فضيحة.. أين تقرير وكالة الدعم الاجتماعي ولماذا لا نجد طريقا للتواصل معها؟

فضيحة.. أين تقرير وكالة الدعم الاجتماعي ولماذا لا نجد طريقا للتواصل معها؟
فضيحة.. أين تقرير وكالة الدعم الاجتماعي ولماذا لا نجد طريقا للتواصل معها؟
محمد رامي الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 12:26 l عدد الزيارات : 10706

أوردت وكالة المغرب العربي للأنباء، في قصاصة إخبارية، أن 3,9 ملايين أسرة استفادت من برنامج الدعم الاجتماعي المباشر خلال سنة 2025، موزعة على مختلف جهات المملكة، ونسبت هذه المعطيات إلى التقرير السنوي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي برسم السنة ذاتها.

الخبر، في ظاهره، يبدو عاديا. مؤسسة عمومية تنشر تقريرها السنوي، ووكالة رسمية تعمم أبرز أرقامه. لكن أبسط قواعد المهنية الصحفية لا تكتفي بنقل الرقم كما هو. التقرير السنوي، بطبيعته، ليس بلاغا دعائيا ولا جملة أرقام منتقاة بعناية. هو وثيقة عمومية يفترض أن تتيح للصحافة والرأي العام قراءة الحصيلة كاملة: ما تحقق، وما لم يتحقق، وكلفة التدبير، وحدود الاستهداف، والفوارق بين الجهات، وحجم التظلمات، ونسبة الرفض، وعدد الملفات العالقة، ومآل الأسر التي خرجت أو أقصيت أو لم تصل أصلا إلى عتبة الاستفادة.

معطيات صادمة.. حواضر المغرب تقتل أكثر من حواضر فرنسا وتكشف عطب السلامة الطرقية ببلادنا
اقرأ المزيد

من هذا المنطلق، قادنا الواجب المهني إلى البحث عن التقرير المذكور. لم يكن الهدف التشكيك في الرقم، بل الوصول إلى الوثيقة الأصلية. لأن الاشتغال الصحفي الجاد يبدأ من المصدر الكامل، لا من ملخص معد للاستهلاك الإعلامي السريع. ولأن تجربة التعامل مع البلاغات الرسمية علمتنا أن ما لا يقال في الملخص قد يكون أحيانا أهم مما يقال فيه.

زرنا الموقع الرسمي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي. وجدنا خبرا يتحدث عن نشر التقرير السنوي برسم سنة 2025. لكننا لم نجد التقرير كاملا. وجدنا ملخصا مطولا، أو بالأحرى بلاغا يعرض ما اختارت الوكالة عرضه من أرقام ومؤشرات. بحثنا في خانة “المستجدات”، ثم في “تقارير ومنشورات”، فكانت المفاجأة أن هذه الخانة لا تفتح أمام الباحث أي وثيقة منشورة، ولا تقود إلى أرشيف، ولا تقدم تقارير سابقة، ولا تتيح تحميل التقرير موضوع القصاصة.

افترضنا، بحسن نية، أن الأمر يتعلق بتأخر تقني في تحيين الموقع. غير أن البحث لم يقف عند تقرير 2025 فقط. لم يظهر أمامنا أثر واضح لتقارير أو منشورات سابقة يمكن الرجوع إليها. وهنا يصبح السؤال مشروعا: كيف تعلن مؤسسة عمومية نشر تقرير سنوي دون أن تضعه رهن إشارة الصحافة والباحثين والرأي العام؟ وما معنى “النشر” إذا كان المواطن لا يصل إلا إلى ملخص محرر سلفا؟

الأمر لا يتعلق بتفصيل شكلي. نحن أمام وكالة وطنية تدير واحدا من أكبر برامج الدعم الاجتماعي في البلاد. نتحدث عن ملايين الأسر، وعن ملايير الدراهم، وعن سياسة عمومية تمس الفقر والهشاشة والقدرة الشرائية والعدالة المجالية. لذلك لا يكفي أن تقول الوكالة إن 3,9 ملايين أسرة استفادت. السؤال الأعمق هو: من استفاد؟ ومن لم يستفد؟ بأي معايير؟ وبأي كلفة؟ وما حجم الأخطاء؟ وكم عدد الطعون؟ وما نسبة الأسر التي تعتبر نفسها مستحقة ولم تحصل على الدعم؟ وما أثر الدعم فعليا على الفقر والهشاشة، لا في البلاغات، بل في المؤشرات القابلة للتحقق؟

الأكثر إثارة للاستغراب ظهر عندما حاولنا البحث عن قناة تواصل صحفية مباشرة مع الوكالة. داخل البوابة الرسمية، وجدنا أرقاما تحيل أساسا على الموزع الصوتي ومركز الاتصال المرتبطين بأسئلة المستفيدين وتتبع ملفات الدعم. وهذا أمر مفهوم بالنسبة للمواطنين، لكنه غير كاف بالنسبة لمؤسسة عمومية يفترض أن تتوفر على تواصل مؤسساتي واضح مع الصحافة. فهل توجد مصلحة تواصل؟ هل يوجد مخاطب رسمي؟ هل يوجد رقم مهني يمكن للصحفي أن يتصل به للحصول على التقرير أو طلب توضيح؟ أم أن الصحافة مطالبة بأن تمر عبر المجيب الآلي كما يمر أي مستفيد يبحث عن ملفه؟

وحين جرى البحث عن رقم الوكالة عبر مركز الإرشادات الهاتفية، كانت المفاجأة أكبر: لا أثر واضح للوكالة في الدليل الهاتفي بالطريقة التي تتيح الوصول المباشر إليها. إذا صح هذا المعطى، فنحن أمام مفارقة يصعب تبريرها. مؤسسة عمومية تدبر دعما موجها لملايين المواطنين، لكنها لا توفر مسارا سلسا وشفافا للتواصل الصحفي والمؤسساتي. هذا ليس خللا بسيطا. هذا عطب في مفهوم المرفق العمومي.

إن وكالة تدير الدعم الاجتماعي لا يمكن أن تشتغل بمنطق الواجهة الرقمية الجميلة والأرقام المختارة. الشفافية لا تعني نشر بلاغ. الشفافية تعني تمكين الجميع من التقرير الكامل، بكل جداولـه وملاحقه ومنهجيته ومؤشراته. والمساءلة لا تعني ترديد أرقام عن عدد المستفيدين، بل فتح الوثائق للقراءة والنقاش والتحليل والمقارنة.

وكان حريا بالوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، وهي تقدم أولى حصائلها السنوية في ملف اجتماعي حساس يمس ملايين الأسر وملايير الدراهم من المال العام، أن تعقد ندوة صحفية مفتوحة لتقديم التقرير كاملا، لا أن تكتفي ببلاغ منشور على موقعها. ندوة تتيح للصحفيين طرح الأسئلة الضرورية حول منهجية الاحتساب، ومعايير الاستهداف، وحجم التظلمات، ونسب القبول والرفض، والفوارق المجالية، وكلفة التدبير، وأثر الدعم على الفقر والهشاشة. فالتقرير السنوي، في مؤسسة من هذا النوع، ليس وثيقة إدارية توضع في الرفوف أو تختصر في أرقام منتقاة، بل موعد للمساءلة العمومية. وحين تغيب الندوة الصحفية، ويغيب التقرير الكامل، وتغيب قنوات التواصل المهنية، يصبح من حقنا أن نسأل: هل المطلوب أن نقرأ الحصيلة، أم أن نكتفي بما سُمح لنا بمعرفته؟

في ملف اجتماعي بهذا الحجم، لا يكفي أن تعلن المؤسسة رقما كبيرا ثم تغلق باب الوثيقة الأصلية، فمن حق الحكومة أن تعرض حصيلتها، ومن حق الوكالة أن تدافع عن عملها، لكن من حق الصحافة أيضا أن تصل إلى التقرير كاملا، وأن تسأل، وأن تقارن، وأن تفتش في الهامش الذي لا يظهر في البلاغات. فالدعم الاجتماعي لا يمول من البلاغات، بل من المال العام. وما يمول من المال العام يجب أن يفتح للرقابة العمومية، لا أن يختصر في أرقام مريحة وصمت مؤسساتي ثقيل.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات الثلاثاء على وقع الانخفاض
الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 18:04

بورصة الدار البيضاء تنهي تداولات الثلاثاء على وقع الانخفاض

التوفيق: موسم الحج تميز بنجاح ملموس بفضل جودة التنظيم وحسن التأطير
الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 17:00

التوفيق: موسم الحج تميز بنجاح ملموس بفضل جودة التنظيم وحسن التأطير

مجلس السلم والأمن الإفريقي.. المغرب يجدد التزامه الثابت لفائدة حل سياسي للوضع في ليبيا
الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 16:45

مجلس السلم والأمن الإفريقي.. المغرب يجدد التزامه الثابت لفائدة حل سياسي للوضع في ليبيا

المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان تستقبل وفدا إماراتيا رفيع المستوى وتوقع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون المشترك
الثلاثاء 9 يونيو 2026 - 16:21

المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان تستقبل وفدا إماراتيا رفيع المستوى وتوقع مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون المشترك

corner image
error: