تأويل الفيلسوف وعالم الفيزياء “هرفي زفيرن” وانهيار الموضوعية الصلبة

554٬369
  • كمال الكوطي (°)
      نود من خلال هذا المقال المركز تقديم أحد التأويلات المعاصرة الهامة التي حاول صاحبها، الفيلسوف وعالم الفيزياء “هرفي زفيرن” Hervé Zwirn، حل مشكل القياس الذي شغل ومازال يشغل العقل العلمي المعاصر بسبب تداعياته ليس فقط على مستوى الممارسة العلمية، بل وعلى المستوى  الفلسفي والإبيستمولوجي والميتافزيقي. بطبيعة الحال لن نتناول في هذا المقال المقتضب كل هذه الأبعاد التي أفردتُ لها كتاباً (1) خاصاً آملُ أن يرى النور السنة المقبلة. 
      لكن، وقبل تقديم الخطوط العريضة لتأويل “هرفي زفيرن”  الذي أَطْلَقَ عليه اسماً لا يخلو من مفارقة، أي “نزعة وحدة-الأنا المنفتحة” solipsisme-convivial، أرى في البداية ضرورة عرض التأويل الارثودوكسي أو تأويل “كوبنهاجن” Copenhague. ذلك لأن هذا التأويل قد شكل أرضية للنقاشات التي انبثقت عنها مختلف التأويلات الأخرى، بسبب مبدئه القائل “بتقلص حزمة الموجات” réduction de la fonction d’ondes، وما ترتب عنه من نتائج مخالفة لما هو مألوف في علم الفيزياء خصوصاً اتجاهه إلى  إضفاء طابع موضوعي على الصدفة.

1- تأويل “كوبنهاجن”

      يَرْجِعُ هذا التأويل المسمى أيضا بالتأويل الأرثودوكسي، المعتمد في أغلب المراجع الرسمية، إلى كل من “بور” و”هايزنبرغ” و”بورن”…الخ. ينطلق هذا التأويل من مسلمة مفادها أن الأشياء الماكروسكوبية حاملة لخصائص محددة بشكل تام وغير خاضعة للميكانيكا الكوانتية. انطلاقاً من هذه المسلمة يرى مناصرو هذا التأويل بأن القياس هو مجرد تفاعل ما بين نسق كوانتي وجهاز قياس ماكروسكوبي، وبالتالي فإن الخاصية التي تم قيَاسُهَا لا تخص النسق لوحده، بل تشمل المجموع المكون من النسق المدرُوس وجهاز القياس. وعليه، حين يستعمل الفيزيائي أداة القياس الماكروسكوبية، فإنه يعلم جيداً بأنه يجري قياساً وبأنه مطالب بتطبيق مبدأ تقلص حزمة الموجات بدل معادلة “شرودينجر”.
      يعرض تأويل كوبنهاجن إذاً وصفين فيزيائيين مختلفين، يستند الوصف الأول على مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية، بيد أن هذا الوصف ليس، كما هو الحال عند “نيوتن”، وصفاً لعالم مُشَكّلٍ من مكونات ذرية فيزيائية فعلية وغير مرئية. يتعلق الأمر بالأحرى بوصف عالم مكون من جزيئات متخيلة يوظفها العلماء للتواصل في ما بينهم بخصوص ما يقومون به وما تمكنوا من بلوغه من معارف. إنه عبارة عن طريقة تقنية لوصف الخبرات الإنسانية المتعلقة بالشروط التجريبية المنجزة والنتائج التي تتم معاينتها في ما بعد.
    أما الوصف الثاني فيقوم على المفاهيم الرياضية المجردة للميكانيكا الكوانتية. يتم الجمع ما بين الوصفين الفيزيائيين باعتماد بعض القواعد التي تظل في النهاية اختيارات حرة لمستعملي النظرية من العلماء، وهي الاختيارات التي تبقى رهينة نوع الاختبار الذي نود إجراءه في دراستنا للخصائص المُلاَحَظَة للطبيعة. فإذا كانت الميكانيكا الكلاسيكية ترى بأن كل نتيجة إلا وهي محددة مسبقاً بناء على القوانين الموصوفة فيزيائياً بشكل محض، فإن المبادئ الأساسية للميكانيكا الكوانتية تقر بأن النتائج تشير إلى وجود عنصر كوانتي عشوائي لا يقبل الاختزال.
     يبدو أن هذا الموقف الأداتي قد حَسَمَ مسألة الاختيار ما بين المبدأين الأخيرين (معادلة “شرودينجر” وتقلص حزمة الموجات)، بيد أن الوضع ليس بهذه السهولة ما لم يتم تقديم تعريف واضح لما يقصده أصحاب تأويل كوبنهاجن بألفاظ من قبيل ماكروسكوبي أو عالم كلاسيكي. 
      في هذا السياق رفض بعض الفيزيائيين رفضاً تاماً ذلك الفصل معتبرين إياه فصلاً اعتباطياً. وسبب ذلك هو أن أداة القياس نفسها، ورغم مظهرها الكلاسيكي، مكونة من جزيئات كوانتية، ومن ثم يطرح السؤال التالي وهو: أين ينتهي “العالم” الكوانتي، وأين يبدأ “العالم” الكلاسيكي؟ بعبارة أخرى، أين يقع الحد الفاصل ما بين العالمين؟ هذا ما عبر عنه  الفيزيائي وعالم الرياضيات  الأمريكي “هنري ستيب” Henry P. Stapp بقوله: “تم تقديم الميكانيكا الكوانتية التي تبلورت في كوبنهاجن باعتبارها نظرية شبه كلاسيكية هجينة.
    لذا، أضحى العَالِمُ الذي يود تطبيقها مطالباً بتقسيم العالم المَوْصُوفِ فيزيائيا إلى جزأين، يفصل بينهما حد يُنعت بحد “هايزنبرغ”. يُوصف الجزء الموجود أسفل ذلك الحد بتوظيف مفاهيم كوانتية، أما الجزء الموجود أعلاه فيوصف من خلال مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية. من الناحية المبدئية لا ندرك سوى الجزء المَوْصُوفْ كلاسيكياً […]. لكن هذا الإجراء يبعث على طرح التساؤل التالي: انطلاقا من أي حجم يمكن أن يصير نسق أو موضوع ما «كلاسيكياً؟ أين يجب علينا رسم الخط الفاصل [ما بين العالم الكلاسيكي والعالم الكوانتي]*؟” (2)
      فضلا عن ذلك، يتبنى هذا التأويل منظورا غريباً لا نعثر له على مقابل في الفيزياء الكلاسيكية، ويتمثل في القول بأن الأنساق الكوانتية لا تمتلك على الدوام خصائص محددة مثل موقع الجزيء أو سرعته أو طاقته. بالتالي لا يعتبر نسق ما حائزا عليها إلا إذا كان بمقدورنا توقع نتيجة القياس بيقين، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إذا كانت حالته متراكبة؛ مثلا، قد نقول عن نسق موجود في الحالة x بأن له موقعاً محدداً، ذلك لأننا إن أجرينا القياس سنحصل فعلاً على النتيجة x. مقابل ذلك لا نستطيع أن نمنح النسق المكون من الحالة x+y موقعاً دقيقاً لأن التوقع الكوانتي للنتيجة ليس يقينياً.
     يتقاطع في هذه النقطة تأويل كوبنهاجن، أو الارثودوكسي، مع النزعة الإجرائية opérationnalisme التي يعتقد أصحابها أن معنى مفهوم نظري معين (موقع أو سرعة أو طاقة جزيء مثلا) ناتج عن الطريقة التي يمكن بها قياسه، من ثم إذا كانت نتيجة قياسه غير مضمونة، فإن هذا يفيد بأن لا معنى له وبأنه غير محدد.
      برجماتياً قَدَمَ هذا التأويل نتائج هامة خصوصا بالنسبة للفزيائيين الذين تهمهم النجاعة العملية ودقة التوقعات، لكن هذا لم يكن ليقنع العلماء والفلاسفة الذين رأوا في مشكل القياس مشكلاً أساسياً يلزم بالضرورة إيجاد حلٍ له، وهو ما حاولت تأويلات أخرى القيام به على أمل تقديم نظرية متكاملة البناء.

      2- تأويل “هرفي زفيرن”: وحدة-الأنا المنفتحة 

      تماشياً مع مُقترح “برنار دي سبانيا” Bernard d’Espagnat الرامي إلى تقديم تأويل لحل المشكل الناتج عن نظرية الحالات النسبية التي وضعها “إفريت”، قام “هرفي تزفرن” بصياغة تصور يندرج ضمن إطار نظرية اللاتناسق (3) والذي أطلق عليه اسم “وحدة-الأنا المنفتحة”. وبناء على هذا التصور الأخير رفض “زفيرن” الواقعية الامبريقية البرجماتية، متبنيا موقفاً أقرب إلى الواقعية الميتافيزيقية.
