تصاعدت موجة الاحتجاجات في تركيا بشكل غير مسبوق منذ أكثر من عقد، بعد اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو في 19 مارس 2025، في خطوة أثارت استياء المعارضة وأشعلت مظاهرات حاشدة في مختلف المدن. واستجاب مئات الآلاف لدعوة حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، للخروج إلى الشوارع يوم السبت 29 مارس، حيث احتشدوا في الجانب الآسيوي من إسطنبول رافعين شعارات تندد بالاعتقال وتطالب باستعادة الديمقراطية.
رئيس الحزب أوزغور أوزيل أكد أن عدد المشاركين في الاحتجاج تجاوز 2.2 مليون شخص، رغم عدم إمكانية التحقق المستقل من هذا الرقم. ووصف الاحتجاج بأنه “بداية المسيرة نحو السلطة”، في إشارة إلى نية المعارضة تعزيز نفوذها السياسي قبل الانتخابات المقبلة. وبينما توقف الحزب عن الدعوة للتجمعات أمام مقر البلدية، واصل الشباب والطلاب قيادة الحراك، إلا أن القمع المستمر قلّص من زخم الاحتجاجات، وسط اعتقالات جماعية شملت المتظاهرين والصحافيين والمحامين.
حتى 29 مارس، تم اعتقال أكثر من ألفي شخص، بينهم 275 طالبًا و12 صحافيًا، أبرزهم المصور الصحافي لوكالة الأنباء الفرنسية ياسين أكجول، والصحافي السويدي يواكيم ميدين الذي احتُجز فور وصوله إلى إسطنبول ووجهت إليه اتهامات بالإساءة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان والانتماء إلى منظمة إرهابية. كما تعرض محامي إمام أوغلو، محمد بهلوان، للاعتقال قبل الإفراج عنه لاحقًا.
تصاعدت المخاوف الدولية من تصرفات الحكومة التركية تجاه المعارضة ووسائل الإعلام، إذ قامت السلطات بطرد مراسل هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مارك لوين، متهمة إياه بتهديد النظام العام. وأدان العديد من المنظمات الحقوقية عمليات القمع المستمرة، معتبرة أن أنقرة تعيش واحدة من أكثر الفترات قمعًا للحريات السياسية والصحافية في تاريخها الحديث.
على الصعيد السياسي، كان حزب الشعب الجمهوري يستعد لتسمية إمام أوغلو مرشحه للانتخابات الرئاسية المقبلة في 2028، ما جعل اعتقاله خطوة يراها الحزب محاولة لمنعه من خوض السباق الرئاسي. رغم ذلك، أصر الحزب على المضي قدمًا في دعمه، مؤكدًا أن الانتخابات التمهيدية التي أجراها الحزب شهدت مشاركة 15 مليون شخص دعمًا لترشيحه.
اقتصاديًا، كان للاحتجاجات تداعيات كبيرة، إذ شهدت الأسواق المالية تقلبات حادة، مع تراجع بورصة إسطنبول وخسائر كبيرة لليرة التركية أمام الدولار. كما أدى استمرار التوترات إلى قلق المستثمرين حول استقرار البلاد، ما يهدد بمزيد من الضغوط الاقتصادية في الفترة المقبلة.
ومع اقتراب عيد الفطر، حاولت الحكومة تهدئة الأوضاع عبر منح موظفي الدوائر الرسمية والمؤسسات العامة عطلة استثنائية لمدة تسعة أيام، لكن المعارضة ترى في ذلك محاولة لتخفيف زخم الاحتجاجات. وفي ظل استمرار الاعتقالات والملاحقات الأمنية، يظل المشهد التركي مفتوحًا على احتمالات تصعيد أكبر في الأيام والأسابيع القادمة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى كيفية تعامل السلطة مع هذه الأزمة المتفاقمة.
تعليقات
0