“بيت الحجبة” فيلم وثائقي لجميلة عناب يكشف المحجوب عن الحميمية بين آلة السنتير وصاحبها

8٬637

عبد الرحيم الراوي

عرضت قاعة سينما “إيدن كلوب” بالدار البيضاء مؤخرا، وعلى مدى أسبوع، الفيلم الوثائقي الطويل الأول “بيت الحجبة” للمخرجة والباحثة الشابة جميلة عناب، وذلك بعد مشاركته في المسابقة الرسمية للمهرجان الفيلم الوطني بطنجة، ثم المشاركة الثانية بمهرجان السينما والمرأة بسلا، وأخيرا برمجته ضمن المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية الطويلة في مهرجان أيام قرطاج السينمائية، قبل أن تلغى الدورة بسبب الحرب في غزة.

تدور أحداث الشريط حول العلاقة الروحية التي تجمع المعلم أو الشيخ بآلة السنتير، وإبراز دورها في فن موسيقى ذات إيقاعات قوية محملة بثقل الأساطير والمعتقدات التي تكتنز العديد من الأسرار والإيحاءات المتصلة بعالم الروحانيات، لهذا اختارت المخرجة والباحثة جميلة عناب مدينة الصويرة باعتبارها مهدا للفن الكناوي، وقبلة لعشاق صوت القراقب النحاسية والسنتير أو الهجهوج، وأخذت تتجول في أحيائها ودروبها لتسافر بالمتلقي إلى عوالم مظلمة في حاجة إلى من يسلط عليها الضوء.

هذا ما قامت به جميلة عناب عندما اختزلت طقوس الفن الكناوي في قصة المعلم الصديق وآلته، وهو أخر المعلمين الشيوخ المعروفين في مدينة الرياح. كما اختارت أن تدرج في فيلمها قصة الشابة تودة التي تتأهب لوضع مولود جديد، حيث تمكنت من نسج قصتين متوازيتين بحبكة سينمائية بديعة، وبنفحة فلسفية تروي ولادة صبي (ميمون) بالموازاة مع آلة موسيقية (السنتير) تحمل بداخلها سبعة أرواح بعد قضائها سبعة أيام في بيت الحجبة وكأنه كائن بشري سيخرج إلى الوجود.

 وعن هذا الموضوع قالت المخرجة  في حوار لها مع يومية الاتحاد الإشتراكي: “كلتا الحكايتين تعملان جنبا إلى جنب، من أجل كشف المحجوب، سواء أكان “سنتيرا” أو “صبيا”. ذلك أن الاكتمال الروحي للسنتير يتحقق أيضا لحظة ميلاد الطفل ميمون (أي خروج الاثنان إلى الحياة)، مع كل ما يعتري هذا الميلاد من صعوبات”.

وفي أحد المشاهد التي استهلت بها شريطها الطويل “بيت الحجبة”، ظهر المعلم الصديق وهو يحرق سنتيره كما تحرق الجثت في العديد من الحضارات القديمة، وذلك بعد أن أصبحت نغماته لا تتجاوب مع ضربات المعلم الموزونة، وبما أن السنتير في الطقوس الكناوية هو بمثابة الإبن المطيع وامتداد كذلك لروح صاحبه، فكان من المستحيل توريثه لشخص آخر، لهذا قام المعلم الصديق بإحراقه وهو يتحصر على الفراق.

بعد طقوس الدفن، كان من الضروري صناعة آلة سنتير أخرى من جدع شجر العرعار وكسوة من وبر عنق البعير، اختارها المعلم الصديق بعناية فائقة، كما قام شخصيا بتجفيف مصارين التيس ليصنع بها أوتار آلته الجديدة، قبل أن يضعه في “بيت الحجبة” وهو العنوان الذي اختارته المخرجة الشابة وعرفته -في ذات الحوار- على أنه “معزل مقدس يُحجب داخله آلة السنتير لمدة سبعة أيام (عدد المْحَلات والألوان) حتى تمتلئ، ولا يمكن لأي كان اقتحامه عدا “المعلم/ الصانع”، وإلا فإن “الامتلاء” سيفسد، وستهرب الأرواح من ذلك المكان الذي وقع تدنيسه، حسب الطقوس الكناوية”.

“بيت الحجبة” هو أول فيلم وثائقي طويل للمخرجة والباحثة جميلة عناب، وأول فيلم كذلك يتناول موضوع آلة السنتير وعلاقته الروحية بالمعلم أو الشيخ.. فيلم يستحق المشاهدة ويفتح الباب أمام قراءات ونقاشات أنتربولوجية وسوسيولوجية من عدة زوايا مختلفة.

للإشارة، فقد نجحت المخرجة في توظيف عناصر طبيعة واجتماعية تميز مدينة الصويرة كالبحر وطيور النورس وسوق الأسماك والقطط.. من أجل نقل صورة صادقة عن مدينة لا تشبه المدن الأخرى، وذلك من خلال النبش في أغوار عالم يتحرك على نغمات وإيقاعات آلة السنتير.

تعتبر المخرجة جميلة عناب باحثة في السينما والتحليل الفيلمي، أستاذة جامعية بالمعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما، قضت 13 سنة كمخرجة في العمل التلفزي وفي قسم المونطاج.

حاصلة على الدكتوراه في موضوع: “التلقي والسينما”، لها كتاب بعنوان “التلقي: من الأدب إلى السينما” وكذلك مؤلف آخر “من يذهب أكثر إلى السينما”، هذا بالإضافة إلى مشاركتها كعضو لجنة التحكيم في العديد من المهرجانات السينمائية.

error: