إصدار للباحث د. جواد التباعي حول شخصية “مولاي بوعزة”، وسبل خدمة اقتصاد التراث بالمقدس الصوفي والمعماري

247٬727
  • أحمد بيضي
تعززت الخزانة المغربية بإصدار تاريخي تراثي جديد، للباحث الدكتور جواد التباعي، تحت عنوان “مولاي بوعزة: المقدس الصوفي والمعماري في خدمة اقتصاد التراث”، والذي جاء، حسب تقديم مؤلفه، في الوقت الذي “كثر فيه الحديث عبر العالم عن التراث، وعن أهميته في حفظ الذاكرة الإنسانية، وفي التعبير عن هوية الشعوب والحضارات، وفي المغرب عديدة هي المناطق التي تزخر بمآثر عمرانية صوفية غاية في الروعة والجمال، منها ما لقي اهتماما كبيرا من لدن المؤرخين والدارسين والمنظمات العالمية بمدن فاس، ومكناس، ومراكش، وتطوان… ومنها ما بقي شبه مغمور، خاصة في المناطق النائية”.
وقام الدكتور لحسن تاوشيخت بالتقديم للكتاب بالقول “إن التراث الثقافي المغربي هو ذلك الإنتاج الحضاري، أكان ماديا أم شفاهيا أم رمزيا، والذي يعكس تفاعل الإنسان المغربي مع بيئته ورؤيته للآخر، وفق منظور يستحضر الماضي وربما عبر توظيف يراعي الحاضر ويحاول استشراف المستقبل. وهكذا فقد ظل هذا التراث مشدودا لقضايا الانتماء والوطنية والهوية والخصوصية (…) واستدعى ذلك تجديد النظر للتراث المغربي عبر إعادة الاعتبار والحيوية لمختلف تجلياته وعبر استثمار جوانبه الإيجابية”، مضيفا “أن العناية بالتراث الثقافي المغربي، خاصة في شقه اللامادي ومن ثمة التخصص العلمي في مجالاته، لم يحظيا بكثير من الاهتمام والتعمق”.
كما أكد د. تاوشيخت، ضمن مقدمة الكتاب، أن العناية بالتراث الثقافي المغربي لن يتأتى إلا من خلال “تفكيك قضاياه الإيديولوجية والرمزية والجمالية والسوسيو-اقتصادية وفق منهجية شمولية تقتضي الإحاطة بمجموعة من الإشكاليات المعقدة ومن بينها: التعريف بالتراث الثقافي اللامادي المغربي على مستوى مفاهيمه وحوامله ومظاهره وتعابيره، الصيرورة التاريخية لهذا التراث في إطار الوحدة والتنوع لمكوناته اللغوية والسلوكية والبيئية والفنية، إعادة الاعتبار للتراث الثقافي اللامادي المغربي من خلال الجرد والتوثيق لعناصره، ثم المعالجة والدراسة لمحتوياته وأشكاله، والتحسيس والتثمين بأهميته مع ضرورة المحافظة عليه”.
وفي ذات المقدمة، رأى د. تاوشيخت أن العناية بالتراث الثقافي تحتاج أيضا إلى “تأهيل هذا التراث لخدمة البحث العلمي من جهة، وخدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة ثانية، وخدمة وسائط الاتصال والتواصل من جهة ثالثة”، و”تطرح هذه الإشكاليات ضرورة الاعتماد على رؤية واضحة تهدف إلى إعادة الاعتبار وتأهيل التراث اللامادي المغربي وفق مختلف تعابيره الفنية واللغوية والسلوكية وضمن مجالات وبيئات متنوعة”  و”لن يتأتى تفكيك ألغاز تلك الرؤية دون تحديد الأهداف المسطرة مسبقا وفق خطة عمل واضحة المعالم”، دون أن يفوت د. تاوشيخت ذكر أهم ركائز هذه الخطة ضمن مقدمته للكتاب.
ولم يفت د. تاوشيخت بالتالي القول بأن الباحث د. جواد التباعي استطاع، من خلال كتابه “مولاي بوعزة، المقدس الصوفي والمعماري في خدمة اقتصاد التراث”، الإلمام ب “جوانب جديدة وربما مغيبة من التراث الثقافي المغربي مستعرضا في ذلك أهمية توظيف التراث الصوفي والمعماري في التنمية الاقتصادية لمنطقة مولاي بوعزة المشهورة بزاويتها العامرة التي تستقطب أفواجا كثيرة من بقاع شتى للتبرك بقطبها الشيخ أبي يعزى يلنور بن عبد الرحمان بن أبي بكر الإيلاني رحمه الله وقدس روحه”، مع إشارة إلى أن الكتاب هو “ثمرة عمل أكاديمي طويل وشاق امتد لعدة سنوات ولا يزال مستمرا”.
أما مؤلف الكتاب، د. جواد التباعي، فقد حرص، في مستهل مقدمته، إبراز موضوع العمارة الدينية، وخاصة الأضرحة، التي تعد “من المواضيع المرتبطة بالحقل السوسيولوجي والأنثروبولوجي، ولم تحظ باهتمام كافِ في حقل الدراسات التاريخية المغربية”، إذ أن “الأضرحة ببعدها الديني والثقافي انعكاس اجتماعي لمعطيات تاريخية، وجزء من الثقافة اليومية للمغاربة من سكانها وزوارها في بلد صار معلوما أنه ينبت الأولياء كما تنبت الأرض الكلأ، ورغم ما كتب في هذا الموضوع، فإنه ما يزال بحاجة إلى بحث وتقصي تاريخي خاصة في المناطق الجبلية، كهضبة بلاد زيان التي تعد رمزا للعزلة، ومكانا مثاليا للخلوة، ارتبط فيها التصوف بالفئات المهمشة”.
ومحاولة منه لدراسة بعض الجوانب المنسية في تاريخ المغرب العميق وتراثه، وإخراجه إلى دائرة الضوء، اختار د. التباعي في هذا العمل “ولوج عالم الأضرحة ببلاد زيان، وتحديدا ضريح الشيخ أبي يعزى يلنور بقرية مولاي بوعزة المعروفة تاريخيا ببلاد “تاغية” في أقصى شمال غرب إقليم خنيفرة الحالي”، وكل ذلك “داخل إطار زمني يبدأ مع وصول أبي يعزى إلى المنطقة في بداية العصر الموحدي، مرورا بالعصرين المريني والسعدي، ثم تشييد الضريح وترميمه خلال العهد العلوي، وصولا إلى الأدوار الاقتصادية للضريح اليوم”، ويهدف العمل إلى استحضار البعد الصوفي لشخصية أبي يعزى، وتغطية النقص الحاصل في دراسة هذا المجال عمرانيا واقتصاديا.
وذلك، يقول د. التباعي، “انطلاقا مما جاء من كرامات لشيخه في أدب المناقب (Hagiographie)، مع إبداء ملاحظات خاصة فيها، وإبراز مكانة ضريحه لدى المؤرخين والمتصوفة حتى بناء الضريح خلال العهد الإسماعيلي”، ويحاول العمل “تحديد أهم الخصائص المعمارية للضريح، وإبراز مكوناته، وأهم مرجعياته العمرانية، بربط الجانب النظري بالتطبيقي في دراسة مكوناته وملحقاته”، كما سعى العمل “إبراز دور هذا الأخير في خلق رواج اقتصادي بالمنطقة، خاصة خلال فترة الموسم السنوي من خلال التساؤل عن مستقبل المنطقة دون وجود الضريح”، وقد اعتمدت الدراسة “المنهج الاستقرائي من خلال الاعتماد على مصادر ومراجع متعددة لجمع المعلومات”.
وارتباطا بالموضوع، أكد د. التباعي أن اختيار الموضوع مرده مجموعة من الدوافع، من أهمها أساسا “ارتباط شخصية الولي ومنطقة مولاي بوعزة في الذاكرة المحلية وفي مناطق الجوار بمجموعة من الأساطير، والحكايات الشعبية التي تعدت شهرتها البلاد إلى ما وراء البحار والصحاري”، “الزيارة المتكررة للمنطقة، خاصة خلال فترة الموسم السنوي بدافع الفضول”، “الرغبة في تصحيح مجموعة من التصورات، والإجابة عن مجموعة من الأسئلة التي شغلت البال طويلا، وأصبحت فرصة لتعميق التخصص في دراسة التراث الصوفي والمعماري” ثم رغبة المغامرة بالدخول في عوالم الأضرحة، لاكتشاف وتدوين جزء من أسرارها المعمارية والاقتصادية المقدسة”.
ومن الدوافع الأخرى، يضيف الكاتب، “ندرة البحوث والدراسات التي تناولت تاريخ وتراث هذا المجال بصفة عامة، وانعدام الدراسات التي تناولت الجانب المعماري، وعلاقته بالمقدس والاقتصادي بالمنطقة”، “محاولة التعريف بالتراث الثقافي لـلمغرب العميق، وإخراجه إلى دائرة الضوء”، ثم “الإسراع بدراسة التراث المعماري ببلاد زيان وتوثيقه، خاصة مع اندثار جزء منه، وبداية تدهور الجزء المتبقي”، حيث تم تقسيم قسمنا الكتاب إلى ثلاثة فصول استهلها بالفصل الأول للتعريف بالولي أبي يعزى في مجاله الجغرافي في مبحثين: استُهل المبحث الأول بتعريف موجز للتصوف لغة واصطلاحا”.
وقدم العمل “لمحة مقتضبة عن ظهور التصوف وتطوره بالمشرق”، بسط بعدها “أسباب انتقاله إلى المغرب، وعرج على مظاهر تطوره حتى عصر أبي يعزى”، وذلك “لتيسير معرفة طريقة هذا الشيخ في التصوف”، ليختتم بالتساؤل عن شخصية أبي يعزى، فيما عرف المبحث الثاني بشخصية أبي يعزى يلنور، وقدم “لمحة عن الظروف العامة للمغرب الأقصى خلال فترة حياة هذا الشيخ الصوفي. تم قدم نماذج من الكرامات التي جعلت شهرة هذا الولي تخترق الآفاق، وذلك انطلاقا من كتب المناقب التي تعرضت لسيرته. وأرفقها ببعض الملاحظات والتعاليق الخاصة. وجاء المبحث الثالث تتبعا كرونولوجيا لتطور تسمية المنطقة من تاغية إلى مولاي بوعزة، وختم بنبذة جغرافية عن المنطقة”.
وتطرق العمل، في الفصل الثاني، لدراسة المميزات المعمارية لضريح أبي يعزى، من خلال ثلاثة مباحث: خُصصَ أولها للحديث عن تاريخ بناء المركب المعماري للضريح،  وترميمه ابتداء من عهد أبي يعزى حتى عصر محمد بن الطيب البوعزاوي نهاية القرن 19م. ودرس المبحث الثاني المكونات الرئيسية للمركب المعماري للضريح (الساحة والمداخل، المسجدين، قبة الضريح، الدويرية، المدرسة القرآنية)”، وأُفرد المبحث الثالث “للعناصر الإنشائية والمعمارية للضريح. فتطرق في بدايته لمواد بناء الضريح مستغلا خبرة بنائين محليين، ثم انتقل إلى إبراز أهم عناصر العمارة الإسلامية في الضريح، وحدد بعض خصائصها المحلية”.
أما الفصل الثالث فأفرد “لرصد أهم الأدوار والممارسات الاقتصادية المحيطة بالضريح من خلال ثلاث مباحث: تطرق المبحث الأول لأهم الموارد الاقتصادية القارة، وغير القارة للضريح. وعرّف المبحث الثاني بالموسم السنوي، وأبرز أدواره الاقتصادية والتنموية. بينما تطرق المبحث الأخير لبعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى بالموسم، والتي تصنف ضمن الممنوع قانونا، والمحرم شرعا، مع محاولة، في آخر الفصل، لتحديد العلاقة بين الضريح موضوع الدراسة والتنمية المحلية، وجاءت الخاتمة خلاصة للبحث، تخللتها بعض التوصيات للفاعلين والمهتمين بشأن مجال الدراسة”، دون أن يفوت الكاتب استعراض ما واجهه من إكراهات وصعوبات.
error: