الاتحاد الإشتراكي ملك لكل اليسار وليس ملك نفسه

13٬190

عبد السلام المساوي

 

  (…) إن الإختلاف في الرأي لا ينبغي أن يوقف التعامل والتفاعل والتنسيق في القضايا المشتركةإن التنسيق المشترك الجاد والممكن هو أن تدرك القوى السياسية التقدمية واليسارية وحدة مصيرها وأهدافها الكبرى ، وألا تخطئ في تقديرها لخصومها وأعدائها ، وألا تخدمهم ضدا على اسرتها التقدمية اليسارية ، وأن تنصرف الى تأطير المجتمع باسم القيم اليسارية….

   إن التنسيق المشترك بين القوى السياسية التقدمية و اليسارية هو أن تكون موحدة وجازمة في القضايا الكبرى والمعارك المصيرية ضدا على كل ما هو مناف لقيم اليسار ومبادئه

   وحدة اليسار هي تآزر فكري سياسي ، عملي دائم ومستمر ، حول الجوهر ، ولا يمنع بل يشترط استمرار الحوار والجدال والنقد داخل أسرة اليسار ….

   الإتحاد الاشتراكي،وبكل الرمزيات والتضحيات  التي أسسها كبار الوطنيين والتقدميين من المؤسسين أمثال  المهدي بنبركة وعبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون والفقيه البصري وعبد الرحمان اليوسفي ومحمد منصور  وكبار  المقاومين الذين غادرونا الى دار البقاء ، هذا الاتحاد  قاطرة اليسار المغربي ، ومن الخطأ الاعتقاد أن إضعافه يخدم الديموقراطية والتحديث ، وهذه إحدى الخلاصات التي لن تبرح فصائل اليسار أن تقر بها على اعتبار أن خيارات التحديث والديموقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون حزب يساري من وزنه 

إن حصيلة تطور الحقل السياسي المغربي ، من وجهة تشكل العائلات السياسية ، واستحضار النضالات والتضحيات والمعارك المجتمعية ، تؤكد هذه الخلاصة بجلاء ، وتفضي الى تأكيد حقيقة مفادها أن الاتحاد الاشتراكي هو ملك لكل اليسار وليس ملك نفسه ، وهو بذلك معني ، من وجهة نظر التاريخ ، ليس بمصيره الخاص فقط ، بل بمصير العائلة اليسارية كلها والعائلة التحديثية بشكل عام ، وعلى هذا الأساس ينظر إليه كرقم اساسي في أجندة البلاد ، وعلى هذا الأساس ناضل ويناضل وعلى هذا الأساس جاء نداء الوحدة والمصالحة .

   إن حزب الاتحاد الاشتراكي حين أقدم على المراجعات واتخاذ القرارات في المؤتمر الوطني 11 ، إستحضر كل الخلخلة التي يتطلبها الحقل السياسي من أجل تعزيز قوى الحداثة ، والطريق الذي لا زال ينتظرالمغرب في مجال التحديثومرت تحت الجسور سيول ، وقد ظل على الإيمان المبدئي الأول المبني على الإنتماء للإنسان ، العاشق للحرية والديموقراطية والحداثة ، المتمثل لها فعلا لا قولا وشعارا فقط ….

   القواسم المشتركة بين نزعة   ذات رؤية ضيقة ونزعة خرافية باهتة وأخرى ظلامية ورابعة عدمية ، القواسم المشتركة بين هذه النزعات هي افتقادها لروح الإبداع إزاء المشاكل الداخلية والمتغيرات العالمية ، ومحاولة الهروب إلى الأمام من خلال الإختباء وراء نزعة ثورية منفصلة عن الجماهير الشعبية .

و بعيدا عن جدل التبريرات الإنهزامية والمواقف العدمية التي تجتر أطروحةإحتضاراليسار ،بما هو خيار تقدمي ، ومسار مجتمعي ، نهضوي مرتبط بمطالب وتطلعات الفئات الشعبية الواسعة إلى الديموقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية ؛ فإن معضلة اليسار كامنة أساسا في أزمة اليساريين ذاتهم الذين انعزلوا عن ديناميات الحركية المجتمعية ، واختزلوا الانتماء اليساري في ترديد الشعار ، بدل النهوض الفعلي ، العملي ، بمشروعه المجتمعي ، بمقوماته المترابطة عضويا ؛ الفكرية والجماهيرية والنضالية .

   ما عاد أحد يجادل في أن اليسار بجميع خياراته وتموقعاته ، اذا ما تركنا خطابات التمجيد النابعة حكما من الحاجة المستديمةللصنمية التنظيمية، ليس أمامه الا الدفاع عن الوجود في حده الأدنى . وهذا الواقع المتدني في حده الأقصى ، والذي أحد تمظهراته التحديات الانتخابية ، يستوجب طرح السؤال الصادم ، والذي يتم الهروب منه : الى متى سيستمر هذا الحال الدفاعي المتدني الأقصى ، أمام هول فقدان الثقة العدمي في كل المؤسسات ( حزبية ودولتية ) لدى جمهور الشارع اليوم وغدا ، وأمام مجاهيله الكبرى !

   ولو أن الجميع أجاب أحزابا ومناضلين ، عن هذا السؤال ، وبصدق مع الذات ، وبلا مكابرة ولا استخفاف بالآخر ، وخصوصا بلا رتابة ذهنية مطمئنة لنفسها ، لا تستشعر هول ما نحن أمامه من مجاهيل ، فإننا سنصل لا محالة إلى الجواب الوحيد القادر على إخراج اليسار من دوامة انحباساته ، وذلك بالشروع في ترتيب مبادرة نهضوية توحيدية كبرى ، غير معتادة ، تقوم على أساس : 

   مراجعة نقدية تركيبية للتاريخ النضالي المشترك لليسار ، بمكاسبه وخساراته ، ومع وضع كل مواقفه المتناقضة في زمنيتها المجتمعية النسبية .

   وعلى هيكلة تحافظ على تفاعل تنوع الرأي فيها ، أي مع الوعي الضروري بترتيب الخلافات الراهنة بقدر أهميتها وأولوياتها مع الحاجيات الاجتماعية في الساحة الجماهيرية .

   وبالتلازم مع الوعي الضروري أيضا بأن المهمة المركزية في الزمن المنظور على الأقل ، ولا سواها ، هي اعادة بناء قواعد اليسار الاجتماعية والجماهيرية ، أولا واخيرا .

   فكثير من الصبر والتأني اذن ، استخلاصا من تسرعات جرت في الماضي ، ومن أجل بناء هذا المشروع النهضوي الوحدوي الكبير ، الذي وحده يمكن ان يستشعر الجماهير بتغير نوعي لدى اليسار ، ووحده يساعد على تنمية الثقة فيها ….من هنا نفهم دينامية المصالحة ، الوحدة والانفتاح التي انخرط فيها الإتحاد الإشتراكي ….

   إزاء ما ألم بمكونات الحقل الحزبي ببلادنا من وهن وتراخ في الاضطلاع بواجباتها الدستورية ، وفي القيام الفعال بمهامها السياسية والنضالية ، فإن بلادنا أمست في أمس الحاجة الى إرساء قطب سياسي ، حزبي ، جماهيري ، حداثي ، تقدمي ، قادر على تجسير الفجوة المتفاقمة بين الطبقة السياسية ، الحزبية المنكفئة ، والقوى الشعبية المتحفزة ، من جهة أولى ، وعلى تأمين التجاوب الفعال مع الحاجات الأساسية والترقبات المشروعة للشعب من جهة ثانية ، وعلى استشراف أفق جديد ، وابتكار مقاربات مستجدة ، ومناهج مستحدثة للتأطير السياسي للمجتمع ، وتعبئة قواه الحية ، لمواصلة مسيرة التغيير والتحديث والتنمية من جهة ثالثة .

   يوم اغتيل اليسار وتخلى عن الشارع ، استوطنته جحافل العدمية بكلك تلاوينها التي لا لون سياسي ولا إيديولوجي لها….لا يهمها المغرب ولا شباب المغرب

   وهنا كل الحكاية ومكمن الداء الذي يسعى بعض من اليسار ، وفي طليعته الإتحاد الإشتراكي ، علاجه ، وليس أمامه من خيار آخر غير رفع راية النجاح في وجه الشامتين في حاضره والناقمين على ماضيه .

error: