تامسكورت، الزاوية الناصرية والقنطرة … مآثر من التاريخ الخنيفري

المصطفى زيان (°)
 
   كالواقف بمدشر تامسكورت ، تساءلت؛ ما الذي جعل تلك النخلة تنمو في غير بيئتها قرب الضريح؟ أكانت تحفة لإرضاء عشق ما.. أم لتشارك غارسها غربته!؟ فمن غير بيئتها فلا فاكهة تعطي و لا ظل.. نخلة بلا تاريخ “لو أنها تبكي إذا لبكتْ” فلا من يكتب تاريخ مآثرنا !؟ في التاريخ حمل عبد الرحمان الداخل معه نخلة فزرعها برصافة الأندلس لتؤنس غربته.. هناك خاطبها لتشاركه بكاء الغرباء قائلا: يا نخل أنت غريبة مثلي/ في الغرب نائية عن الأصلِ/ فابكي وهل تبكي مكبَّسةٌ/ عجماءُ لم تُطبع على خَبْلِ/ لو أنها تبكي إذا لبكتْ.
    كان هذا سؤالا على هامش جولة نادي اسمون نعاري بخنيفرة للمدشر، واعتمدته مدخلا للبحث في التاريخ المحلي، لجمع و تركيب و تحيين بعض ما يتعلق بهذه الزاوية والضريح.. الزائر للمكان يسجل أنه الى جانب نخلة زاوية تامسكورت تنتصب أشجار الكاليتوس العالية الأغصان والظل يغطي عشرات مساكن القرية الموغلة في القدم؛ قرية تامسكورت أو دشر تامسكورت.. الكاليتوس يؤرخ لاختيارات مرحلة استعمار فرنسا لخنيفرة على الأقل أي ما بعد 1914، أما صمود بناية الضريح فدليل على ولاء الزاوية لسلطة القوي عبر العصور أو انسجامها السياسي لتنوب عن السلاطين أو المخزن.. كغيرها من زوايا القرن 15 بالمغرب.
    زاوية “تامسكورت” شيدت على الضفّة اليمنى لنهر أم الربيع، على بعد كيلومترات قليلة جنوب مدينة خنيفرة. الطريق لضريح الزاوية يمر عبر قنطرة تامسكورت أو قنطرة مزضلفان.. حسب كتب التاريخ مرحلة الدولة الديلائية الممتد بين 1536/1668م، الزاوية شيدها الديلائيون لتقوم بدورها الديني و بعد هزيمة معركة “بطن الرمان” قرب خنيفرة سنة 1668م دخلت تحت سلطة الرشيد العلوي ثم تحت إمرة أخيه السلطان المولى إسماعيل و إليه يرجع تشييد و استصلاح الضريح و قبته بناء على زيارة خصها للمكان. حسب كباء العنبر «بنى محمد الحاج الديلائي على أم الربيع قناطر ثلاث ذكرها الحوات في البذور الضاوية 276 و لم يبينها، وإحداها بمحل خلاضة قرب الزاوية الديلائية.
    وهناك قنطرة أخرى تسمى بتاحزونت “العرجاء” وذكر الحوات أن سيدي أبي بكر بنى قنطرة “أمسدل” و قنطرة “مزض إلفان” أي مطحنة الخنازير و هي قناطر تعرف فقط عند الأهالي بالقرى تخرج بالمنتجعين من الأراضي الجبلية الأزاغارية» ص52، قنطرة تامسكورت شيدت للربط بين سهول وجبال خنيفرة، بل إن أهمية الزاوية و قنطرتها تكمن في تشييدهما على طريق القوافل التجارية العابرة بين شمال خنيفرة و جنوبها لأهداف؛ اقتصادية اجتماعية سياسية.. أي للربط بين مراكش وفاس وبين تافيلالت ج شرق خنيفرة و الشاوية غرب خنيفرة.
    مجال تامسكورت الجبلي يخترقه نهر أم الربيع، ونظرا لصرامة الجبل وتضاريسه البازلتية فقوة التيار واندفاعه يتسبب في انهيار الجلاميد الصخرة وسط المجرى، كما أن التيار ينحث مجراه بصعوبة على القاعدة الصخرية البازلتية فيضيق مجرى النهر الى حدود المتر فتظهر النتوءات الصخرية الحادة.. الجلاميد الصخرية يعلق بها كل ما يجلبه التيار وكل ما يحاول العبور فسمي المكان انطلاقا من طبوغرافيته ب “مزض الفان” وهو اسم أمازيغي يعني مطحنة الخنازير أو مطحنة الصوف كرمز لما يعلق بالصخور من صوف وجثث ومتلاشيات.. غالبا ما ترمى على الضفة أو تدور في موج التيار وغليانه على شكل طاحونة.. أما اسم مطحنة الخنازير فترمز لحيوان الخنزير البري المتواجد في مجال ريفي غابوي.. يقصده هواة رياضة القنص والصيد لغنى النهر بثروته السمكية.. كما أن مسلك تامسكورت يعبره هواة رياضة المشي و السباق السياحي..
    الزاوية بها مدفن العلامة الكبير أبي عبد الله محمد بناصر المدعو؛ الكبير، بلغة المؤرخ أحمد المنصوري في “كباء العنبر من أطلس زيان و البربر”، أما بلغة طلعة المشتريٍ؛ زاوية تامسكورت اعتمدت الطريقة الناصرية، التي ترجع لشيخها الأكبر سيدي محمد بن ناصر مؤسس الزاوية الناصرية ب”تامكروت” جنوب المغرب في القرن الوسيط، ومن كرامات الأب و خوارقه أنه كان عارفا بأسرار علم الجدول والسحر يخط الجدول على الأرض ويرقمه فتشع منه الدنانير.. كرامات الأب أغدقها على أبنائه من بعده كضامن لما يحتاجونه في دنياهم مقابل تخليهم عن السحر والجدول والاتكال على الله.. فساحوا في الأرض والتحق العلامة الكبير أبي عبد الله محمد بناصر بزاوية تامسكورت.
    زاوية “تامسكورت” استقطبت الكثير من المريدين المقيمين والعابري السبيل.. بلغت أوجها و لعبت دورها الديني الروحي و التأطيري السياسي لخدمة الأهالي و السلطان.. الزاوية الى الآن صامدة بها قبر شيخها يحظى باحترام و يُزار المكان.. زاوية “تامسكورت ” في أوجها كانت منسجمة مع الخطاب الرسمي خاضعة لسلطة القوي؛ دخلت تحت إمرة السلطان المولى إسماعيل خضعت لسياسته المسطرة إزاء الزوايا؛ تمارس دورها في خدمة السلطان لنبذ التطرف و قطع دابر المتمردين من الديلائيين و كسب صنهاجة فازاز.. بالمقابل كان اهتمام السلطان بالزاوية و شيخها الناصري بقضاء حوائجه..
    تم اعتماد الطريقة الناصرية ببلاد زيان وتفرع عنها عدة زوايا-مدارس بالقرى المجاورة لمدينة خنيفرة عاصمة الأطلس المتوسط “الأطلس المركزي” ونذكر من تلك المدارس كل من مدرسة، أروگو، أدخسال، أسول، بوسادر، برياخ، سيدي اعمر، سيدي علي اوبراهيم بتانفنيت، سيدي بوعباد بسيدي لامين قيادة كهف النسور، وهناك ضريح محمد أولحسن قمة جبل باموسى المحيط بخنيفرة غربا و عند سفحه للجنوب ضريح سيدي بوالقنادل، ثم ضريح سيدي بواتزكاغت بقمة حي لاسيري..
   هذا بالإضافة لأربعة زوايا طرقية ظهرت في خنيفرة بعد 1860م بداية تشجيع الاستقرار بالمدينة عهد موحى أحمو الزياني، تشبث الوافدون بطرقهم الصوفية فنشأت كل من الزاوية؛ القادرية، الدرقاوية، العيساوية و الزاوية التيجانية التي لازال مسجدها تقام فيه الصلوات الخمسة الى يومنا هذا، و بالإقليم هناك زوايا و أضرحة ذات صيت كبير، كتب حولها باحثون نخص بالذكر زاوية أبي يعزى أو ضرح جماعة مولاي بوعزة، و غير بعيد منه هناك ضريح سيدي محمد بين امبارك بقرية المباركيين جماعة حد بوحسوسن.
    زاوية “تامسكورت” صامدة رغم التحولات الاقتصادية و الاجتماعية التي عرفتها المنطقة؛ الزاوية-الضريح تلاشت جدرانها كما أن البنية الاقتصادية أثرت في عامل الاستقرار بالقرية.. و لما كان من خصوصيات المجال الجغرافي أنه قابل للتغيير فإن طوبوغرافية المكان ستخضع لتلك القاعدة؛ مجال تامسكورت حيث أم الربيع يخترق التشكلات الصخرية البازلتية بمنطقة جبلية.. كلها مؤشرات اعتمدت في اختيار المكان لبناء سد مائي جديد على النهر، سد جديد بين سد الحنصالي جنوب خنيفرة و سد تانفنيت شمالها قرب المنبع؛ مشروع سد تامسكورت قيد الدراسة ربما يرى النور بعد إنهاء الترتيبات التقنية و القانونية.. مياه السد ستغمر عدة هكتارات من منطقة تامسكورت و هناك احتمال نقل رفاة الضريح لقرية تامسكورت الثانية على ضفاف وادي سرو رافد أم الربيع جنوب شرق خنيفرة.
    تاريخ إقليم خنيفرة لم ينل حظه من البحث العلمي و التاريخي.. بعد هذه الورقة التاريخية المتعلقة بزاوية دشر تامسكورت يبدو أن الضريح و الدشر سيتحول لمجرد ذكرى، سيذكره التاريخ الى جانب مآثر الديلائيين بخنيفرة، فكما خلد “الحسن اليوسي” الزاوية الديلائية في 162 بيتا خلد غربته شعرا برائية المشهورة.. سيبقى تاريخ الأطلس شامخا و مهما حدث سيبقى في الأذهان دشر تامسكورت القديم؛ شجر الكالبتوس و النخلة تحكي غربة غارسها، غربة التاريخ المحلي كغربة صقر قريش الذي جاء بنخلة من المشرق غرسها برصافة الأندلس فعاشا غريبين هناك، مرآها يهيج مشاعره؛ غربتها تذكره بغربته، و مظاهر الملك و الرئاسة لم تستطع حجب ما تخفي تحتها من إحساس قلب رقيق غريب، ومن قوله فيها:
تبدَّتْ لنا وسط الرُّصافةِ نخلةٌ **** تناءتْ بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ
فقلت شبيهي في التغرب والنوى **** وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي
نشأتِ بأرض أنت فيها غريبة **** فمثلك في الإقصاء و المنتأى مثلي
سقـتك غوادي المزن من صوبها الذي ***** يسحُّ و يستمري السماكين بالوبل
 

(°) ناقد وجمعوي مهتم بتاريخ المنطقة

error: Content is protected !!