     فاللاتناسق هو إذاً تلك الآلية التي تفسر لنا المظهر الكلاسيكي للأشياء كما تبدو لنا، أي لوعينا، مع أن الواقع في قرارته يظل كوانتيا، بمعنى متشابكاً، وهو ما عبر عنه بقوله: “يتطور الكون، فضلاً عن الملاحظين ووعيهم، طبقاً لمعادلة “شرودينجر” وبالتالي فإن دالة موجاته لا تعرف قط أي تقلص أو اختزال، بل تظل في حالة متشابكة.” (4) إن ما يميز وحدة-الأنا المنفتحة التي يعرضها “زفيرن” هو إدراجها لِلمُلاَحِظ ضمن النسق الأكبر المكون من جهاز القياس والنسق المدروس والوسط.
     وعليه، يصبح الملاحظ نفسه في حالة تشابك مع هذه المكونات الثلاثة الأخيرة (جهاز القياس + النسق المدروس +الوسط). فمن وجهة نظر الواقع العميق (وليس مظهر الواقع الذي يبدو لوعينا)، كما يقول “زفيرن”، لا وجود سوى لدالة موجات شاملة متراكبة، تشمل هذه الدالة مختلف نتائج القياس الممكنة والمترابطة في ما بينها مثلما هو الوضع بالنسبة لمجمل حالات الملاحظ المقابلة لها (أي لتلك النتائج). فضلا عن ذلك، تؤكد وحدة-الأنا المنفتحة أن وعي الملاحظ “مُتَعَلِق” (5) accrochée بإحدى شُعَب دالة الموجات وبالتالي لا يمكنه ملاحظة سوى جزء كلاسيكي واحد من الأجزاء المكونة لتلك الدالة.
    من هنا، كما يقول “زفيرن”، يصبح الوعي عبارة عن مِصْفَاة تتيح ملاحظة جزء فقط من دالة الموجات الشاملة. إن هذا يعني أيضا بأن “زفيرن” يخالف ما جاء به التأويل الارثودوكسي لأنه يرفض الإقرار بفكرة تقلص الموجات بعد إجراء القياس، لذا فإن كل ملاحظ إلا و”سيتعلق” بنتيجة محددة: A بالنسبة للملاحظ الأول و B بالنسبة للملاحظ الثاني، عِلماً أن القياس واحد. فكيف يا ترى يمكن لشيء من هذا القبيل أن يحدث؟! يفسر “زفيرن” هذه المسألة بالقول بأن التواصل ما بين الملاحظين هو نفسه عبارة عن سيرورة قياس وبأن آلية التَّعَلُق هي ما يضمن تناسق المُلاَحَظَات بالنسبة لِمُلاَحِظٍ بعينه.
    وعليه يقول “هرفي زفيرن”: “لنفترض بأن “علياً” لاحظ النتيجة A و”زيداً” النتيجة B، فإن ملاحظتيهما مجرد تَعَلُقٍ لوعيهما بِشُعْبَة من الشُّعَب الخاصة لدالة الموجات الكلية التي تضم الإمكانيتين معاً. فإذا سأل “علي” “زيداً” عما رآه، فإن التفاعل بين الاثنين الناتج عن ذلك التساؤل يشمل كل الممكنات: شعبة مَنَحَ فيها “زيد” النتيجة A وأخرى قدم فيها النتيجة B. لذا، سوف تصير دالة الموجات الخاصة “بعلي” بعد تفاعله مع “زيد” في حالة متشابكة بشكل تحتوي معه الإجابتين معاً، لكن وعي “علي” سيتعلق بالشُّعبَة المقابلة للجواب الذي ينسجم مع ملاحظته السابقة، وبالتالي سيسمع “زيداً” يقدم الجواب A وهو ما يوافق انتظاره (أي انتظار “علي”). هذا هو السبب وراء منح هذا التأويل اسم وحدة-الأنا المنفتحة: كل ملاحظ إلا ويحيا في عالمه الذي قد يكون مختلفاً تماما عن عالم الأخرين..
     مع ذلك لا وجود لأي وسيلة تمكننا من إدراك الاختلافات ومن تم يظل الملاحظون في توافق تام.” (6) تمنحنا هذه الفكرة الأخيرة في نظر “زفيرن” تفسيرا للبينذاتية intersubjectivité لأنها تقر بعدم وجود وسيلة تمكننا من معاينة الاختلافات الموجودة ما بين مختلف الملاحظين، ومن هنا لم يعد بالإمكان الحديث عن موضوعية صلبة l’objectivité forte، كما في الفيزياء الكلاسيكية، بل موضوعية هشة l’objectivité faible نظرا للتداخل غير القابل للاختزال ما بين الذات العارفة وموضوع المعرفة في الفيزياء الحديثة.
      أما في ما يخص الطابع غير الحتمي المميز للميكانيكا الكوانتية، فيرى “زفيرن” أن دالة موجات الكون تتطور بشكل حتمي طبقاً لمعادلة “شرودينجر”، وحدها آلية التَّعَلّق هي ما يختار عشوائيا الشعبة التي يتعلق بها كل ملاحظ من الملاحظين. وعليه، يقول “زفيرن”:” ليس الخالق من يلعب لعبة النرد، بل الإنسان من يلعبها، لكن مع نتيجة غريبة وهي أن اللاعبين معاً يمكنهما رؤية النرد نفسه وهو يسقط على جهة مختلفة” (7).
هوامش
 (1) أول عمل شخصي في مجال فلسفة العلوم  بعنوان “مشكل القياس في الفيزياء الكوانتية، تداعياته الفلسفية والإبيستمولوجية”، كتاب مازال قيد المراجعة قبل عرضه على النشر.
-(2) Stapp Henry : Le monde quantique et la conscience, sommes-nous des robots ou les acteurs de notre propre vie? Traduit de l’anglais par « Alessia Weil », Éditions Dervy, 2016, p. 47.
(3)–  يقيم التأويل الارثودوكسي تمييزاً وفصلاً ما بين جهاز القياس الماكروسكوبي والنسق المدروس المجهري، معتبراً أن القيمة المحصل عليها (كمية طاقة أو سبين الاليكترون على سبيل المثال) هي ما يجسد عن حق حالة النسق التي تم اختيارها من بين حالات ممكنة عديدة جراء تقلص حزمة الموجات. لكن السؤال الذي يطرح  هو أين يقع الحد الفاصل ما بين العالم الكوانتي والعالم الكلاسيكي (أو الماكروسكوبي)؟
أتاحت هذه النظرية، أي نظرية اللاتناسق، تفسير الكيفية التي يتم بها الانتقال من العالم الأول إلى الثاني، وتفسير السبب الذي يجعل القياس مسؤولاً عن تقلص حزمة الموجات. لكن هذا لا يعني بأن نظرية اللاتناسق نظرية جديدة تأتي لتنضاف إلى أخرى، بل كما يقول “برنار دي سبانيا”: ” إذا كنا نعني بنظرية جديدة “نظرية” مُشَيّدة على مبادئ جديدة، كما كان الحال بالنسبة للميكانيكا النيوتونية، والنسبية أو الميكانيكا الكوانتية، فإن اللاتناسق ليس بأي حال من الأحوال نظرية جديدة. إنه بالأحرى تطبيق سليم للمسلمات الأساسية للميكانيكا الكوانتية على مسألة تفاعل الأنساق الماكروسكوبية مع محيطها […] بشكل ملحوظ.” النص مقتطف من كتاب:
d’Espagnat Bernard : Traité de physique et de philosophie, Librairie Arthème Fayard, 2002, p. 211.
(4) – Zwirn Hervé : Les limites de la connaissance, Éditions ODILE JACOB, octobre 2000, pp. 238-239.
(5) – يقول “زفيرن”: “سوف نسمي “تعلقاً” تلك الآلية التي تدفع الوعي إلى انتقاء واحدة فقط من حالات التراكب.” أنظر: Zwirn Hervé : Les limites de la connaissance, p. 238.
(6) https://academisciencesmoralesetpolitiques.fr/wp-content/upoads/2019/01/5-zwirn.pdf, p. 7-8
(7)– Ibid, p. 8.
(°) باحث، أستاذ مادة الفلسفة، من أعماله ترجمة كتب “رحلة قصيرة في عالم الكوانتا” لإتيان كلاين، “الموضوع الرباعي – ميتافيزيقا الأشياء بعد هيدجر” لغرهام هرمان، و“من الكينونة إلى الصيرورة” لإليا برجوجين
error: