حين تصبح المزايدة بديلا عن السياسة… من حق الاتحاد أن لا يصفق داخل مشهد معدّ سلفا

حين تصبح المزايدة بديلا عن السياسة… من حق الاتحاد أن لا يصفق داخل مشهد معدّ سلفا
حين تصبح المزايدة بديلا عن السياسة… من حق الاتحاد أن لا يصفق داخل مشهد معدّ سلفا
المحرر الخميس 18 يونيو 2026 - 18:00 l عدد الزيارات : 5726

ليست المشكلة أن يختلف الناس مع الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. الاختلاف حق سياسي، بل هو شرط من شروط الحياة الديمقراطية. المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى قراءة كسولة، وحين تختزل المواقف السياسية في جملة عابرة، أو في تصويت معزول عن سياقه، أو في زاوية واحدة يراد لها أن تلغي كل الصورة.

في السياسة، ليس كل امتناع تواطؤا، وليس كل تصويت بنعم بطولة، وليس كل صراخ دفاعا عن الشعب. أحيانا يكون الموقف الحقيقي هو أن ترفض أن تُستعمل رقما في معادلة مغلقة، وأن ترفض أن تتحول المعارضة إلى ديكور داخل ميزان قوى مختل، وأن ترفض منح الشرعية السياسية لمشهد تعرف نتيجته الأغلبية قبل أن يبدأ النقاش أصلا.

من يخشى عودة لاسامير؟ “الشناقة وأصحاب اللعاقة” يجهزون على القدرة الشرائية للمغاربة
اقرأ المزيد

هنا بالضبط يقع سوء الفهم، أو بالأحرى يقع سوء التوجيه. فحين يمتنع حزب عن التصويت على مقترح يعلم الجميع أن الأغلبية ستسقطه بأصواتها المضمونة، لا يجوز القفز مباشرة إلى اتهامه بمعاداة المضمون الاجتماعي للمقترح. هذا تبسيط يظلم السياسة، ويهين ذكاء الناس. السؤال الأهم ليس: لماذا لم يصوت هذا الطرف أو ذاك؟ السؤال الأعمق هو: من أسقط المقترح فعليا؟ ومن يملك الأغلبية العددية التي ترفض؟ ومن يقرر داخل المؤسسة التشريعية؟ ومن يحول النقاش الاجتماعي إلى مشهد عابر للاستهلاك السياسي؟

الاتحاد الاشتراكي لا يحتاج إلى من يذكره بأن تأميم “لاسامير” أو تسقيف أسعار المواد الأساسية أو حماية القدرة الشرائية ليست قضايا هامشية. هذه القضايا توجد في صلب تاريخه السياسي والاجتماعي، وفي عمق خطه النقدي تجاه السياسات العمومية التي تركت المواطن وحيدا أمام الغلاء والاحتكار والاختلالات. لكن الحزب الذي يحترم تاريخه لا يكتفي برفع اليد في لحظة استعراضية، ثم يغادر القاعة مطمئنا إلى أنه أدى دوره أمام الكاميرات.

هناك فرق كبير بين الدفاع عن المبدأ الاجتماعي وبين الوقوع في فخ سياسي معلوم النتيجة. وهناك فرق بين أن تساند قضية عادلة، وبين أن تُستدرج إلى إخراج مسرحي تستفيد منه أطراف كثيرة، بينما يظل جوهر المشكل كما هو: أغلبية حكومية تملك القرار، وتملك الأصوات، وتملك مسؤولية الرفض، ثم يجري تحويل النقاش إلى محاكمة من لم يكن يملك أصلا قدرة إسقاط المقترح أو تمريره.

هذا هو الانحراف الخطير في النقاش العمومي: بدل مساءلة من يقرر، تتم مطاردة من يعترض بطريقته. بدل وضع الأغلبية أمام مسؤوليتها السياسية، يجري تفتيت المعارضة، وتوجيه الغضب نحو من لم يصوت بالطريقة التي يريدها البعض، لا نحو من أسقط فعلا المبادرة التشريعية. كأن المطلوب ليس تحقيق نتيجة اجتماعية، بل صناعة متهم جاهز داخل صف المعارضة.

السياسة ليست مسابقة في حسن النوايا. والسياسة ليست منشورا غاضبا على مواقع التواصل. السياسة حساب موازين قوى، وقراءة للسياقات، ورفض للتحول إلى شاهد زور. من حق أي حزب أن يقول: أنا مع المبدأ، لكنني لن أشارك في لعبة تعرفون نهايتها وتريدون بعدها توزيع صكوك الوطنية والاجتماعية حسب لحظة التصويت فقط.

الأخطر أن بعض القراءات تتعمد الخلط بين الموقف من النص، والموقف من القضية. قد يعترض حزب على الصيغة، أو على التوقيت، أو على الخلفية السياسية، أو على الطريقة التي يراد بها تسويق المبادرة، دون أن يعني ذلك أنه يعترض على العدالة الاجتماعية أو على حماية المستهلك أو على استرجاع أدوات السيادة الاقتصادية. هذا الخلط لا يخدم النقاش. إنه يخدم فقط من يريد تحويل السياسة إلى محكمة نوايا.

في موضوع “لاسامير”، كما في موضوع الأسعار، لا يمكن اختزال الأزمة في تصويت واحد. نحن أمام ملف اقتصادي وسيادي واجتماعي ظل مفتوحا لسنوات، وأمام حكومات تعاقبت، وأمام اختيارات عمومية لم تمنح البلاد ما يكفي من أدوات الحماية في مجال الطاقة والأسعار. لذلك، فالمحاسبة الجدية لا تبدأ من لحظة تصويت معزولة، بل من سؤال المسؤولية الكاملة: من ترك المصفاة تموت؟ من عطّل الحلول؟ من استفاد من الفراغ؟ ومن يرفض اليوم تحويل الشعارات إلى قرارات فعلية قابلة للتنفيذ؟

الذين يريدون حصر النقاش في موقف الاتحاد يهربون من السؤال الحقيقي. فلو كانت الأغلبية تريد فعلا تمرير المقترحات، لمررتها. ولو كانت الحكومة تملك إرادة سياسية واضحة في هذا الاتجاه، لما احتاجت إلى انتظار مبادرات المعارضة. لذلك، لا يجوز قلب الأدوار: المعارضة لا تحكم، والمعارضة لا تملك أزرار القرار، والمعارضة لا تتحمل وحدها وزر سياسات لم تصنعها.

هذا لا يعني أن مواقف الاتحاد فوق النقد. لا حزب فوق النقد، ولا موقف سياسي يملك حصانة مطلقة. لكن النقد شيء، والتضليل شيء آخر. النقد يسأل عن الخلفيات والحجج والبدائل. أما التضليل فيكتفي بتعليق لافتة جاهزة: امتنع إذن تواطأ. وهذا منطق فقير، لا يبني وعيا سياسيا، ولا يساعد المواطن على فهم من يملك القرار ومن يكتفي بالصراخ حوله.

الاتحاد، حين يرفض أن يكون مجرد رقم داخل تصويت محسوم، لا يهرب من مسؤوليته. هو يقول إن المعارضة ليست ديكورا، وليست زينة مؤسساتية، وليست آلة تصفيق لمعارك يعرف الجميع أنها ستنتهي كما تريد الأغلبية. المعارضة الحقيقية لا تقاس فقط بعدد المرات التي ترفع فيها يدها، بل بقدرتها على فضح الاختلال في ميزان القرار، وعلى كشف من يتحمل المسؤولية السياسية أمام المغاربة.

قد لا يعجب هذا الكلام من يريدون السياسة بالأبيض والأسود. لكنه أقرب إلى الحقيقة من كل المزايدات. فالدفاع عن القضايا الاجتماعية لا يكون بتوزيع الاتهامات على المعارضة، بل بمواجهة من يملك السلطة التنفيذية والتشريعية الفعلية. ومن أراد أن يحاسب، فليبدأ من هناك: من الحكومة، من الأغلبية، من مراكز القرار، لا من حزب اختار ألا يمنح مشهدا مختلا أكثر مما يستحق من شرعية.

في النهاية، ليس مطلوبا من الاتحاد أن يشرح نفسه كل مرة لمن قرر مسبقا ألا يفهمه. لكن من حق الرأي العام أن يعرف أن السياسة ليست دائما كما تبدو في لقطة التصويت. أحيانا تكون الحقيقة في ما قبل التصويت، وفي من صاغ المشهد، وفي من ضمن النتيجة، وفي من يريد بعد ذلك تحويل الأنظار عن المسؤول الحقيقي.

ولهذا، فالموقف ليس دفاعا عن حزب. إنه دفاع عن المعنى. عن معنى المعارضة. عن معنى المسؤولية. وعن حق السياسة في أن تُفهم خارج منطق المزايدة والضجيج.

تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من أنوار بريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الجماعات الترابية تسجل فائضا بـ6,55 مليار درهم حتى نهاية أبريل 2026
الخميس 18 يونيو 2026 - 21:30

الجماعات الترابية تسجل فائضا بـ6,55 مليار درهم حتى نهاية أبريل 2026

أبرامي: جودة خط وسط المنتخب الوطني ستكون العامل الحاسم في صنع الفارق أمام اسكتلندا
الخميس 18 يونيو 2026 - 21:00

أبرامي: جودة خط وسط المنتخب الوطني ستكون العامل الحاسم في صنع الفارق أمام اسكتلندا

وفاة شخص واضطرابات في حركة القطارات بسبب موجة حر تضرب فرنسا
الخميس 18 يونيو 2026 - 20:45

وفاة شخص واضطرابات في حركة القطارات بسبب موجة حر تضرب فرنسا

الكثيري: اليوم الوطني للمقاومة، مناسبة لاستحضار مسار طويل من تضحيات أبناء الوطن دفاعا عن المقدسات والثوابت الوطنية
الخميس 18 يونيو 2026 - 20:30

الكثيري: اليوم الوطني للمقاومة، مناسبة لاستحضار مسار طويل من تضحيات أبناء الوطن دفاعا عن المقدسات والثوابت الوطنية

corner image
error: