خنيفرة تخلد الذكرى 109 لمعركة لهري بمهرجان خطابي وحفل تلاميذي واتفاقية لبناء معلمة وافتتاح مدرسة جماعاتية


260٬611
  • خنيفرة: أحمد بـيضي

 شهدت قرية لهري، بإقليم خنيفرة، صباح يوم الأربعاء 8 نونبر 2023، مراسيم تخليد الذكرى 109 لمعركة لهري، في حضور المندوب السامي لقدماء المقاومين وجيش التحرير، وعامل إقليم خنيفرة، وكاتب عام العمالة، وعدد من المسؤولين والمنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية، وشخصيات عسكرية وأمنية، حيث تمت زيارة المعلمة التذكارية المخلدة لهذه المعركة قبل إطلاق سرب من الحمام الزاجل في رسالة ترمز لعمر المعركة، ولما ينبغي أن يكون عليه العالم من أواصر السلام والتعايش والأمن. 

وقد افتتح مهرجان خطابي بكلمة النيابة الإقليمية لقدماء المقاومين، وأخرى لرئيس المجلس الجماعي للهري ثم لرئيس المجلس الإقليمي لخنيفرة، حيث استعرضت في مجملها ما تنطوي عليه المناسبة من دلالات ومعان في التضحية والمواطنة ونكران للذات، ومن تذكير للأجيال بالمواقف البطولية لقدماء المقاومين والشهداء، وبالتضحيات التي قدموها بهذه الأرض، أرض لهري، في سبيل حرية البلاد، وبتفاعل القبائل الزيانية، وباقي المحيط القبلي، مع رفض كل أشكال التدخل الاستعماري ومع كل التحولات الوطنية والإقليمية.

ومن خلال كلمات المتدخلين، تمت تهنئة المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الدكتور مصطفى لكثيري، بمناسبة تتويجه، خلال مارس المنصرم، رئيسا ل “الفيدرالية العالمية لقدماء المحاربين”، التي تضم في عضويتها 172 مؤسسة ومنظمة وطنية تمثل ما مجموعه 142 دولة، وذلك على هامش انعقاد الدورة 30 للجمعية العمومية لهذه الفيدرالية، والتي عرفت مشاركة وحضور وفود عن عدة مؤسسات وهيئات وجمعيات وطنية ودولية تمثل شريحة قدماء المقاومين والمحاربين وضحايا الحرب من القارات الخمس.

وعلى غرار احتفالات السنوات الأخيرة بالذكرى، تميزت أجواء الاحتفال بفقرات غنائية حماسية من أداء مجموعة من تلميذات وتلاميذ ذة. سارة البوجمعي بالثانوية الإعدادية الأمير مولاي عبدالله، قدموا فيها النشيد الوطني وأغاني وطنية من قبيل “يا بلادي عيشي” و”صوت الحسن ينادي” وغيرها، ذلك إلى جانب معرض للوحات تشكيلية من توقيع بعض تلميذات وتلاميذ ورشة الرسم ب “مؤسسة الإبداع الفني والأدبي”، بقيادة ذة. فوزية المالكي، حيث قدم التلاميذ لوحاتهم بأسلوب رائع، وكلها تنبض بألوان الأرض والانتماء، وبالفروسية والمقاومة.

وبخصوص حدث ذكرى معركة لهري الخالدة، انطلق المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الدكتور مصطفى لكثيري، من مرحلة توغل الجيش الفرنسي في البلاد، واجتياحه السواحل المغربية الأطلسية والمناطق الشرقية والجنوبية، واحتلاله لمدينتي وجدة والدارالبيضاء، سنة 1907، وكيف تمت مواجهته على يد أبناء قبائل زيان، بقيادة الشهيد موحى وحمو الزياني الذي سارع إلى التنسيق مع قادة المقاومة بالمغرب، وتعبئة قبائل زمور وزعير وتادلة وورديغة لمساندة قبائل الشاوية عام 1908.

كما تناول المندوب السامي ما خاضه موحى وحمو الزياني من معارك طاحنة، ما بين سنتي 1908 و1912، على هضاب تافوديت وأكوراي بكروان وزحيليكة، ثم معركة “قطب العبد” حيث استشهد أحد أبنائه الذي لم يكن يتجاوز عمره حينها 14 سنة، دون أن يفوت المندوب السامي التركيز على المرحلة التي تمكن فيها المستعمر من بسط سيطرته على مناطق الأطلس المتوسط، ومدينة خنيفرة التي شكلت له موقعا استراتيجيا مهما، إلى درجة إقدام المقيم العام المارشال ليوطي أن عهد إلى الجنيرال هنريس قيادة العمل العسكري ببلاد زيان. 

وصلة بالموضوع، ذكر المندوب السامي بمقتطفات من تصريحات المقيم العام، الجنرال ليوطي، عام 1914، التي كان يرى فيها قبائل زيان عبارة عن مناطق “تصلح لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وأن إصرار هذه المجموعة الهامة في قلب منطقة الاحتلال وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة يكون خطرا فعليا على وجود القوات الفرنسية”، كما ذكر المندوب السامي بمخطط ليوطي الذي قال وقتها بأن “الهدف من السياسة الفرنسية هو فصل الزيانيين المستقرين بالضفة اليمنى لأم الربيع عن الكتلة البربرية الأخرى”.

وفي ذات السياق، استعرض المندوب السامي فترة تمكن القوات الاستعمارية من احتلال مدينة خنيفرة، يوم 12 يونيو 1914، في محاولة منها “لتأمين الطريق الرابطة بين مراكش وفاس، بعد إدراكها لأهمية احتلال هذه المدينة، إلى غيرها من العوامل التي جعلت سلطات الاستعمار الفرنسي تهتم بضرورة تكسير شوكة المقاومة الزيانية، وعلى إثرها قام موحى وحمو الزياني بتغيير استراتيجية مقاومته للمستعمر، مقابل اختياره الاعتصام بالجبال المحيطة بخنيفرة، وشروعه في تنظيم صفوف رجاله وفق خطة جديدة.

ومن خلالها انتقل المندوب السامي، بمداخلته، إلى مرحلة لجوء موحى وحمو الزياني صوب قرية لهري، حيث “أعدت القوات الاستعمارية مخططها للغارة على القرية، في 13 نونبر 1914، بكتيبة تحت قيادة الكولونيل لافيردور، تتكون من 7 سرايا ومدافع جبلية من نوع 75 مم و65 مم ورشاشات وبنادق، وفرق من الرماة المرتزقة الجزائريين والخيالة والكوم، لتشتعل المنطقة بعد نزوح حشد من المقاومين إليها من عدة قبائل لا تقل عن إشيقرن وآيت احمد وآيت إسحاق وآيت سكوكو وامرابطن وآيت سخمان وآيت مكيلد وغيرها”.

وتمكن المقاومون من تطويق زحف الجيوش الاستعمارية من كل جهة، باستخدام كل ما يجب من بنادق وأدوات وفؤوس وخناجر، كانت كافية لتسجيل أبشع هزيمة في تاريخ القوات الاستعمارية الفرنسية، وذلك بسقوط حوالي 700 جندي فرنسي، و33 ضابط، بمن فيهم لا فيردور، وفي ضياع 8 مدافع من نوع 75 و10، فضلا عن 65  رشاشا و700 بندقية وأحصنة وآليات حربية وغيرها”، حيث استند المندوب السامي في ذلك لشهادة الجزائري الأصل، القبطان في صفوف قوات الاحتلال الفرنسي، سعيد كنون.

ويتذكر ذات القبطان كيف كان المقاومون الزيانيون بمعركة لهري “يتقدمون للمعارك كأنهم يذهبون للحفلات”، إلى جانب تذكره ل “تبادل جثث القتلى بين القوات الفرنسية والمقاومين الزيانيين، فيما تم تبادل جثة الكولونيل لافيردير، وخمسة ضباط، مقابل زوجتي موحى وحمو الزياني”، لينهي المندوب السامي مداخلته بنهاية شخصية موحى وحمو الزياني الذي ظل يواجه المستعمر الأجنبي إلى حين استشهاده، صباح الأحد 27 مارس من عام 1921، بأزلاك نزمورت بجبل توجكالت، ودفن بتملاكت.

ولأهمية معركة لهري في تاريخ المغرب المعاصر، أكد المندوب السامي أن مندوبيته أفردت كتابا ضمن “دفاتر الوثائق التاريخية للمقاومة والتحرير”، والذي يحمل عنوان “معركة لهري”، وهو ثاني الدفاتر، من ضمن 9 صدرت إلى حدود هذه السنة، ويضم 257 وثيقة حول المعركة وأطوارها، منتقاة جميعها من رصيد الأرشيف المودع بمركز الوثائق التاريخية للمقاومة والتحرير بالرباط، بمقر المندوبية السامية، والذي تم استجلابه من أرشيف فانسن بفرنسا، يضيف المندوب السامي.

وتم تتويج فعاليات الاحتفال بتكريم 7 أفراد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، بينهم 5 متوفين واثنان على قيد الحياة، حيث تم تقديم نبذة عن حياة كل واحد منهم، قبل تسليم تذكارات التكريم للأخيرين كما لذوي المتوفين منهم، فيما جرى تسليم غلاف مالي بقيمة 30 ألف درهم لإبنة مقاوم، في إطار التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي، فضلا عن تقسيم مبلغ مالي قدره 12 ألف درهم لفائدة أرملتين، عبارة عن واجب عزاء، ثم توزيع إعانات مالية واجتماعية، بغلاف 94 ألف درهم، على 47 فردا، من مقاومين ونساء أرامل.

 وتخللت فعاليات الاحتفال توقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وعمالة إقليم خنيفرة والمجلس الجماعي لآيت إسحاق في شأن بناء معلمة تذكارية بالمدارة الطرقية ابن خليل، الطريق الوطنية رقم 8 بجماعة آيت إسحاق، وذلك بتكلفة مالية قدرها 200 ألف درهم، ويندرج المشروع في إطار حفظ وصيانة الذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية، وكذا بغاية تخليد إسهام ساكنة آيت إسحاق والقبائل المجاورة في الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال.

كما تعززت المناسبة بقيام المندوب السامي، مرفوقا بعامل الإقليم والمدير الإقليمي للتربية الوطنية، وشخصيات حاضرة، بافتتاح “المدرسة الجماعاتية لهري”، والتي جرى إنجازها، في إطار شراكة بين الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع، بتكلفة تقدر ب 9.13 مليون درهم، وتتكون من 6 حجرات للدراسة وحجرة للتعليم الأولي، إضافة لقسم داخلي ب 120 سريرا، وسكن إداري ومرافق صحية ومستودع للملابس وملعب رياضي، وتندرج في سياق مشاريع توسيع العرض المدرسي وتحسين جودة التعليم والدعم الاجتماعي للتلاميذ.

error: