تكشف التطورات الأخيرة في العلاقات الفرنسية الجزائرية عن واقع سياسي يحمل دلالات واضحة على رضوخ الجزائر أمام الضغوط الفرنسية، بعد شهور من التوتر الدبلوماسي الذي بلغ ذروته إثر موقف باريس الداعم لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء وما تبعه من تعقيدات إضافية كاعتقال الكاتب بوعلام صنصال وملف ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.
ففي خطوة تكشف عن انعدام هامش المناورة أمام النظام الجزائري، أكد وزير الخارجية الفرنسي جان–نويل بارو أن بلاده ترغب في حل الخلافات مع الجزائر “بحزم ومن دون تهاون“، مشيرًا إلى أن التوترات القائمة “لم تكن من صنع فرنسا“، لكنها في الوقت ذاته “ليست في مصلحة أحد“، وهو ما يعكس قناعة باريس بأن الوقت قد حان لفرض قواعد جديدة في العلاقة بين البلدين.
التصريحات الفرنسية جاءت عقب اتصال هاتفي بين الرئيسين الفرنسي إيمانويل ماكرون والجزائري عبد المجيد تبون، حيث تم الاتفاق على إعادة فتح قنوات الحوار بعد أكثر من ثمانية أشهر من القطيعة. غير أن هذا الاتصال، وإن بدا ظاهريًا خطوة نحو التهدئة، إلا أنه يعكس في جوهره إملاءات باريس بضرورة تقديم الجزائر تنازلات واضحة، خصوصًا في القضايا الحساسة التي باتت تعرقل العلاقات الثنائية، ومنها التعاون الأمني والاستخباراتي وملف الهجرة.
باريس لم تكتفِ بتحديد المسار العام لإعادة العلاقات، بل أكدت عبر وزير خارجيتها أن المبادئ التي تم الاتفاق عليها خلال الاتصال الهاتفي “سيتعيّن تطبيقها عمليًا“، في إشارة واضحة إلى أن الصيغ الدبلوماسية لم تعد كافية، وأن المطلوب من الجزائر تنفيذ التزامات ملموسة بعيدًا عن الخطابات السياسية.
الجزائر، التي وجدت نفسها معزولة دبلوماسيًا منذ إعلان فرنسا دعمها للموقف المغربي في ملف الصحراء، حاولت تصعيد موقفها عبر افتعال أزمات متتالية، من رفض ترحيل مهاجرين غير شرعيين إلى اعتقال بوعلام صنصال بسبب تصريحات لوسيلة إعلامية فرنسية، غير أن هذه التحركات لم تؤدِ سوى إلى تعميق الأزمة وإبراز حالة العجز عن التأثير في القرار الفرنسي. وزاد الأمر سوءًا مع حادثة ميلوز في فبراير الماضي، عندما قُتل شخص على يد جزائري كان قد صدر بحقه قرار ترحيل، وهو ما استغلته باريس لتوجيه ضغوط إضافية على الجزائر.
في ظل هذه المستجدات، يظهر أن الخيارات المتاحة أمام الجزائر باتت ضيقة، فإما أن تقبل بشروط باريس وتعيد تكييف سياساتها الخارجية وفقًا للمصالح الفرنسية، أو تواجه عزلة أكبر في محيطها الإقليمي والدولي. ما بدا واضحًا من خطاب باريس أن زمن المجاملات الدبلوماسية قد انتهى، وأن العلاقة بين البلدين باتت محكومة بموازين قوى لا تصب في مصلحة الجزائر، التي وجدت نفسها في موقف دفاعي تسعى من خلاله إلى تقليل الخسائر أكثر من تحقيق المكاسب.
فزيارة بارو المرتقبة إلى الجزائر، رغم عدم تحديد موعدها بعد، ستكون محكًا حقيقيًا لمدى جديّة الطرف الجزائري في تلبية المطالب الفرنسية، خاصة فيما يتعلق بالتعاون الأمني وملف صنصال.
في الختام، ورغم أن الجزائر تحاول الظهور وكأنها تعيد ترتيب أوراقها من موقع الندية، إلا أن الوقائع تشير إلى أن كفة فرنسا هي الأرجح في هذه المعادلة. فالتوترات الأخيرة كشفت هشاشة الموقف الجزائري في مواجهة الضغوط الفرنسية، سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل ستتمكن الجزائر من الحفاظ على الحد الأدنى من المكاسب في هذا الملف الشائك، أم أن الضغوط الفرنسية ستجبرها على تقديم تنازلات إضافية تمسّ بما تبقى من سيادتها القرارية؟
تعليقات
0