الكتابة الصحفية والتلقي الثقافي من السياقي إلى الإنساني

303٬663
  • حسام الدين نوالي (°)
قبل أكثر من قرن ونصف، نشر الأمريكي إدغار ألان بو قصةً لها سياق مرتبط بالتاريخ الحربي لأمريكا، وترجمها إلى العربية سنة 2013 هاني حجاج مع نصوص أخرى منشورة في العدد 58 من كتاب الرافد الذي يصدر من الشارقة، وهي بعنوان (الرجل الذي تم استهلاكه).
ينطوي هذا العنوان على بعض أو كثير من دلالات (الانسان المستعمَل)، وتم تلقيها في النقد الأمريكي على مستويين، الأول يربطها بالحرب وما تخلفه من أعطاب على الجميع بمن فيهم الأقوياء، في ما يشبه الحديث عن نهاية الرجل الأمريكي؛ والثاني يوسع الدائرة أكثر لتشمل آثار الفعل الحضاري على الإنسان بشكل عام.
الفكرة ذاتها نجدها في القطب المقابل لأمريكان أقصد الاتحاد السوفياتي –سابقا-، وأضرب مثالا بالروائية سفيتلانا أليكسيفيتش، الحائزة على نوبل 2015، صاحبة نص (زمن مستعمَل: نهاية الإنسان الأحمر)، الذي يتناول تفاصيل صغيرة من الفترة السوفياتية وما تعرض له الناس فيها من الظلم والتعذيب بحيث كان الحلم الاشتراكي والدولة العظمى هو جزء جبل الجليد الذي يخفي ضياع الإنسان وقمعه واستهلاكه فكريا واقتصاديا وسياسيا.
هذه الآثار التي سيتناولها كتاب (الإنسان المستعمَل) من زاوية نظر مختلفة، طبعا، لا يتحدّث بشكل صريح عن الأسباب لكن ينوّع تجليات الأثر في الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية والسياسية… وغيرها، ويتناول قضايا كبيرة جدا –لا تسعها كتب ودراسات- لكنه يجزئها ويرتبها على سلم التلميح والإشارة والاقتضاب، وربما نلمس خيطا ما بين هذا التجزيء والتشتيت وبين شخصية ألان بو المشتتة، كما لو أن محاور الكتاب في كليتها تمثل معادلا موضوعيا لإنسانيتنا ولوجودنا الذي فقدناه لأسباب كثيرة.
يضم كتاب (الإنسان المستعمل) حولي 70 نصا، هي في الأصل –وفق ما ينقرؤه في المدخل الذي سماه الكاتب (العتبة): “مجموعة مقالات، أو قل كتلة كلام ثقيلة”، نشرت سابقا في جريدة “ملفات تادلة” وفي صحف ومنابر أخرى، وتُرِكت غير مرتبة، شاهدة على أحداث ووقائع ماضية، كتبت بحرقة وتفاعل وحرارة وغيرة، وبلغة تزاوج بين الجماليّ والتمرّد، وبين الشعري والثوري المدخول بسخرية سوداء بليغة… وهنا ننطلق من سؤال أول:
ما علاقة هذه المقالات بالراهن؟ أوما مسوّغ إعادة نشرها من جديد؟
هل يمكننا الحديث هنا  –بلفظ قاسٍ مستعار من الحقل الصناعي، هو من إنتاج تطورنا الحضاري-عن “إعادة تدوير المقالات”؟ طبعا، لدينا في التاريخ تآليف مشابهة لنقاد وصحافيين ومفكرين حوّلوا المقالات إلى كتب، على النحو الذي قام به العقاد وطه حسين وكيليطو والجابري وعلي حرب.. وغيرهم، وله ما يقابله أيضا حتى في الأدب عندما يعمد كاتب إلى جمع عدد من القصص المكتوبة في سياقات مختلفة، داخل مجموعة واحدة، وربما يخيطها وفق هندسة ما داخل رواية واحدة.
ينتبه عبد الحكيم برنوص إلى هذا السؤال، ويستشعر المفارقة السياقية لزمن الكتابة وزمن التلقي، فيقول “كان صعبا أن يُكتب لهذا التأمل النقدي لأحداث تاريخية الاستمرارُ والدوام، لكن الرهان كان على ثابتها غير المتحوِّل والذي ما فتئ يعيد نفسه في كل مرة وحين” (ص5).
وهذا المبرر ينبني على كثير من المجازفة والكثير من الصعوبات، فالعمل الصحفي تواجهه مشكلة التوفيق بين الرصانة والعمق من جهة، وبين الاتصال بالحياة من جهة ثانية. وهذا الاتصال بالحياة يجعلنا أمام مطبّين: مشكل السطحية (السرعة، الاقتضاب، الارتباط بزمن متصل بالوقائع..) ومشكل مسايرة الجمهور (الدافع التجاري والترويجي للجريدة).
ونجد ما يشبه مدخلا للجواب في التراث القديم، فقد كانت معرفة أخبار العرب مرتبطة ومقرونة بحفظ الأشعار، وكان الشعر (ديوانا للعرب) وسجلا لأيامهم ووقائعهم…، لكن ما الذي يمنحه القدرة على الاستمرار وإعادة تلقيه وأحيانا تأويله في سياقات مختلفة تماما، ولا علاقة لها بسياق النص على الإطلاق؟
إن الصِّحافي ينطلق بدءاً من التورط بموعد محدد، لكن منح النص مزيدا من الوقت عبر استعادته لاحقا ينطوي على أحكام ومواقف ومبادئ ثابتة، أي أنه يميّز بين العابر والقائم، و”ينظر إليهما نظرة الرائي المحلق فوق الأشياء” – بتعبير اللبناني سمير عطا الله؛ وبفضل فعله هذا “ما تزال الحقيقة تحلق فوق سمائنا” –بتعبير برنوص.
وهنا نخلص إلى سؤال ثان، مفاده: ما الثابت غير المتحول الذي يستدعي إعادة نشر مجموعة من المقالات القديمة؟
هذا السؤال هو نفسه سؤال العلاقة بين الصحافة والثقافة، وهل الأولى مجرد وعاء للثانية؟ أم أن إحداهما تثري الأخرى؟ وإلى أي حد يعضدان بعضهما؟
ثمة مقالات غيرت مجرى التاريخ، ومازالت ذات راهنية كبيرة، كما هو الحال بالنسبة لمقالة “في الطريق” لديكارت، و”نهاية التاريخ” لفوكوياما، وعددا من مقالات رولان بارث…
فالصحافة تسعى لرصد وتوثيق وجودنا عبر أحداث ووقائع يومية بغاية جعلها موضوعا للتفكير، فيما أن الثقافة هي تحسين لتفكيرنا وأشكالها، ومن ثمة فإن التقاء الفعل الصحافي والثقافي معا هو الانتقال من الوجود الطبيعي إلى الوعي بالوجود، بحيث إن أحداثا تاريخية معينة متصلة بأزمنة محددة يمكن أن تغدو منافذ للتفكير في قضايا أكبر شاملة تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية والإقليمية. وهذا ما يقدّمه كتاب “الإنسان المستعمل”.
هذا العنوان مأخوذ من العناوين الداخلية، وأرى أنه عنوان موفق جدا بالنظر للنقط التي تتلاقى عندها خطابات المقالات التي تشكّل الكتاب. فنحن إزاء نصوص تتخذ من أعطاب الإنسان مادة للكتابة، ومن اختلالات رصدها الكاتب في أزمنة وجغرافيات معيّنة، وهي تفكيك وتركيب لواقع في صور مختلفة تتنوع بين الثقافي والسياسي والاقتصادي واللغوي والاجتماعي والتربوي وغيرها.
ورغم هذا التعدد الموضوعاتي، فإن الكتاب يُخرجها من المحلي والزمني إلى فتح الأسئلة الكبرى خارج سياقات الأحداث والمضامين المباشرة للمقالات، كما لو أن نقلها من الجريدة إلى الكتاب يغدو انتقالا من الحدود إلى الإشراق، حيث الأسئلة الكونية التي تضمّنا جميعا.  ويمكننا حصر اشتغال الكتاب في نقطتين كبيرتين :
  • تسليع الإنسان:
يرتبط هذا بصناعة وعي عام مشترك يفضي إلى جعل الإنسان آلية ضمن الآلة الصناعية الكبرى، وتستند في ذلك على التسويق لفكر محدد من جهة (انهزامي وفاقد للهوية ومستلب.. كما في نص “سأظل أعيش في ذاكرتكم”، و”الغرباء”…)، ومن جهة ثانية جعله استهلاكيا مرتكزا على الامتلاك بدل الوجود الإنساني الفعلي (كما في نص “وابني ملالاه”، و”سأحزم كفني”..).
  • المركزية:
إذ تعمل مجموعة من النصوص على نفي الزاوية الواحدة ورفض هيمنة المركز، مقابل تمجيد التعدد، واحترام الآخر المختلف لونا وفكرا ووجودا، ساعيا لبناء رؤية إنسانية مبنية على الحق الفردي والجماعي ، كما في نص “أنا أستهزئ إذا أنا حر” و”التلقيح القاتل”…
ولعل الانتقال من السياق الخاص المحدود إلى العام المشترك، ومن الجريدة إلى الكتاب، هو انتقال من كتابة اليومي العابر بدون ذاكرة إلى كتابة الوعي والثابت، أي الخروج من الحدَث التاريخي إلى الفعل الإنساني. وهو ما يستضمر أن الكتابة لا تستنفذ مقولها أمام التحولات الفكرية والمجتمعية، وتظل العودة إليها اشتعال واشتغال بعُدّة جديدة يؤثثها متلقٍّ آخر و زمن مختلف، لكن أسئلتها الكبرى لا تأفل أبدا.
    (°) قاص وناقد، من أعماله “العقل الحكائي: دراسات في القصة القصيرة بالمغرب” ومجموعتي “الطيف لا يشبه أحدا” و”احتمال ممكن جدا”
error: