص للأحزاب السياسية ….غير أن الخطاب الملكي ، ربط بين الزيادة في دعم الأحزاب ، ومسألتين اساسييتين :
الأولى ، تتعلق بتجديد أساليب العمل ، والرفع من أداء الأحزاب ومساهمتها في جودة التشريعات والسياسات العمومية ، وهو ما تحتاجه بلادنا بقوة ، لمواجهة التحديات الداخلية ، الاقتصادية والديموغراغية والسوسيولوجية ، وكذا تحديات المحيط الاقليمي والدولي …
الثانية ، ترتبط أيما ارتباط بالموارد البشرية القادرة على الإنتاج الفكري وإنجاز الدراسات والأبحاث والمساهمات ، التي من المفترض أن تقدمها الأحزاب للدولة والمجتمع ، لذلك اشترطت دعوة جلالة الملك ، الزيادة في الدعم ، بتخصيص جزء منه للكفاءات والطاقات التي تشتغل في مجالات التفكير والتحليل والابتكار .
من الواضح أن مشروع زيادة الدعم العمومي للأحزاب ، يتميز بدعوة صريحة لتنمية دورها وتحسين جودة منتوجها ، على الصعيد الكيفي ، بالخصوص ، اي بتطوير مساهماتها الفكرية والاقتراحية ، وهذا ورش من الأهمية بمكان ، لأن الأحزاب الديموقراطية ، ليس في المغرب وحده ، بل في العالم ، لعبت دورا كبيرا في انتاج الأفكار والمشاريع المجتمعية والتصورات الكبرى ، بالإضافة إلى مساهمتها في الهيئات المنتخبة المحلية والوطنية ، أو في تدبير الشأن العام ومراقبة السياسات العمومية .
ولا شك أن حزب الاتحاد الاشتراكي ، هو الحزب الوحيد ( يمينا ووسطا ويسارا ) الذي استوعب مضمون الخطاب الملكي وتلقى الرسالة التي يحملها بكل وعي ومسؤولية ، فانخرط في دينامية تنظيمية وسياسية ، فكرية وثقافية …وسجل الرأي العام تميز الاتحاد الاشتراكي ، الحزب الذي يؤطر المواطنين ، توعيتهم وتكوينهم فكريا …كما سجل البؤس الفكري والعقم السياسي الذي استغرق الأحزاب إياها التي انشغلت وتنشغل بالمتجارة في فقر الفئات الشعبية المعدمة ….فرق ، اذن ، بين حزب يخاطب في الناس عقولهم وأحزاب تستبلدهم ….فرق بين حزب يحضر المواطنين وأحزاب تحضر الانتخابات…الاتحاد الاشتراكي يؤطر ويشتغل سياسيا وفكريا وثقافيا وإعلاميا وأحزاب أخرى تشتغل ب ” شراء الذمم ” …
الحكاية ، اذن ، ليست حكاية مزيد من المال وكفى ، مثلما أراد بعض المغرضين الإسهام ، المسألة استجابة لحاجة ملحة تبدو على الأحزاب إياها، وهي لا تتوفر على نخب متخصصة كل في ميادينه ، وتكتفي بجمع بعض من ” المناضلين ” داخلها ، فيما تنفر منها الطبقات المتعلمة ذات التخصص العالي ، لأنها غير مغرية لا سياسيا ولا اجتماعيا …
الاتحاد الاشتراكي له من الكفاءات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية… وله من الرصيد التاريخي في الأدبيات السياسية الرفيعة ما يجعله في غنى مطلق عن مكاتب الدراسات التي يستنجد بها هذا البعض وذاك البعض ، وبمقابل مالي معتبر جدا !
وهذه الكفاءات الاتحادية تشتغل باعتماد المرجعيات الأساسية ؛
“# الخطب والتوجيهات الملكية السامية ، والمبادرات الرائدة التي أقدم عليها جلالة الملك في العديد من المجالات الاقتصادية والاجتماعية بهدف تطوير الأداء السياسي ، وتعزيز الحكامة العمومية ، وتحقيق التنمية الشاملة ؛
# المرجعية الإشتراكية الديموقراطية الاجتماعية التي تلزمنا بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية للمواطن ، وتجعل من البعد الاجتماعي محورا أساسيا في برامجنا …
# المقررات الحزبية المتمخضة من المؤتمرات الحزبية الوطنية ، وخاصة المؤتمر الوطني الحادي عشر الذي صادق على الوثيقة السياسية التي تحدد الاختيارات الحزبية الكبرى على الصعيد المؤسساتي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي ؛
# التصورات الحزبية ، وخاصة الوثائق المرجعية : مذكرة ” النموذج التنموي الجديد : دولة عادلة قوية ، مجتمع حداثي متضامن ” ، مذكرة ” الاصلاح الشامل للمنظومة الجبائية ” …
# المبادرات الملكية في مختلف القطاعات ، وخاصة المخططات ذات البعد الاستراتيجي التي يتعين دعمها مع العمل على تقوية حكامتها وتطوير ادائها ” .
جاء في التقرير السياسي للكاتب الأول الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أمام المجلس الوطني – 29 يونيو 2019 – ( …في نفس السياق ، فإن الطريقة المعتمدة لتقديم الدعم العمومي المالي للأحزاب السياسية ، أصبحت تشكل عائقا أمام تطور وسائل عملها ، وهو ما يدعو إلى التعجيل بتفعيل التوجيهات الملكية بخصوص رفع الدعم العمومي للأحزاب وتخصيص جزء منه للكفاءات التي توظفها في مجالات التفكير والتحليل والابتكار .
ان الاتحاد الاشتراكي ، سيدافع عن ضرورة إعادة النظر في آليات تمويل الأحزاب السياسية ، بما يضمن استمرار التعددية الحزبية التي أصبحت واقعا لا يستقيم معه التوجه نحو أية قطبية مصطنعة قائمة اما على استغلال الخطاب الديني أو على استغلال المال ، وهما الظاهرتان اللتان ينبغي تقنينهما بشكل جيد حتى يتحقق مبدأ تكافؤ الفرص بين الهيئات المتنافسة التي ينبغي أن تدافع عن برامجها بمنطق مدني وليس بخطاب ديني .
ونقترح بهذا الخصوص ، اعتماد معايير تعكس فعلا الحياة الحزبية ، من قبيل عدد المقرات الحزبية ، وعدد التنظيمات الجهوية والاقليمية والمحلية المصرح بها ، وتمثيليتها في التنظيمات المهنية المنظمة وطنيا ، وأنشطة التنظيمات النسائية والشبيبية ، وانتظام صدور الإعلام الحزبي الورقي ، والتوفر على المواقع الالكترونية الحزبية ، الى غير ذلك مما نعتبر انها معايير حزبية حقيقية ، إذ لا يعقل مثلا ان يكون أكبر المستفيدين من الدعم العمومي لا يتوفرون حتى على جريدة ورقية يومية أو على الأقل منتظمة الصدور . )

error: